الضربات الأردنية… ما بين الأمن والرسائل الصامتة
بينما تؤكد البيانات الرسمية الأردنية أن العمليات الجوية تستهدف شبكات تهريب المخدرات والأسلحة، فإن توقيت هذه الضربات وجغرافيتها الدقيقة في مناطق شهبا وبوسان وعرمان بريف السويداء يفتحان الباب أمام قراءة أوسع. فالمشهد لا يبدو محصورًا في إطار أمني صرف، بل يحمل في طياته إشارات سياسية لا يمكن تجاهلها.
تأتي هذه العمليات في لحظة إقليمية حساسة، حيث يُطرح الجنوب السوري كمساحة مفتوحة للتجاذبات. يمكن فهم الضربات الأردنية كرسالة عملية تقول إن الفراغ الأمني في الجنوب قابل للاحتواء، وأن أمن سوريا لا يستدعي بالضرورة تدخلات خارجية تعيد تشكيل الواقع على الأرض. وهي رسالة تُقرأ أيضًا في ضوء السرديات التي تروج لها إسرائيل حول ضرورة التحرك في بيئة حدودية غير مستقرة.
الضربات الأردنية في الجنوب السوري تتجاوز مكافحة التهريب لترسم حزامًا أمنيًا غير معلن وتبعث رسائل سياسية صامتة حول السيادة والاستقرار الإقليمي
لكن ما بين المعلن والمضمر، تبرز سيناريوهات متعددة تفسر السلوك الأردني:
في السيناريو الأول، تتحرك عمّان كفاعل أمني دفاعي موسّع. فالتصعيد في استهداف شبكات التهريب يعكس تحولًا في قواعد الاشتباك، حيث لم يعد الرد يقتصر على الحدود، بل امتد إلى عمق جغرافي داخل الأراضي السورية. هنا، لا يسعى الأردن إلى تغيير موازين القوى، بل إلى “إدارة التهديد” عبر ضربه في منابعه. وبهذا المعنى، تتحول العمليات إلى ما يشبه حزامًا أمنيًا غير معلن، هدفه احتواء الخطر قبل أن يعبر الحدود.
أما السيناريو الثاني، فيفترض انخراطًا أردنيًا أكثر تعقيدًا في توازنات الجنوب. فالضربات، في هذا الإطار، لا تستهدف التهريب فقط، بل تمنع أيضًا تشكل بيئات محلية قد تنزلق نحو أنماط حكم موازية. وهنا تتجاوز العمليات سياقها الأمني لتكشف عن استراتيجية استباقية تهدف لملء الفراغ الجيوسياسي، وقطع الطريق أمام مشاريع التجزئة، عبر تحويل الردع العسكري إلى أداة سياسية تثبّت أركان السيادة المركزية.
عمّان تتحرك بين حماية أمنها الوطني وتجنب صراع النفوذ لتؤكد أن أمن دمشق من أمنها وأن الاستقرار السوري مصلحة عربية لا تقبل المقامرة
هذا التداخل يعكس حقيقة أن شبكات التهريب باتت جزءًا من اقتصاد نزاعي يمول قوى محلية، وبالتالي فإن استهدافها يتناغم مع جهود السلطات السورية في مواجهة صناعة الكبتاغون، مما يعزز جهود الحكومة المركزية بدمشق في بسط سيادتها الوطنية، ويحول مكافحة الجريمة إلى أداة لإعادة ضبط التوازنات على الأرض؛ في إشارة إلى تنسيق ميداني هادئ يهدف إلى سد الثغرات الأمنية قبل استغلالها إقليميًا.
تتحرك عمّان في مساحة دقيقة بين الدفاع عن أمنها الوطني وتجنب الانزلاق إلى صراع نفوذ مفتوح. فلا هي تعلن انخراطًا سياسيًا مباشرًا في الجنوب السوري، ولا هي تكتفي بردود الفعل التقليدية. لكن المؤكد أن الطائرات الأردنية لم تعد تطارد مهربين فحسب، بل ترسم بصمت حدودًا غير مرئية للعبة إقليمية معقدة… حيث يصبح الأمن رسالة وأداة نفوذ.
أمن دمشق من أمن عمّان، والاستقرار في سوريا يظل مصلحة عربية مشتركة لا تُقبل فيها المقامرة.