اللهم آمين

المرابون أغلقوا في وجهي ووجوه زملائي اليافعين أبواب بغداد وشبابيكها وحدائقها وشطآنها فلم يعد أحد منا يرى فجرها الساحر الجميل ولا ضحاها الباسم الجليل ولا شمس ظهيرتها أو عصرها.
الاثنين 2025/08/11
يا رب أعدنا إلى وطن حر حقيقي وعادل

هل يمكن أن يجد الإنسان وطنا بديلا، فلا يتذكر، إلا قليلا، وطنه الأول بعد أن غادره طائعا أو غير طائع؟

حملت حقيبتي الصغيرة في أواخر أيام العام 1973 ودرت في الدنيا الواسعة. أخفقت هنا ونجحت هناك. أقمت في هذه المدينة العربية فسررت، وحزنت على نفسي في غيرها. تعبت في تلك المدينة من مدن أوروبا أو أميركا واسترحت في سواها.

وعلى أساس أن “من لا يعرفك يجهلك”، كان علي باستمرار أن أنفق الكثير من العرق والوقت لكي أثبت للغرباء أنني لا أتأبط شرا، بل طيبة وصدقا ونقاءً، وأنني أملك شيئا من الخير أريد له أن يثمر بعد أن تعذر عليه أن يثمر في الأرض التي أنبتته وسقته ثم انتزعته من جذوره ورمته في الرياح التي لا تقرأ الكلام ولا تسمع الغناء ولا تشم أريج الزهور اليانعة.

تغربت مرتين، الأولى عام 1957 حين هجرت شواطئ دجلة في المدينة الفقيرة المهدمة الصغيرة التي تسمى “تكريت” إلى العاصمة التي لم يكن لي فيها أهل ولا أقارب. وبكثير من العذاب والألم عرفتني بغداد، ومنحتني الكثير من حبها وعطفها وجمالها الساحر الأخاذ. وبعد عشر سنوات جاءت الذئاب الجائعة، في غفلة من الزمن، لتمسك بخناق بغداد، ولا تترك لها يدا تداعب شعري أو تمسح عن قلبي حزنه الصغير.

أغلق المرابون في وجهي ووجوه زملائي اليافعين أبوابها وشبابيكها وحدائقها وشطآنها، فلم يعد أحد منا يرى فجرها الساحر الجميل، ولا ضحاها الباسم الجليل، ولا شمس ظهيرتها أو عصرها. لم نعد نتلمس تراب أصيلها الفرح الذي لم تكن تتوقف فيه زقزقة العصافير وهديل الحمام. وفي مسائها المنور المضيء لم نعد نسمع غناء صباياها وصبيانها ومواويلهم وهدير أقدامهم على رمال شارع “أبو نواس” وصدر القناة ومنتزه الزوراء.

◄ المعارضون السابقون في العراق كانوا يشتمون صدام حسين بسبب ظلمه وفساد عائلته، وهمجية مخابراته وقسوة سجونه ومقابره الجماعية، فإذا هم أكثر ظلما من ظلمه

خرجت من بغداد بعد صراع صامت بين شك ويقين، بعد صعود حذر وهبوط حزين. لم أكن تماما على نية الهرب إلى خارج الوطن لكي أعارض النظام وراء الحدود، فأسقطه بقصيدة أو بمسلسل أو بفيلم قصير.

كنت مثل الهازل الذي لا يعي ما يفعل، ولا يعني ما كان يردده مع نفسه عن عزمه على الخروج بلا عودة. وبين الجَّد والمزاح، تحولت الغربة إلى وطن، وغاب وطني في مياه البحار الغريبة المتدافعة التي لا ترحم.

لا أريد أن أطيل. ولكن الذي ينبغي أن أقوله هنا هو أن “وطني” المسروق لم يكن هو ترابـَه وشجرَه ومياهـَه وحدوده. لم يكن مدينة بعينها، ولا نهرا أو نخلة. بل هو ذكرى عابرة تلمع فجأة في قلب الغريب، فتجعل عينيه تذرفان دمعهما، وتملأ قلبه بالحنين، أو رائحة رغيف من الخبز يخرج ساخنا من تنور يشبه تنور أمي أو شقيقتي الكبرى، أو أغنية ترقد عميقا في الذاكرة من زمن الصبا، أو منام خاطف يزورني ويختفي بسرعة، أو ضريح من الأضرحة المتناثرة في القرى والقصبات، أو ساعة في مقهى بين كوكبة من أصدقاء الطفولة الحالمين الضجرين.

لم أشعر ذات يوم بأن الوطن هو تراث حمورابي وسنحاريب وجلجامش وبابل وأكد ونينوى، ولا قصيدة للجواهري أو السياب أو الرصافي أو الزهاوي أو عبود الكرخي، ولا مونولوجات عزيز علي وصياد سمك صديقه الملاية وشتائم حضيري أبوعزيز الساخنة التي كان يصبها خلف باب مكتبي المغلق في الإذاعة، على محمد سعيد الصحاف، وعلى موظف استعلامات الإذاعة الذي منعه من الدخول ذات يوم.

لقد كان وطني كلَّ ذلك. كان كلَّ ما أحمله في أعماقي من تلك الصور والأصوات المتداخلة المتلاحقة التي لا تتوقف عن الدوران في أوردتي وشراييني كلها. فأين هي الأرض أو المدينة، في مشرق الأرض ومغربها، التي يمكن أن تمنحني ذلك كله أو حتى بعضَه؟

كنت في كل احتفال برأس سنة جديدة أخاطب الله، بصمت وخشوع، وأقول له:

– يا رب أعدنا إلى وطن حر حقيقي وعادل يبحث حكامه عن صاحب الحق ليعيدوا إليه حقه، ويجاهدون من أجل حماية الضعيف من القوي، والفقير من الغني، ويوزعون وظائف الدولة بمقاييس الكفاءة والاستقامة والشرف، وليس بمقاييس الولاء الطائفي أو العنصري أو الحزبي.

– يا رب لا تمكن منا جبانا ولا لصا ولا جاسوسا ولا طائفيا متزمتا ولا عنصريا لا يرى سوى نفسه.

– يا رب لا تجعلنا كمن صام دهرا وأفطر على بصلة.

– ولا تجعل تلك البصلة فاسدة يا أرحم الراحمين.

ثم أنتم تعلمون أكثر مني بما فعله رفاقنا في المعارضة العراقية السابقة الذين كانوا يشتمون صدام حسين بسبب ظلمه وفساد أبنائه وإخوته وأبناء أعمامه وأخواله، وهمجية مخابراته وقسوة سجونه ومقابره الجماعية، فإذا هم أكثر ظلما من ظلمه، وأكثر من أبنائه وإخوته وأبناء أعمامه وأخواله فسادا، وأكثر همجية من مخابراته ولا أقل قسوة وسجونا ومقابر جماعية.

ولكننا، كما كنا في أيام الراحل صدام حسين، نعود اليوم فنخاطب الله من جديد، بصمت وخشوع:

– يا رب أنت ترى وتسمع ما يفعله الذين تسلطوا على البلاد والعباد بقوة السلاح، والمال المسروق والشهادات المزورة والتخابر مع الأجنبي.

– يا رب لا تجعلنا مرة أخرى نصوم ثم نفطر على بصلة.

اللهم آمين.

8