الفوضى الخلاقة التي ما زالت تلقي بظلالها على منطقتنا

الفوضى الخلاقة حققت بعض الشيء لأميركا، لكنها لم تحسم المخطط كاملاً. ومع ذلك فهي ماضية في تطوير نفس الفلسفة أو تبني فكرة أخرى.
الاثنين 2026/09/21
ربيع عربي أم فوضى خلاقة

الفوضى الخلاقة هي مصطلح سياسي وعسكري يعني إحداث حالة من الفوضى والدمار المتعمد للنظام القائم بهدف إعادة بناء نظام جديد يخدم مصالح القوى الكبرى. وتُعد “الفوضى الخلاقة” واحدةً من أبرز المفاهيم التي استخدمتها الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش الابن لتبرير تدخلاتها في منطقة الشرق الأوسط، وهي بمثابة رؤية إستراتيجية لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة بما يتماشى مع المصالح الأمريكية.

بدأ الحديث عن “الفوضى الخلاقة” بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، حيث اعتُبرت الحادثة نقطة تحول في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي. فقد قررت الإدارة الأمريكية أن هناك حاجة لتعديل القواعد السياسية في منطقة الشرق الأوسط لضمان هيمنة الولايات المتحدة وحماية مصالحها، وتقديم الأمن القومي كأولوية أساسية. لهذا تُعتبر الفوضى الخلاقة جزءاً من خطة إستراتيجية أميركية تهدف إلى تحقيق الهيمنة على المنطقة عبر تفكيك الأنظمة السياسية القائمة وإعادة تشكيلها.

يبدو أن الفوضى الخلاقة التي صاغتها كونداليزا رايس وجدت لتبقى. فبعد دخولها حيّز التنفيذ تغيّرت أنظمة كثيرة وسقطت معاقل في عالمنا العربي، بينما بقيت إيران حيث سعى ترامب بكل ثقله لتغيير النظام هناك. فإعادة تشكيل الشرق الأوسط تعني إبقاء دولة القطب الواحد، ومن هنا تصارع الولايات المتحدة الأميركية لتبقى على رأس الهرم. لكن الصين، الدولة الصاعدة بسرعة الضوء، وروسيا رغم ما تكبدته من خسائر في حربها مع أوكرانيا، ما زالتا تبحثان عن مكان تحت الشمس. كل ذلك كفيل بتعطيل طموح الولايات المتحدة، فجاءت الحرب الأمريكية–الإيرانية منغصاً لما تصبو إليه واشنطن.

الفوضى الخلاقة التي صاغتها كونداليزا رايس وجدت لتبقى فبعد دخولها حيّز التنفيذ تغيّرت أنظمة كثيرة وسقطت معاقل في عالمنا العربي

في سياق “الفوضى الخلاقة”، يمكن ملاحظة أن السياسة الإسرائيلية لها دور محوري في تشكيل وتحليل هذه الاستراتيجيات، إذ تعتبر إسرائيل أن إعادة تشكيل المنطقة بما يتماشى مع مصالح القوى الكبرى –مثل الولايات المتحدة– يمكن أن يؤدي إلى إضعاف الأنظمة المعادية لها، مما يوفر لها بيئة أكثر أمناً واستقراراً.

إذن إعادة تشكيل الشرق الأوسط ليس أمراً سهلاً، فهناك معضلات أهمها إسرائيل التي ما زالت تصر على حلمها التوراتي. فإسرائيل الكبرى التي تحدث عنها نتنياهو ويخطط لها رموز الصهيونية الدينية هي جزء لا يتجزأ من الشرق الأوسط الجديد. هنا ربما لا تلتقي المصالح الأمريكية والإسرائيلية، بمعنى أن منطقتنا باتت محل صراع غير معلن بين الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل، ما يعني خضوع جزء غير بسيط من الشرق الأوسط لإسرائيل.

يبقى السؤال: هل فلسفة الفوضى الخلاقة تمهيد الطريق لإسرائيل الكبرى؟ لا بد من العودة إلى فترة الانتداب البريطاني لفلسطين بشكل خاص واتفاق سايكس–بيكو بشكل عام الذي مزق المنطقة العربية. فالانتداب البريطاني لفلسطين كان الهدف منه تمكين اليهود من بناء وطن قوي لهم هناك. فالإطار العام كان انتداب فلسطين، لكن الجوهر هو إقامة وطن قومي لليهود. والفوضى الخلاقة، رغم اختفاء هذا الطرح علناً، ما زالت موجودة وتُمارس في السر، فهي تفتيت المفتت وإعادة هندسة المنطقة العربية بما يتناسب وطموح إسرائيل.

في العراق مثلاً، وليس حصراً، تم الضرب منذ الاحتلال الأميركي عام 2003 على كل الأوتار: تفجير النعرات المذهبية، تأجيج النزاعات الطائفية والعشائرية، وإعادة إحياء التشنجات العرقية؛ بعدما تم الإطباق على الدولة المركزية وتقويض مؤسساتها، وهدم بنيانها الأمني والعسكري والاقتصادي. وفي بلدان “الربيع العربي” نحن أيضاً أمام نفس الصورة ونفس المنهجية: اللعب على التناقضات الداخلية والدفع بها إلى آماد يتحول بمقتضاها الكل ضد الكل.

من العراق إلى الربيع العربي تجسدت الفوضى الخلاقة في إذكاء النزاعات الداخلية لتبقى السياسات الأميركية أداة لإضعاف الدول وإعادة رسم الخرائط

نفهم مما تقدم أن السياسة الأميركية الخارجية تستند إلى نظرية القنفذ والثعلب، وهي فكرة فلسفية نشرها الفيلسوف إشعيا برلين عام 1953، وتقسّم المفكرين والناس إلى نوعين بناءً على طريقة تفكيرهم وتعاملهم مع التحديات:

الثعلب: يحاول فعل أشياء كثيرة في نفس الوقت، ويمتلك خططاً ومهارات متعددة، لكن تفكيره يتشتت ولا يركز على هدف واحد، فلا يحقق النجاح الكبير على المدى الطويل.

القنفذ: يركز على فكرة أو استراتيجية واحدة بسيطة ويتقنها تماماً، مثل التكور لحماية نفسه من الثعلب، وهذا التركيز يضمن له النجاة والنجاح رغم الصعاب.

الخلاصة أن هناك أساليب كثيرة تتبناها الولايات المتحدة الأميركية من أجل إبقاء قبضتها على العالم. فصحيح أن الفوضى الخلاقة حققت بعض الشيء لأميركا، لكنها لم تحسم المخطط كاملاً. ومع ذلك فهي ماضية في تطوير نفس الفلسفة أو تبني فكرة أخرى.