العراق بعد هرمز

المعركة الأساسية ليست حول التخلي عن هرمز، وإنما حول إنهاء احتكار هرمز للخيار العراقي.
الأحد 2026/08/23
هل تستطيع بغداد أن تتحرر من قبضة هرمز

من استثناء ناقلاته في مضيق هرمز إلى البحث عن منافذ عبر العقبة وبانياس وجيهان، يحاول العراق تحويل أزمة الاختناق النفطي إلى فرصة لإعادة بناء جغرافيته الاقتصادية. لكن الطريق إلى تعدد المنافذ لا يمر عبر الحسابات المالية والفنية وحدها، بل يصطدم بسؤال أكثر حساسية: هل تستطيع بغداد أن تنوع طرق تصديرها من دون أن تعيد إنتاج صراع النفوذ داخل الدولة وخارجها؟

لم يكن القرار الإيراني بالسماح لعدد من ناقلات النفط العراقية بالعبور عبر مضيق هرمز مجرد تسهيل تجاري عابر. ففي الوقت الذي احتاج فيه العراق إلى استثناء إيراني لضمان استمرار جزء من صادراته، كانت بغداد تتحرك في الاتجاه الآخر: البحث عن طرق تجعلها أقل اعتماداً على المضيق، وتوسيع إمكانات التصدير عبر تركيا والأردن وسوريا.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: إيران تمنح العراق منفذاً مؤقتاً عبر هرمز، بينما يحاول العراق بناء منافذ دائمة تجعل هرمز أقل قدرة على التأثير في اقتصاده. هذه ليست بداية قطيعة مع إيران، لكنها تشير إلى تحول أدق: العراق بدأ يدرك أن علاقاته مع طهران يمكن أن تستمر، لكن اعتماد اقتصاده على مسار تتحكم فيه ظروف إقليمية متقلبة لا يمكن أن يستمر بالدرجة نفسها.

قبل الأزمة، كان العراق ينتج نحو أربعة ملايين برميل يومياً، وكانت غالبية صادراته الجنوبية تمر عبر الخليج ثم مضيق هرمز. وعندما تعطلت حركة الملاحة، تحولت المشكلة من أزمة شحن إلى أزمة دولة. انخفضت الصادرات بصورة حادة، وتراجعت الإيرادات النفطية، وبدأ خطر تأخر رواتب القطاع العام يدخل في الحسابات السياسية اليومية.

لم يعد السؤال العراقي ببساطة: كيف نعيد تصدير النفط؟ بل أصبح: كيف نمنع أي طرف خارجي من امتلاك القدرة على تعطيل الدولة العراقية اقتصادياً؟ ومن هنا تبدأ قصة العقبة وبانياس وجيهان.

الاستثناء الذي منحته طهران يمكن قراءته بوصفه تنازلاً محدوداً، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم اعتماد بغداد على قرار إيراني يتعلق بممر حيوي لصادراتها. بغداد لم تحصل على ضمانة دائمة، بل على تسهيلات جاءت بعد مطالبات سياسية. وهذا الفارق مهم: الدولة التي تحتاج إلى استثناء كي تضمن استمرار صادراتها الأساسية تكتشف أن أمنها الاقتصادي ما زال معرضاً للتأثير من خارج حدودها.

العراق لا يحتاج إلى التخلي عن هرمز، بل يحتاج إلى أن يصبح قادراً على القول: إذا تعطل هرمز، فلديّ خيار آخر. وهذه هي النقلة الإستراتيجية الحقيقية.

المسألة لم تعد تتعلق فقط بتأمين منفذ بديل، وإنما بمعركة أوسع حول الجغرافيا التي سيتحرك من خلالها العراق اقتصادياً وسياسياً. أمام بغداد أربع خرائط رئيسية:

العراق بدأ يدرك أن علاقاته مع طهران يمكن أن تستمر لكن اعتماد اقتصاده على مسار تتحكم فيه ظروف إقليمية متقلبة لا يمكن أن يستمر بالدرجة نفسها

هرمز: المسار التقليدي والأكبر قدرة، لكنه الأكثر حساسية للتحولات الجيوسياسية.

جيهان: منفذ شمالي يرتبط بتركيا والأسواق الأوروبية.

العقبة: ممر عربي يصل إلى البحر الأحمر دون المرور بهرمز.

بانياس: نافذة غربية على المتوسط قد تربط العراق مستقبلاً بشبكة شرق المتوسط.

هذه المسارات لا تعني مجرد تنويع تقني. إنها تعيد توزيع علاقات العراق الإقليمية. فكلما تعددت المنافذ، تراجعت قدرة أي طرف واحد على التأثير في الاقتصاد العراقي من خلال التحكم في طريق واحد. وبذلك تتحول خريطة الأنابيب والموانئ إلى خريطة نفوذ سياسي.

من الخطأ تفسير توجه بغداد نحو العقبة وبانياس وجيهان باعتباره قراراً بالابتعاد عن إيران. العراق لا يستطيع، ولا يبدو أنه يريد، قطع علاقته مع طهران. لكن هناك فرقاً كبيراً بين الشراكة والاعتماد.

العراق يستطيع الحفاظ على علاقاته مع إيران، وفي الوقت نفسه تقليل قدرة الجغرافيا الإيرانية على تحديد خياراته الاقتصادية. فإذا أصبح بإمكان بغداد تصدير جزء مهم من نفطها عبر تركيا أو الأردن أو سوريا، فإن أي اضطراب في هرمز لن يعود قادراً على شل الاقتصاد بالدرجة نفسها. هنا تتحول سياسة تنويع الطرق إلى سياسة تنويع للمخاطر ومصادر القوة.

خط البصرة–العقبة يعني أن جزءاً من الصادرات يمكن أن يصل إلى البحر الأحمر من دون المرور بالخليج. قيمته الاستراتيجية لا تكمن فقط في الكمية، بل في إعادة توزيع القدرة على التأثير في القرار العراقي. كل برميل يُصدَّر عبر طريق آخر هو برميل أقل تعرضاً للضغط الناتج عن إغلاق هرمز. وهكذا يتحول خط الأنابيب من بنية تحتية إلى أداة سيادة.

أما بانياس فتمنح العراق نافذة غربية على المتوسط. أهميتها لا تتوقف عند الميناء؛ فالعراق لا يبحث فقط عن منفذ جديد، بل عن عمق جغرافي جديد. غير أن المشروع يواجه تحديات ضخمة في التمويل والأمن والاستقرار السياسي. لذلك فإن بانياس ليست حلاً لأزمة اليوم، بل بوليصة تأمين ضد الأزمة المقبلة.

لا ينبغي اختزال موقف الفصائل المرتبطة بإيران في افتراض أنها سترفض تلقائياً أي مشروع نفطي جديد. الاعتراض الحقيقي قد لا يكون على الأنبوب نفسه، وإنما على النتائج الإستراتيجية التي يمكن أن ينتجها: تقليل الاعتماد على هرمز، وتعزيز العلاقات مع الأردن وتركيا وسوريا، وفتح المجال أمام استثمارات عربية وغربية أكبر.

ولهذا قد لا يأتي التعطيل في صورة رفض صريح، بل على شكل تأخير في التمويل، أو خلافات سياسية، أو توظيف للمخاوف الأمنية. المعركة الحقيقية تصبح حول من يحدد سرعة انتقال العراق من اقتصاد يعتمد على طريق واحد إلى اقتصاد يمتلك عدة خيارات.

في هذه المرحلة تتقاطع قضية تصدير النفط مع قضية حصر السلاح. فالدولة التي لا تحتكر السلاح لا تملك سيادة أمنية كاملة، كما أن الدولة التي لا تملك خيارات متعددة لتصدير ثروتها تظل سيادتها الاقتصادية عرضة للضغط. ويمكن النظر إلى المسارين، رغم اختلاف أدواتهما، باعتبارهما جزءاً من محاولة أوسع لتعزيز هامش الدولة العراقية في المجالين الأمني والاقتصادي. وفي الحالتين، تكمن الغاية في تقليص نقاط الضغط التي تستطيع القوى الخارجية أو الداخلية استخدامها للتأثير في القرار العراقي.

العراق لا يحتاج إلى التخلي عن هرمز بل يحتاج إلى أن يصبح قادراً على القول: إذا تعطل هرمز، فلديّ خيار آخر. وهذه هي النقلة الإستراتيجية الحقيقية

المسار العراقي اليوم أمام أربعة احتمالات رئيسية:

التنويع الناجح: تنجح بغداد في تطوير خطوط جيهان والعقبة وبانياس، فيفقد هرمز جزءاً من قدرته على التأثير، وتكتسب بغداد هامشاً أوسع.

التنويع المحدود: تنجح بعض المشاريع بقدرة محدودة، فتحصل بغداد على هامش مناورة أكبر لكنها تظل بحاجة إلى هرمز.

التعطيل المزمن: تتراكم العقبات، وتبقى المشاريع عناوين طويلة الأمد أكثر منها منافذ حقيقية.

تحويل البدائل إلى ساحات صراع: تنجح بعض المسارات لكنها تتحول نفسها إلى ساحات تنافس إقليمي وداخلي.

المعركة الأساسية ليست حول التخلي عن هرمز، وإنما حول إنهاء احتكار هرمز للخيار العراقي.

العراق يحاول إعادة بناء جغرافيته الاقتصادية بحيث لا يكون أمن صادراته مرتبطاً بنقطة اختناق واحدة. هذه العملية تصطدم بالكلفة المالية والمخاطر الأمنية والتوازنات السياسية الداخلية.

أما الاستثناء الإيراني، فقد يخفف الأزمة الحالية، لكنه في الوقت نفسه يعزز قناعة بغداد بضرورة امتلاك بدائل. المفارقة الكبرى أن الاستثناء الذي أنقذ بعض الصادرات اليوم قد يكون أحد العوامل التي تدفع بغداد غداً إلى بناء اقتصاد أقل اعتماداً على إيران.

المعركة الحقيقية ليست بين هرمز والعقبة، ولا بين بانياس وجيهان. إنها معركة على حرية الحركة العراقية. الدولة التي لا تملك سوى طريق واحد لتصدير ثروتها تملك اقتصاداً هشاً، أما الدولة التي تملك عدة طرق فتملك هامشاً أكبر لاتخاذ القرار.

وفي العراق تحديداً، قد يكون هذا الهامش الاقتصادي هو الخطوة الأولى نحو هامش سياسي أوسع.

العراق لا يغادر إيران؛ العراق يحاول أن يغادر الجغرافيا التي تجعل إيران قادرة على التأثير في خياراته.