المأزق الإيراني الأخير عراقي أيضا

الواقع المر الذي عاش عليه النظام الإيراني ستة وأربعين عامًا بدأ يتبدل مع مجيء ترامب واعتماده سياسة المجابهة والمقارعة المتشدد وتداعياتها على الدخل القومي ومستوى المعيشة في الداخل الإيراني.
الاثنين 2026/01/05
بدأ العد التنازلي لمغادرة المشهد

من خلال المتابعة المتأنية لتاريخ النظام الحاكم الحالي في إيران، على امتداد ستة وأربعين عامًا، يبدو أنه يوشك على بدء العد التنازلي لمغادرة المشهد أخيرًا.

لم تسلم مدينة أو قرية في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن والسعودية والبحرين ومصر والمغرب والسودان، ولا في بعض دول شرق آسيا وأوروبا وأميركا الوسطى والجنوبية، من آثار أقدام حرسه الثوري أو ميليشياته وخلاياه النائمة التي يحركها عند حاجته السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية الضرورية.

وكانت عوامل قوة النظام تتمثل باثنين، الأول هو السلاح، سواء الذي ورثه من نظام الشاه، أو ما حصل عليه من كوريا الشمالية وروسيا والصين، وما تم تصنيعه محليًا.

والثاني هو الأحزاب والمنظمات والميليشيات التي تمكن من تشكيلها وتسليحها في الدول المجاورة، والخلايا النائمة التي زرعها في الخارج.

ورغم أن قادة النظام، وأولهم المرشد الأعلى علي خامنئي، ظلوا يجاهرون بعائدية تلك المنظمات والأحزاب والميليشيات لحرسهم الثوري، ويفاخرون بقوتها وقدرتها على القتل والاغتيال والتخريب بقصد ردع خصومهم وأعدائهم الكثيرين.

وجرت عادتهم، في أكثر الحالات، على تكليف وكلائهم بالقيام بهجمات كبيرة أو صغيرة، في هذه الدولة أو تلك، ثم يسارعون إلى إنكار علاقتهم بها، ولكن العالم كله يعرف أنهم وراءها.

المتوقع أن تسمح الفصائل المسلحة العراقية المسيطرة على المنافذ الحدودية مع إيران باستقبال مئات آلاف من السياسيين والعسكريين الإيرانيين القادرين على الهرب مع عوائلهم إلى العراق، ملاذهم الأخير

هذا الواقع المر الذي عاش عليه النظام الإيراني ستة وأربعين عامًا بدأ يتبدل رويدًا، رويدًا مع مجيء الرئيس الأميركي دونالد ترامب واعتماده سياسة المجابهة والمقارعة المتشددة، وتداعياتها وتأثيراتها على الدخل القومي ومستوى المعيشة في الداخل الإيراني، رغم جرعات الإنقاذ العراقية بالدولارات المهربة. لقد دخل النظام الحالي في النفق الذي مر به نظام صدام حسين قبل سقوطه في 2003.

ويمكن تشخيص العوامل المساعدة التي أنتجت المأزق الجديد للنظام، بأمرين، الأول، إن سلاحه التقليدي، رغم جودته وكثرته، فقد فاعليته بفعل البوارج وحاملات الطائرات والصواريخ العابرة للقارات والأقمار الصناعية التي تحاصره وتمنعه ليس من استخدام ذلك السلاح، بل حتى من التهديد به كما كان يفعل قبل طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول – أكتوبر 2023.

أما الثاني فهو أن أجنحته المسلحة في لبنان وسوريا وفلسطين واليمن وأخيرًا في العراق أصيبت بما يشبه حالة الشلل، ولم تعد قادرة على فعل شيء ذي قيمة عسكرية أو مالية حقيقية تمكن النظام الإيراني من استعادة عافيته وقوته السابقة، بفعل المراقبة الأميركية والدولية الدقيقة لنشاطاتها وتحركات قياداتها على مدار الساعة. وبالتزامن مع تهديدات أميركية وإسرائيلية جدية جعلت الفصائل تتجنب التحرش بالقواعد التي يتواجد فيها أميركيون أو أية مواقع ومصالح أميركية في العراق وكردستان وفي بعض دول الخليج العربي.

أما خلايا النظام النائمة في خارج منطقة الشرق الأوسط فإن عمليات تفكيكها، واحدة بعد أخرى، جارية على قدم وساق. بل أصبح السفر والتنقل بين المطارات العربية والعالمية من أصعب الأمور على أي واحد يُشتبه بأنه من أتباع النظام الإيراني. وفي أعقاب ما جرى لحزب الله في لبنان وللميليشيات الإيرانية في سوريا ومع اقتراب حماس والجهاد الإسلامي من خط النهاية، وبالترافق مع أزمات مالية ومعيشية داخلية خانقة في إيران ذاتها، بدأت الجماهير الإيرانية تدرك أن النظام أصبح بلا أسنان ولا أنياب، وهو ما شجعها على إطلاق انتفاضتها المعيشية الجديدة التي تلقى أنواعًا وألوانًا غير مرئية من الدعم الخارجي، بعكس انتفاضة مهسا أميني التي كانت عرقية وطائفية، الأمر الذي سهل على النظام وأدها.

المتوقع أن تسمح الفصائل المسلحة العراقية المسيطرة على المنافذ الحدودية مع إيران باستقبال مئات آلاف من السياسيين والعسكريين الإيرانيين القادرين على الهرب مع عوائلهم إلى العراق، ملاذهم الأخير. وهو ما سوف يكون عود الثقاب المنتظر الذي سيشعل غضب الجماهير العراقية ويطلق انتفاضة شعبية جديدة مختلفة عن انتفاضة تشرين 2019، وستعجز الفصائل عن القضاء عليها هذه المرة. بعبارة أخرى، إن ثمن بقاء النظام الإيراني ستة وأربعين عامًا كلف الشعب العراقي ثمنًا باهظًا، ولكن سقوطه سيكلفه ثمنًا أكبر وأشد إيلامًا ودموية. ومع ذلك، وبرغم كل عواقبه وتبعاته وتداعياته، سيكون يوم ميلاد جديد لعراق آخر جديد.

7