المشروع الكردي: من مشروع دولة إلى مشروع استقرار وقوة

كل خطوة تحقق للإنسان الكردي أمناً وحرية وحقوقاً وازدهاراً هي مكسب للقضية الكردية، وبناء مجتمع قوي ومستقر هو الغاية الأسمى للسياسة الواقعية
الأحد 2026/08/30

ربما يكون أكبر خطأ يقع فيه الكرد اليوم هو أنهم لا يزالون يقيسون نجاحهم السياسي بمقياس واحد: هل اقتربوا من دولة مستقلة أم ابتعدوا عنها؟ هذا المقياس له وزنه التاريخي والعاطفي، لكنه لم يعد كافياً لفهم واقع المنطقة، ولا يعبّر بالضرورة عمّا يحتاجه الإنسان الكردي في حياته اليومية. فالإنسان الكردي، قبل كل شيء، يريد أن يعيش آمناً، وأن يكون له عمل ودخل ثابت، وأن يطمئن على مستقبل أولاده، وأن يتعلم بلغته ويحافظ على هويته، وأن يكون له دور في إدارة المكان الذي يعيش فيه، وأن تُصان حقوقه السياسية والدستورية بشكل لا يستطيع أحد أن يلغيها بسهولة، وأن يعيش في اقتصاد يسمح له بالتقدم، لا أن يبقى رهينة الحروب والأزمات المتكررة.

ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال المهم اليوم: ما النظام السياسي، وما نوع العلاقة مع الجوار، اللذان يمنحان الإنسان الكردي أكبر قدر من الأمان والحقوق والرفاهية وضمان المستقبل؟ هذا السؤال يزداد أهمية لأن المنطقة التي يعيش فيها الكرد لا تسمح بتجاهل موازين القوى، فهناك أربع دول كبيرة تحيط بالمجال الكردي: العراق وسوريا وتركيا وإيران، ولكل واحدة منها حساباتها الأمنية والسياسية والجغرافية، في وقت يتغيّر فيه شكل النظام الإقليمي كله.

ولهذا فإن الواقعية السياسية لا تعني أن على الكرد أن يتنازلوا عن حقهم التاريخي في تقرير مصيرهم، لكنها تعني أن ترتيب الأولويات قد يحتاج إلى مراجعة. فإذا كان بإمكان الإنسان الكردي أن يعيش في إقليم يملك حكماً ذاتياً قوياً، ومؤسسات مستقرة، واقتصاداً متيناً، وضمانات دستورية، وعلاقات دولية واسعة، ويحصل بذلك على أمان ورفاهية وحرية أكبر مما قد توفره له دولة مستقلة لكنها محاصرة اقتصادياً وسياسياً، فالسؤال الواقعي يصبح: أيهما أهم للإنسان؟ نوع الكيان، أم نوعية الحياة داخله؟

ومن هنا يمكن أن يصبح الاستقرار الكردي مشروعاً قائماً بذاته، لا مجرد محطة مؤقتة في انتظار مشروع آخر، وهذا بالضبط ما تفرضه ظروف المنطقة اليوم. طوال القرن الماضي، كان النضال الكردي يقوم إلى حد كبير على محاولة تغيير الحدود التي رُسمت بعد سقوط الدولة العثمانية، لكن المنطقة اليوم مختلفة تماماً عمّا كانت عليه قبل مئة عام، وأصبح الاقتصاد والطاقة والتجارة والممرات الدولية أدوات لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.

وفي بيئة كهذه، فإن التشبث بالأهداف السابقة نفسها قد يرتد بنتائج عكسية، بينما قد يمنح الاستثمار في الموقع الجغرافي والعلاقات الاقتصادية والتوازنات الإقليمية للكرد شيئاً أكثر قابلية للاستمرار: قوة من دون حرب، ونفوذاً من دون تغيير الحدود. فمثلاً، يمثل إقليم كردستان التجربة السياسية الكردية الأكثر تقدماً في المنطقة، فهو يملك مؤسسات سياسية ودستورية واقتصادية وأمنية، وعلاقات إقليمية ودولية. لذلك، مهمته لا تقتصر على حماية وضعه الحالي، بل يمكن أن تتجاوز ذلك إلى تقديم نموذج يثبت أن الكرد قادرون على تحقيق استقرار وازدهار حقيقيين داخل الإطار الإقليمي القائم.

يريد الكرد اليوم استقراراً يضمن لهم الأمن والحقوق والهوية، أكثر من مجرد حلم الدولة المستقلة، فالإنسان يبحث عن عمل ودخل وتعليم وحياة كريمة.

فإذا نجحت أربيل في بناء اقتصاد قوي، وتنويع مصادر دخلها، وتطوير التعليم والصحة والبنية التحتية، وتثبيت مؤسساتها، وحل مشكلاتها الداخلية، وتطوير علاقتها مع بغداد وأنقرة وواشنطن وباقي الأطراف، فإنها ستقدّم للكرد في المنطقة نموذجاً ناجحاً لحياة كردية مستقرة، وهو أهم من أي خطاب قومي. عندها يصبح السؤال بالنسبة للكردي في سوريا أو تركيا أو إيران ليس بالضرورة: كيف أقيم دولة مستقلة؟ بل: كيف أضمن حقوقي، وأمان عائلتي، ومستقبل أبنائي، وأعيش في دولة “سوريا أو تركيا أو إيران” تحترم هويتي وتمنحني فرصة حقيقية اقتصادياً وسياسياً؟ هذا التحول في التفكير ليس تراجعاً عن القضية الكردية، بل ربما هو أنضج أشكال الواقعية القومية.

ومن هنا تأتي أهمية العلاقة مع تركيا، ليس لتحويل الكرد إلى حلفاء ضد بغداد أو دمشق أو إيران، بل لتطوير العلاقة إلى درجة يصبح فيها استقرار الكرد ومصالحهم جزءاً من المصلحة التركية نفسها. فتركيا تحتاج إلى استقرار حدودها، وإلى علاقات اقتصادية قوية مع العراق وسوريا، وإلى بيئة إقليمية أقل توتراً، وإلى إنهاء الصراع المسلح الذي استنزفها لعقود، فيما يحتاج الكرد في الأجزاء الأربعة من كردستان إلى اقتصاد مفتوح، واستقرار على حدودهم، وعلاقات تجارية، وإلى دولة إقليمية قوية يمكن أن تكون شريكاً لا خصماً دائماً.

وهنا يمكن أن تتقاطع المصالح، فإذا تطورت العلاقة بين أنقرة وأربيل من التعاون الاقتصادي والأمني إلى شراكة استراتيجية أوسع، يمكن لإقليم كردستان أن يصبح حلقة الوصل بين تركيا والعراق، ويمكن للعلاقة التركية الكردية أن تساعد في إعادة صياغة علاقة تركيا بالكرد في سوريا وداخل تركيا نفسها، ليصبح الهدف الأبعد أن تتحول أربيل إلى قوة كردية مستقرة ومزدهرة ترى فيها تركيا مصلحة لاستقرارها هي أيضاً. وعندها يتغيّر التفاوض مع بغداد، إذ يجب أن تُبنى العلاقة على الأساس نفسه، بحيث لا تبقى رهينة الرواتب والنفط والموازنة، بل تتحول إلى علاقة مصالح متبادلة، تجعل قوة الإقليم مفيدة لبغداد أيضاً، فيصبح الحفاظ عليها مصلحة عراقية بحد ذاتها.

أما كرد سوريا، فالمسألة تبدو أوضح، إذ إن التحولات العسكرية والسياسية الأخيرة جعلت من قدرة الكرد على الاحتفاظ بتشكيل عسكري مستقل محدودة، وأصبحت المعركة الحقيقية تدور حول شكل الدولة السورية الجديدة، والحقوق الدستورية، واللغة والثقافة، والإدارة المحلية، والمشاركة السياسية، والضمانات التي تمنع تكرار سياسات الماضي.

وفي هكذا وضع، يكون السؤال الأكثر واقعية هو: هل يحتاج الكردي السوري بالضرورة إلى دولة مستقلة كي يعيش بأمان وكرامة؟ فإذا حصل على دستور يعترف بهويته، وتعليم بلغته، وإدارة محلية فعّالة، ومشاركة سياسية حقيقية، وتنمية اقتصادية، وضمانات تمنع التمييز، وعلاقات اقتصادية مفتوحة مع إقليم كردستان وتركيا، فإن مستوى حياته ومستقبل أبنائه قد يكون أهم بكثير من الشكل النظري للدولة.

إقليم كردستان قادر على تقديم نموذج ناجح بالاقتصاد والسياسة والعلاقات، ليصبح الاستقرار مشروعاً بحد ذاته، ويمنح الكرد قوة ونفوذاً دون حروب أو تغيير حدود.

وهنا يستطيع إقليم كردستان أن يقدم دعماً سياسياً واقتصادياً، وتستطيع تركيا أن تكون جزءاً من ضمان الاستقرار، ويمكن لدمشق أن تجد في ذلك مصلحة لها أيضاً، لأنها تحصل على دولة موحدة ومستقرة بدل استمرار الصراع. أما كرد إيران، فالمعادلة تحتاج إلى صبر طويل، فلا يمكن تجاهل حساسية الدولة الإيرانية تجاه أي مشروع كردي يتجاوز حدودها، ولهذا فإن أفضل استراتيجية معها يمكن أن تكون بالتركيز على الإنسان قبل الكيان: تحسين التنمية، ورفع مستوى التعليم، وفتح المجال أمام المشاركة السياسية والثقافية، وتطوير العلاقات الاقتصادية مع البيئة الكردية المحيطة، وهو ما يخلق واقعاً أفضل من الدخول في مواجهة مفتوحة مع دولة تملك أدوات أمنية وعسكرية ضخمة.

وإذا أصبح الكرد في العراق وتركيا وسوريا أكثر استقراراً وقوة اقتصادياً، فإن البيئة الإقليمية نفسها ستتغير، وسيصبح من الصعب عزل كرد إيران تماماً عن هذا التطور. وهنا يبرز السؤال: ما الذي يجب أن يوحّد الكرد؟ فإذا لم يكن الهدف في هذه المرحلة إقامة دولة واحدة، فهذا لا يعني أنهم لا يحتاجون إلى استراتيجية مشتركة، بل ربما يصبح التنسيق بينهم أكثر أهمية، لكن على أساس مختلف، يقوم على بناء الإنسان الكردي القوي اقتصادياً، والمستقر سياسياً، والمتمتع بحقوقه، والواثق من مستقبله، مع اختلاف الوسائل من بلد إلى آخر بحسب ظروفه.

فالكرد في العراق يحتاجون إلى حماية مؤسسات الإقليم وتقويتها، والكرد في سوريا يحتاجون إلى ضمانات دستورية وحقوق سياسية وثقافية واقتصادية، والكرد في تركيا يحتاجون إلى ترسيخ المصالحة والحقوق والمشاركة السياسية، وفي إيران يحتاجون إلى توسيع مساحة حقوقهم وتنميتهم ومشاركتهم، لكن جميعهم يحتاجون إلى بيئة إقليمية مستقرة تتيح لهم بناء مستقبلهم.

حين تتبنى القوى الكردية هذا التفكير، تكتسب العلاقة مع تركيا معنى أكبر، وتتحول وحدة الملف الكردي إلى قوة تفاوضية، بحيث يصبح إقليم كردستان بوابة لعلاقة أوسع بين تركيا وكل المجال الكردي، وتتحول تركيا من مجرد جار إلى شريك في بناء الاستقرار الإقليمي، ويصبح كرد سوريا جزءاً من معادلة سياسية واقتصادية، وكرد تركيا جزءاً من عملية سلام داخلية لها انعكاسات إقليمية، وكرد إيران يستفيدون بشكل غير مباشر من اتساع المجال الاقتصادي والسياسي الكردي المحيط بإيران.

عندها يصبح الملف الكردي واحداً من حيث المصلحة، وإن بقي متعدداً من حيث الحلول السياسية. ما يجعل هذه الفكرة مهمة هو أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة ترتيب واسعة. تركيا تعيد النظر في علاقتها بالملف الكردي، والعراق يبحث عن دوره الاقتصادي والإقليمي، وسوريا تعيد تشكيل نظامها السياسي، وإيران تواجه تحديات داخلية وإقليمية، بينما يملك إقليم كردستان تجربة سياسية وعلاقات إقليمية تسمح له بالحركة بين هذه الأطراف كلها.

هذه ليست لحظة مناسبة كي يعود الكرد إلى عقلية “إما الدولة المستقلة أو لا شيء”، لأن السياسة الواقعية لا تعمل بهذه الطريقة. بل هي لحظة مناسبة للقول إن كل خطوة تحقق للإنسان الكردي أمناً وحرية وحقوقاً وازدهاراً هي مكسب للقضية الكردية، وإن بناء مجتمع كردي قوي ومستقر ومزدهر.