المغرب يعيد تعريف القوة الناعمة
في عام 1990، ابتكر عالم السياسة الأميركي جوزيف ناي مفهوم “القوة الناعمة” ليصف قدرة الدول على التأثير في سلوك الآخرين عبر الجاذبية لا الإكراه، عبر الثقافة والقيم والسياسات المُقنعة لا عبر العسكر والعقوبات. كان ناي يُفكّر أساساً في الولايات المتحدة وهوليوود والجامعات الأميركية وجاذبية النموذج الليبرالي. لم يكن يُفكّر في مدينة فاس.
لكن ما يجري في المغرب اليوم يُقدّم إجابة أصيلة ومغايرة على السؤال ذاته: كيف تبني دولة نفوذاً دولياً لا يعتمد على الجيوش أو الاقتصادات الضخمة؟ الإجابة المغربية تستمد عناصرها من التاريخ والجغرافيا والتنوع، وتُقدّم نموذجاً يستحق الدراسة بعيداً عن الخطاب الرسمي وأقرب إلى فهم كيف تتحول الهوية إلى أداة نفوذ حقيقية في النظام الدولي.
المغرب بلد يقع على تقاطع حضارات لم يُبنَ قصداً بل تشكّل عبر قرون من التداخل والامتزاج. العمارة الأندلسية في مدينة فاس تحمل في أزقتها ذاكرة المسلمين الذين رحلوا من شبه الجزيرة الإيبيرية فحملوا معهم فنوناً وحرفاً وعلوماً أضافوها إلى ما وجدوه. والمدرسة البوعنانية التي يقف أمامها الزوار اليوم مبهورين بنقوشها لا تُخبر فقط عن جمال معماري، بل تحكي عن حضارة كانت تبني مدارس في زمن كانت فيه مدن أوروبية لا تزال تُغلق أبوابها ليلاً خوفاً من اللصوص. هذا التراث ليس ديكوراً للاستهلاك السياحي، بل هو رأس مال رمزي تستثمره الدبلوماسية المغربية بوعي متصاعد.
ما تُثبته التجربة المغربية هو أن القوة الناعمة ليست حكراً على الدول التي تملك هوليوود وجامعات هارفارد. إنها متاحة لكل دولة تعرف كيف تُقرأ وتُدير تعدديتها
مراكش، بساحتها الشهيرة جامع الفنا التي صنّفتها اليونسكو تراثاً إنسانياً غير مادي، تُقدّم عروضاً لما يمكن أن تعنيه الثقافة الحيّة: حلقات الرواة والموسيقيين والحواة والطهاة في فضاء مفتوح للجميع. لكن ما يبدو عفوياً في ظاهره هو في حقيقته نتاج تراكم ثقافي عميق، وهو ما يجعل المغرب وجهة تجذب سنوياً ما يزيد على ثلاثة عشر مليون سائح، بينهم نسبة كبيرة من الأوروبيين الذين يجدون فيه حداً فاصلاً بين عالمهم وعالم آخر يُشبهه ولا يُشبهه في آن.
مهرجان فاس للموسيقى الروحية، الذي انطلق عام 1994 وأصبح حدثاً دولياً يُقارَن بمهرجانات سالزبورغ ومونتريال، يُجسّد هذا التوجه بامتياز. مهرجان يجمع في برنامج واحد الموسيقى الصوفية المغربية والفلامنكو الأندلسي والموسيقى الهندية الكلاسيكية والإنشاد الإسلامي الأفريقي، ليس كمزيج عشوائي بل كتصريح ثقافي يقول: المغرب يُدرك كيف يتحدث في آن واحد إلى محاوريه المتعددين. وهذه القدرة على التزامن هي ربما أثمن ما تملكه المملكة في أدواتها الناعمة.
التعدد اللغوي المغربي مورد استراتيجي يُدار بوعي. دولة تتحدث بالعربية والأمازيغية والفرنسية والإسبانية والدارجة، كل لغة منها تفتح بوابة: العربية نحو الوطن العربي، والأمازيغية نحو الجذور الأفريقية الأعمق والهوية الخاصة، والفرنسية نحو أوروبا وأفريقيا الناطقة بها، والإسبانية نحو شبه الجزيرة الإيبيرية ومجتمعات أميركا اللاتينية. هذا الثراء اللغوي يعني أن المغرب لا يحتاج إلى وسيط حين يتحدث مع باريس أو دكار أو الرياض أو أكرا، وهي ميزة تعبيرية نادرة تُترجَم عملياً في القدرة على نسج تحالفات في دوائر متعددة في الوقت ذاته.
البعد الديني يُضيف طبقة أخرى من التعقيد المُنتج. المغرب ينتسب إلى المذهب المالكي وتقاليد التصوف الإسلامي التي تاريخياً أكثر انفتاحاً على التعددية والتسامح من تيارات دينية أخرى. الملك محمد السادس بوصفه أمير المؤمنين ليس فقط رئيساً للدولة، بل صوت ديني له ثقله في المنطقة، مما يمنح المغرب دوراً مرجعياً في نقاشات الإسلام المعتدل التي تُلقي إليها كثير من الدول الأوروبية آذاناً منتبهة. وقد وظّف المغرب هذا البعد في مبادراته التعليمية الدينية في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تُدرّب معاهده الأئمة وتُصدّر نموذجاً من الإسلام يُقدَّم كبديل للأصولية، وهو استثمار يُعطي عائداً دبلوماسياً يصعب تكميمه لكن يصعب إنكاره.
القوة الناعمة المغربية ليست مثالية ولا تخلو من تعقيدات. فهي تعمل في سياق إقليمي مشحون، وتُوظَّف أحياناً لتعزيز موقف دولي. لكن هذا بالضبط ما يجعل التجربة جديرة بالدراسة
المطبخ المغربي، وهو عنصر يهمل عادة في التحليلات الدبلوماسية الجادة، يؤدي دوراً موثوقاً في هذه المنظومة. الطاجين والكسكس والبستيلة ليست فقط أطباقاً لذيذة، بل هي حاملات لهوية تجد طريقها إلى مطاعم باريس ولندن ونيويورك وأمستردام، حيث يتذوق الزبون ما يعرفه فجأة عن بلد لم يزره بعد. المطبخ دبلوماسية بلا خطاب ونفوذ بلا بيان رسمي، ويصل إلى طبقات من الجمهور لا تُبلغها وزارات الخارجية ولا المراكز الثقافية. والمغرب يُدرك هذا الدور، وإن لم يُعلنه دائماً بالصياغات الأكاديمية.
لكن ما يُميّز التجربة المغربية في القوة الناعمة عن مجرد توظيف جيد للموروث الثقافي هو هذا الوعي المتصاعد بأن الهوية ليست شيئاً يُحتفظ به في متحف أو يُعرض في مهرجان، بل هي أداة سياسية حية تُبنى وتُصان وتُوظَّف. الهوية المغربية المتعددة الأبعاد – عربية وأمازيغية وأفريقية ومتوسطية – لا تعني انعدام الانتماء بل تعني القدرة على التحدث بلغات متعددة مع محاورين متعددين دون أن يبدو ذلك تناقضاً. هذه المرونة في الهوية هي ما يمنح الدبلوماسية المغربية هامش المناورة الذي لا تملكه دول أكثر وضوحاً في انتماءاتها.
القوة الناعمة المغربية ليست مثالية ولا تخلو من تعقيدات. فهي تعمل في سياق إقليمي مشحون، وتُوظَّف أحياناً لتعزيز موقف دولي. لكن هذا بالضبط ما يجعل التجربة جديرة بالدراسة: الدول التي تستخدم ثقافتها كأداة نفوذ لا تفعل ذلك بدوافع نقية تماماً، بل بمصالح واضحة تُوجّه الاستثمار الثقافي نحو أهداف استراتيجية محددة. والمهارة في هذا التوظيف هي بالضبط ما يُحدد الفارق بين دولة تملك تراثاً ودولة تحوّل تراثها إلى نفوذ.
ما تُثبته التجربة المغربية في نهاية المطاف هو أن القوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين ليست حكراً على القوى الكبرى أو على الدول التي تملك هوليوود وجامعات هارفارد. إنها متاحة لكل دولة تعرف كيف تُقرأ هويتها، وتُدير تعدديتها، وتُحوّل تاريخها من عبء الحفظ إلى فرصة الإسقاط. والمغرب، بكل تعقيداته ورهاناته، يُقدّم درساً عملياً في أن الجسور الحضارية لا تُبنى فقط بالحديد والإسمنت — بل تُبنى أيضاً بالموسيقى والطعام واللغة والمعمار والذاكرة المشتركة.