النفط الأزرق: ليبيا والثروة البحرية المنسية

ليبيا أمام فرصة حقيقية لتحويل هذا البحر إلى "نفط أزرق" قادر على إعادة توزيع الثروة الوطنية وتعزيز السيادة الغذائية في آنٍ معاً.
الخميس 2026/07/02
الاقتصاد المنسي تحت الأمواج

في بلد يمتد ساحله على البحر المتوسط مسافة 1970 كيلومتراً، أطول خط ساحلي بين دول شمال أفريقيا قاطبة، تظل هذه المساحة الشاسعة من المياه الإقليمية الغنية خارج كل حسابات التنمية الاقتصادية الجادة. بينما يستحوذ النفط والغاز على أكثر من 99 في المئة من الصادرات الليبية، لا يكاد البحر يُذكر إلا في سياقَين اثنين لا ثالث لهما: الهجرة غير النظامية أو التهديدات الأمنية، لا كأحد أعظم موارد البلاد الطبيعية القابلة للتجدد. هذه المفارقة هي جوهر الأزمة: دولة تمتلك ثروتَين طبيعيتَين هائلتين، إحداهما تحت الرمال والأخرى تحت الأمواج، لكن نخبتها السياسية والاقتصادية، بل ومواطنوها أنفسهم، لا يرون سوى واحدة منهما.

والمفارقة تزداد حدّة حين نتذكر أن النفط مورد ناضب محكوم بسقف زمني، بينما الثروة السمكية، إذا أُحسنت إدارتها، مورد متجدد يمكن أن يستمر إلى الأبد. ليبيا، في جوهر الأمر، تستثمر كل طاقتها في الثروة التي ستنفد، وتتجاهل تماماً الثروة التي لن تنفد أبداً.

سخاء طبيعي وعجز مؤسسي

لا يتجاوز الإنتاج السمكي الليبي الحالي 40.827 ألف طن سنوياً، رقم هزيل بمعايير أي دولة تملك ساحلاً بهذا الاتساع، ويزداد هزالاً حين يُقارَن بجارتَيها على الضفة ذاتها: تونس، رغم سواحلها الأقصر بكثير، تُنتج أضعاف هذا الرقم، ومصر تجاوزت في السنوات الأخيرة المليوني طن سنوياً بفضل استثمارات ضخمة في الاستزراع السمكي. هذا التفاوت لا يعكس فقراً في الموارد الطبيعية، بل يعكس واقع بنية تحتية متداعية ومتشظية تماماً.

موانئ الصيد تفتقر إلى أبسط التجهيزات الحديثة، وسلاسل التبريد شبه غائبة عن معظم المراكز الساحلية، ما يعني أن جزءاً كبيراً من الصيد اليومي يُفقد قبل أن يصل إلى السوق، خسارة غذائية واقتصادية تتكرر كل يوم دون أن تظهر في أي تقرير حكومي. والأكثر إثارة للدهشة أن إنتاج تربية الأحياء المائية، القطاع الذي يشهد طفرة عالمية حقيقية وتعتمد عليه دول كالنرويج والصين وفيتنام في توسيع أمنها الغذائي وصادراتها، لا يتجاوز في ليبيا 480 طناً سنوياً فقط، رقم يكاد يكون معدوماً مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني وبالإمكانات الجغرافية المتاحة.

البنية التشريعية لا تقل تخلّفاً عن البنية التحتية. قانون الصيد البحري الصادر عام 1989، أي قبل سقوط جدار برلين وقبل أن تتشكّل المنظومة الدولية الحديثة لإدارة المصايد المستدامة، لا يزال هو الإطار القانوني الناظم لهذا القطاع بأكمله.

انعدام الأمن في بعض المناطق الساحلية يجعل من الصعب جذب الاستثمارات، محلية كانت أم أجنبية، إلى مشاريع الصيد والصناعات الغذائية

لا توجد تشريعات كافية لتنظيم الصيد المستدام، ولا عقوبات رادعة تكفي لردع الصيد الجائر أو غير القانوني. وفي مقابل هذا الفراغ التشريعي، تتكاثر الجهات المسؤولة: وزارة الزراعة والثروة الحيوانية، ووزارة الحكم المحلي، وجهات أمنية متعددة، كل منها تدّعي صلاحية جزئية، فتتولد حالة من تضارب الصلاحيات وغياب أي استراتيجية وطنية موحدة قادرة على تحريك هذا القطاع من الجمود إلى الفعل.

مليون وظيفة تنتظر على الشاطئ

ربما يكون الجانب الأكثر إيلاماً في إهمال هذا القطاع هو الثمن الذي يدفعه الاقتصاد الليبي يومياً من فرص عمل ضائعة كان يمكنها أن تُحدث تحولاً حقيقياً في أزمة البطالة المزمنة، خصوصاً بين الشباب الساحلي الذي يعيش على حافة بحر غني بينما يُعاني هو فقراً وتهميشاً.

التقديرات تشير إلى أن قطاع الصيد البحري وحده قادر على توفير ما بين 50 ألف إلى 100 ألف فرصة عمل مباشرة في المرحلة المتوسطة، مع إمكانية وصول هذا الرقم إلى ما يقارب المليون فرصة عمل إذا استُثمر القطاع بكامل طاقته، شاملاً الصناعات التحويلية والتكميلية المرتبطة به. وليس هذا الرقم افتراضاً نظرياً معلّقاً في الهواء: المشاريع الجاري تنفيذها حالياً في الموانئ والمرافئ الليبية وفّرت بالفعل أكثر من 19 ألف فرصة عمل، أنتجت بدورها نحو 16 ألف طن من الأسماك سنوياً. ميناء طرابلس للصيد وحده يساهم بعشرة آلاف فرصة عمل من هذا المجموع، أي أكثر من نصف العدد الإجمالي، وهو رقم يكشف بوضوح ما يمكن أن تحققه بقية الموانئ والمرافئ الليبية لو حظيت بنفس القدر من الاهتمام والاستثمار.

هذا الرقم، حين يُقاس بمقياس مليون فرصة عمل محتملة، يتجاوز في أهميته الاقتصادية كثيراً من مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تستحوذ على اهتمام صانعي القرار. فهو لا يخلق وظائف فحسب، بل يُعيد توزيع النشاط الاقتصادي جغرافياً نحو مناطق ساحلية مهمّشة طالما عانت من غياب الدولة وفرص العمل، وهو ما قد يُسهم بدوره في تخفيف الاحتقان الاجتماعي الذي تغذّيه البطالة في تلك المناطق تحديداً.

الإمكانات الاقتصادية المهدورة

تتوزع الفرص الاقتصادية التي يمثّلها البحر الليبي على عدة مستويات متكاملة. المستوى الأول هو قطاع الصيد نفسه، القادر على توفير عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة للصيادين، إضافة إلى وظائف غير مباشرة في النقل والتخزين والتوزيع والتسويق. لكن واقع الأسطول الليبي يكشف حجم التحدي: مراكب الصيد التقليدي تشكّل 92.5  في المئة من الأسطول، بينما لا تتجاوز نسبة مراكب الصيد بالأضواء ومراكب صيد التونة المتخصصة سوى 7.5 في المئة، وهو ما يعكس محدودية التحديث في هذا القطاع الحيوي ويُفسّر جزئياً تواضع الإنتاج رغم سخاء الموارد.

وتبرز هنا فرصة استثنائية بعينها: التونة زرقاء الزعنفة، أحد أكثر الأسماك قيمة تجارية في العالم، وأحد أبرز الموارد الاستراتيجية الكامنة في القطاع البحري الليبي. الإنتاج السنوي الفعلي من التونة يصل إلى نحو 902 طن، في حين بلغت الحصة الرسمية المخصصة لليبيا في عام 2022 نحو 2253 طناً، أي أن البلاد لا تستثمر سوى أربعين بالمئة تقريباً من حصتها المشروعة دولياً، فجوة كبيرة بين الإمكانات الإنتاجية والحصص المقررة في المنظمات الدولية. خليج سرت يبرز هنا كأحد أهم مراكز الصيد في كامل حوض المتوسط، حيث تمر أسراب التونة المهاجرة سنوياً على امتداد الساحل الليبي في موسم يمتد من منتصف أبريل حتى يوليو، لتشكّل هذه الأشهر القليلة ذروة نشاط لا يُستثمر اليوم إلا بجزء يسير من إمكاناته الفعلية.

إلى متى ستظل النخبة السياسية والاقتصادية الليبية تُدير ظهرها لبحر يحمل في مياهه مستقبلاً اقتصادياً لم يُستثمر بعد؟

ثم تأتي الصناعات الغذائية التحويلية، وهي الحلقة الأكثر إضافة للقيمة الاقتصادية والأكثر قدرة على خلق فرص العمل بكثافة. تخطط هيئة تنمية الصادرات الليبية لدعم إنشاء مناطق صناعية ساحلية مخصصة لتجهيز المأكولات البحرية، بهدف إضافة قيمة محلية حقيقية وخلق فرص عمل للشباب في مجالات التعليب والتصنيع الغذائي. هذه الصناعات كثيفة العمالة بطبيعتها، وقادرة على توظيف آلاف الكوادر الفنية والمهنية، لا سيما في ظل توجه وزارة العمل والتأهيل لتحويل قطاع الصيد البحري من نشاط تجاري عشوائي إلى مهنة منظمة، عبر برامج تدريبية متخصصة في الميكانيكا والكهرباء والهيدروليك اللازمة لصيانة مراكب الصيد، وهو ما يفتح بدوره مجالاً واسعاً لوظائف فنية وحرفية جديدة كلياً على السوق الليبي.

يضيف الموقع الجغرافي لليبيا في قلب المتوسط ميزة نسبية حاسمة: القرب من الأسواق الأوروبية، حيث الطلب على المنتجات البحرية عالٍ ومستقر، وحيث المعايير الصحية الصارمة تفتح الباب أمام أسعار تصديرية أعلى بكثير من الأسواق الإقليمية. لكن الواقع الحالي يكشف فجوة تجارية صارخة بدلاً من استغلال هذه الميزة: في عام 2006، بلغت قيمة الواردات السمكية نحو 33.3 مليون دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز 7.6 مليون دولار، أي عجز تجاري تجاوز 25.6 مليون دولار في هذا القطاع وحده. ليبيا، ببساطة، تستورد بالعملة الصعبة ما كان يمكنها إنتاجه وتصديره محلياً، في مفارقة اقتصادية يصعب تبريرها لدولة تملك هذا الساحل الممتد.

وعلى المستوى المحلي، يضطلع تطوير هذا القطاع بدور استراتيجي في تعزيز الأمن الغذائي الوطني. ليبيا تستورد حالياً كميات كبيرة من الأسماك والمواد البروتينية رغم امتلاكها بحراً غنياً قادراً، نظرياً، على تغطية احتياجاتها بالكامل وتصدير الفائض. متوسط الاستهلاك السمكي للفرد في ليبيا لا يتجاوز 9.5 كيلوغرام سنوياً، وهو رقم منخفض نسبياً مقارنة بالمعدلات العالمية التي تتجاوز عشرين كيلوغراماً في كثير من الدول المتوسطية، ويمكن مضاعفته بسهولة لو توفّر المنتج المحلي بأسعار معقولة، وهو ما يحمل بدوره فوائد صحية وغذائية تتجاوز البُعد الاقتصادي البحت.

وفي تطور لافت يعكس إدراكاً متأخراً لخطورة الوضع، أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة في حكومة الوحدة الوطنية قراراً بوقف تصدير المنتجات البحرية بكافة أنواعها لمدة ثلاثة أشهر، في مسعى للحد من استنزاف الموارد البحرية وضمان توافرها داخلياً. شمل القرار حظر تصدير وإعادة تصدير وتجارة العبور للأسماك بمختلف أنواعها، إضافة إلى الرخويات والقشريات وسائر الكائنات البحرية الحية، كما امتد ليشمل المرجان بكافة أشكاله، حياً كان أو ميتاً. هذا القرار، وإن كان مؤقتاً وجزئياً، يُشير إلى أن صانعي السياسة بدأوا أخيراً يستشعرون حجم الاستنزاف الذي يتعرّض له هذا المورد في غياب أي تنظيم فعلي.

عقبات أمام نهوض بالقطاع

أولى هذه العقبات، وأكثرها تأثيراً تراكمياً، هي البيئة السياسية والأمنية غير المستقرة، التي تُشكّل التربة الخصبة لكل أنواع التحديات الأخرى. انعدام الأمن في بعض المناطق الساحلية يجعل من الصعب جذب الاستثمارات، محلية كانت أم أجنبية، إلى مشاريع الصيد والصناعات الغذائية التي تتطلب بطبيعتها استقراراً طويل الأمد وقدرة على التخطيط الممتد لسنوات. وتتجاوز هذه التحديات حدود السواحل الليبية ذاتها: تشير تقارير القوات البحرية الليبية إلى أن سفن صيد أجنبية، وخاصة تونسية، تمارس الصيد غير القانوني داخل المياه الإقليمية الليبية، في عملية نهب منظم للثروة الوطنية يستفيد من ضعف الرقابة البحرية. وقد جرى ضبط سفن صيد أجنبية عدة مرات، وهو ما يعكس عجز الدولة الراهن عن حماية ثرواتها المائية بصورة فعالة ومستمرة.

العقبة الثانية، ولا تقل أهمية، هي ضعف البحث العلمي والتدريب التقني. لا توجد في ليبيا اليوم منظومة متكاملة لتأهيل الصيادين أو تطوير تقنيات الصيد والاستزراع البحري الحديثة. مشاريع كبرنامج “EU4SKILLS” وورش العمل الوطنية المحدودة تسعى إلى تطوير المهارات في هذا المجال، لكنها تظل محدودة النطاق مقارنة بحجم التحدي الفعلي. الخبرات في مجال تربية الأحياء المائية، التي باتت تشكّل نسبة متصاعدة من الإنتاج السمكي العالمي وتُعدّ القطاع الأسرع نمواً في صناعة الأغذية البحرية دولياً، شبه غائبة أو محدودة جداً في ليبيا، كما يكشف بوضوح إنتاج لا يتجاوز 480 طناً سنوياً.

وتُضاف إلى ذلك تحديات بيئية متنامية، أبرزها تأثير التغير المناخي على درجة حرارة المياه وتياراتها، وما يُحدثه ذلك من تغيّرات في توزيع وهجرة الأسراب السمكية، الأمر الذي يتطلب خططاً للتكيف والمراقبة المستمرة لم تُوضع بعد. وبدون قاعدة بيانات علمية موثوقة حول حجم المخزون السمكي وحالته الراهنة، تصبح أي محاولة لتنظيم الصيد أو توسيعه محفوفة بمخاطر حقيقية، وقد تؤدي عن غير قصد إلى استنزاف الموارد ذاتها التي يُراد استثمارها.

فرص عمل تنتظر على الشاطئ
فرص عمل تنتظر على الشاطئ

استراتيجية وطنية للثروة البحرية

تتطلب النهضة بهذا القطاع رؤية وطنية متكاملة، تبدأ بإعادة هيكلة التشريعات والقوانين بما يتوافق مع المعايير الدولية الحديثة لإدارة المصايد. القانون الحالي يحتاج إلى تعديلات جوهرية تشمل تنظيم مواسم الصيد، وفرض حصص واضحة على الأنواع المهددة، ووضع ضوابط صارمة على الصيد غير القانوني، وتشجيع الاستزراع السمكي كبديل مستدام يُخفّف الضغط على المخزون الطبيعي. ومن المفيد التذكير هنا بأن صادرات الأسماك الليبية، حتى مطلع عام 2026، بلغت قيمتها نحو 42 مليون دولار فقط، بنسبة مساهمة لا تتجاوز 0.11 في المئة من إجمالي الصادرات الوطنية التي يهيمن عليها قطاعا النفط والغاز بصورة شبه مطلقة. هذا الرقم وحده كافٍ لتوضيح حجم الإمكانات المهدورة، وقدرة هذا القطاع، لو أُحسن استثماره، على أن يصبح مصدراً جوهرياً للدخل الوطني، خصوصاً إذا أُضيفت إليه الصناعات التحويلية التي تمثّل إضافة حقيقية للقيمة الاقتصادية.

على المستوى المؤسسي، يتعين توحيد الجهات المسؤولة عن الثروة البحرية في هيئة أو وزارة واحدة ذات صلاحيات واضحة لا لبس فيها، كما حدث جزئياً مع إنشاء وزارة الثروة البحرية عام 2021، لكن هذا القرار التأسيسي لا يزال بحاجة إلى متابعة وتنفيذ فعليَّين يترجمانه إلى واقع مؤسسي ملموس لا اسماً على ورق.

والجهات الحكومية مطالَبة بوضع استراتيجية وطنية تمتد لخمس أو عشر سنوات، تُحدد فيها أهدافاً كمية واضحة للإنتاج والتصدير وفرص العمل، وتُخصَّص لها ميزانيات حقيقية قابلة للقياس والمساءلة، لا مجرد أرقام نظرية تُذكر في الخطابات الرسمية ثم تُنسى. كما أن تعزيز قدرات القوات البحرية وحرس السواحل لحماية المياه الإقليمية من عمليات الصيد غير القانوني يُعدّ أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل، كما طالبت بها القوات البحرية الليبية مراراً وتكراراً.

تعزيز قدرات القوات البحرية وحرس السواحل لحماية المياه الإقليمية من عمليات الصيد غير القانوني يُعدّ أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل

كذلك، فإن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المجتمعات الساحلية يُمثّل مفتاحاً رئيسياً للتنمية الشاملة والعادلة جغرافياً. يمكن للقروض الميسرة والدعم الفني أن يُشجّعا الشباب على العمل في قطاع الصيد، أو على إقامة مشاريع صغيرة لتجهيز وتعبئة الأسماك، وهو ما يخلق أنشطة اقتصادية حيوية في مناطق تعاني من الفقر والبطالة رغم قربها المباشر من البحر، في مفارقة تستحق أن تُعالَج بإلحاح. ودمج ليبيا بصورة أكثر فاعلية في المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بالصيد البحري، مثل اللجنة العامة لمصايد الأسماك في المتوسط، يمكن أن يوفّر إطاراً للتعاون التقني والبيئي، ويُسهّل الوصول إلى الأسواق الدولية، لا سيما في مجال حصص صيد التونة التي يمكن أن تُدرّ عوائد كبيرة إذا استُغلّت بكامل طاقتها المُتاحة.

حان وقت الانتباه للبحر

البحر المتوسط ليس مجرد شريط مائي يحدّ ليبيا من الشمال، بل هو امتداد طبيعي لأراضيها يحمل في طياته ثروة قابلة للتجدد، على عكس النفط الذي يبقى مورداً ناضباً مهما طال عمره الإنتاجي. ففي عام 2006 وحده، أنتجت ليبيا 40.827 ألف طن من الأسماك، رقم يمكن مضاعفته عدة مرات مع التخطيط السليم والاستثمار الجاد في البنية التحتية، تماماً كما فعلت دول متوسطية أخرى تملك سواحل أقصر بكثير لكنها استثمرت في هذا المورد باكراً وبجدية. والأهم من ذلك، أن قطاع الثروة البحرية يمكنه توفير ما يصل إلى مليون فرصة عمل إذا استُثمر بكامل طاقته، رقم يُشكّل حلاً جذرياً محتملاً لأزمة البطالة المزمنة التي تنهك البلاد منذ سنوات الصراع.

تطوير قطاع الثروة البحرية لا يتعارض مع الاهتمام بالنفط، بل يُكمّله ويخلق اقتصاداً أكثر توازناً وتنوعاً، اقتصاداً لا يضع كل رهاناته على مورد واحد ناضب، بل يُوزّع المخاطر ويُوفّر فرص عمل حقيقية لملايين السكان في مجتمعات ساحلية ظلت طويلاً تعاني من التهميش رغم قربها المباشر من ثروة هائلة. ليبيا أمام فرصة حقيقية لتحويل هذا البحر إلى “نفط أزرق” قادر على إعادة توزيع الثروة الوطنية وتعزيز السيادة الغذائية في آنٍ معاً. لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية حقيقية، واستقراراً أمنياً ولو نسبياً، ورؤية استراتيجية تُعيد الاعتبار لقطاع ظل طويلاً خارج كل حسابات التنمية الجادة.

السؤال لم يعد، إذن، عن وجود الفرصة. الفرصة موجودة وواضحة وموثّقة بالأرقام. السؤال الحقيقي هو: إلى متى ستظل النخبة السياسية والاقتصادية الليبية تُدير ظهرها لبحر يحمل في مياهه مستقبلاً اقتصادياً لم يُستثمر بعد؟

3