الصيف ضيف.. يأتي ومعه مشكلاته الفنية

البنك المركزي التونسي: لقد تم بلوغ سقف العملة الصعبة المرصودة لجذب فنانين أجانب.
الأربعاء 2026/07/01
ما مصير حفلات الفنانين الأجانب؟

كل صيف نستيقظ في تونس على المشكلات ذاتها والأخبار المكررة التي تشعرنا بأن عقارب الزمن قد تجمدت منذ سنوات، المهرجانات الصيفية تشكو من المركزية ذاتها، برمجة تثير غضب الجمهور، صحافة تسعى خلف الترند ومصورون منشغلون بالتقاط فيديوهات وصور لنساء ورجال وأطفال يرقصون، يركزون على الأجساد المكتنزة والفاتنة أكثر مما يركزون على نقل الخبر الصحفي بمهنية واحترافية.

الجديد هذا العام، أن صيف 2026، يحمل معه فصلا جديدا من فصول الارتباك، تمثل في إبلاغ وزارة الشؤون الثقافية للمهرجانات التي تنظمها جمعيات وجهات خاصة بآخر معطيات البنك المركزي التونسي: لقد تم بلوغ سقف العملة الصعبة المرصودة لجذب فنانين أجانب. ما يعني إلغاء لحفلات الكثير من الفنانين الأجانب في المهرجانات.

وكالعادة، لم يتأخر أهل القطاع عن الدخول في سباق اللوم وتوجيه التهم للوزارة ولسلطة الإشراف عموما، ممطرين وسائل التواصل الاجتماعي بوابل من الأسئلة التي وإن وجدت إجابات عنها، لن تُوجد حلول جذرية.

الخبر قد يفرح بعض التونسيين الذين يعارضون وبشدة صرف العملة الصعبة على الفن والثقافة ويرون أن قطاعات أخرى مثل التعليم والبنية التحتية والصحة أولى بمبالغ تصرف على الحفلات.

في خضم هذا الخبر، يجد متعهدو الحفلات أنفسهم في مواجهة مباشرة مع خسائر مالية فادحة قد تعصف بالتزاماتهم وتعرضهم لمساءلات قانونية. تعالت بعض الأصوات المقترحة لحلول ترقيعية، منها الاتفاق مع الفنانين الأجانب على جدولة مستحقاتهم لخلاصها على دفعتين، تكون إحداهما ضمن السنة المالية الجديدة. بيد أن أصحاب هذا المقترح لم ينتبهوا إلى أن هذا الحل ليس سوى ترحيل للأزمة، لأنه سيضر عميقا بالموسم الثقافي الصيفي المقبل عبر اقتطاع نسبة من رصيد العملة الصعبة المخصص للعام القادم، لندخل في حلقة مفرغة لا تنتهي.

وعوض أن يفكر البعض في الضغط على البنك المركزي ليتمكنوا من إحضار فلان أو علان ليغني في المهرجانات، عليهم أن يدركوا أن المشكلة الحقيقية هي أبعد بكثير من سقف عملة صعبة أو قرار إداري مفاجئ، إنها تكمن في البنية الفكرية والاتصالية التي باتت تحكم المجتمع ومؤسساته. وعوض أن نبحث عن مكامن الخلل بعقلية نقدية بناءة، أصبحنا أشبه بمن قيل فيهم “يكون في آخر الزمان أقوام أفضل أعمالهم التلاوم بينهم“.

إن التخلي عن سياسة اللوم وصب جام الغضب على مؤسسات الدولة، أصبح ضرورة ملحة، فالأجدر بنا اليوم التفكير العميق والمسؤول في ما آلت إليه كل القطاعات في بلادنا.

تونس التي كانت سبّاقة في كل المجالات، ومختبرا للتنوير ورائدة ثقافيا ورياضيا وسياسيا واجتماعيا في المنطقة، تقدم اليوم داخليا وخارجيا بصورة مغايرة تماما، تقدم بصورة باهتة لا تليق بتاريخها.

في الرياضة، نحن نواجه مشاكل لا تنتهي أبرزها مشاكل اتحاد كرة القدم، والمردود الهزيل و“الغريب” للمنتخب الوطني الذي جعل من البلاد محل سخرية في الداخل والخارج.

نشاهد كل يوم بنية تحتية مهترئة لم تعد قادرة على استيعاب سير الحياة اليومية ولا احتضان الإبداع أو توفير فضاءات تليق بالمواطن والفنان على حد سواء.

في خضم كل ذلك يبرز تراجع مردود المهرجانات الصيفية العريقة التي غيرت ثوبها الثقافي لتكتسي رداء تجاريا بحتا، حيث تحتكم لمنطق “السمسرة” الذي يفرضه بعض متعهدي الحفلات.

نشهد في كل موسم استقدام أسماء فنية بآلاف الدولارات من دون أي دراسة حقيقية لنوعية الجمهور أو احتياجات السوق الثقافي، بل إن الكثير من هذه الأسماء مكرر بشكل يثير السأم وبعضها يغازل ذوقا فنيا واحدا، وكأن التونسيين ليس فيهم شباب وأجيال مختلفة تريد حقها في حركة ثقافية وفنية تشبهها.

النتيجة؟ أننا نجد أنفسنا كل عام أمام أموال طائلة تصرف، ومهرجانات لا تحقق أرباحا منطقية رغم أن أغلب حفلاتها ترفع شعار “شبابيك مغلقة” وتكتظ بالجماهير وتجذب المعلنين والداعمين! وككل عام نحن أمام مكاتب اتصال تشغل الأسماء ذاتها منذ سنين، وقد نجد أنفسنا أمام واقعة غريبة تستجدي استنكارا رسميا لما يحدث في المهرجانات.

هذه الفوضى في المشهد الثقافي هي انعكاس لفوضى أكبر، تضعنا أمام حقيقة أن هناك إعادة إنتاج للمشكلات ذاتها، دون حلول واضحة وجذرية، بينما العالم من حولنا يتحرك بسرعة فائقة وبتطور كبير في كل المجالات.

لذلك يمكن القول إن تصحيح الوضع الثقافي في تونس يبدأ من مراجعة شاملة واستراتيجية وطنية واضحة تقطع مع السمسرة، تقيم مردود المهرجانات، تحاسب المخطئ، وتستمع لكل الأصوات الناقدة والكاشفة للخلل والتقصير، استراتيجية تضع صورة تونس الرائدة منهاجا لا يحيد عنه أحد.

12