"السوريون".. قصائد تستعيد الوطن من بين ركام الذاكرة
ليس الشعر، في أزمنة الحروب والمنفى، ترفًا جماليًا بقدر ما هو فعل مقاومة للغياب وحفظٌ للذاكرة من التلاشي. ومن هذا المنطلق، يأتي ديوان “السوريون” للشاعر السوري عبدالله الحامدي، بوصفه تجربة شعرية تستنطق الوجع السوري، وتعيد بناء الهوية عبر اللغة، في نصوص تمتد من المأساة المحلية إلى الأسئلة الإنسانية والعربية الأوسع.
في عالم متقلب تتسارع فيه الأحداث، وتتفاقم فيه الصراعات، وتتشظى فيه الأوطان تحت وطأة الحروب والأزمات، أصبحت تجربة الغربة والابتعاد عن الوطن ظاهرةً مشتركة تعيشها شعوب كثيرة. غير أن الغربة التي يعيشها الإنسان العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص تظل تجربةً استثنائية في عمقها الإنساني وامتداداتها الوجودية؛ فهي ليست مجرد انتقالٍ مكاني من وطن إلى آخر، ولا مجرد إقامة قسرية في أرض بعيدة، وإنما هي انقطاعٌ مؤلم عن المكان والذاكرة والتاريخ والهوية في آنٍ واحد.
تتجاوز هذه الغربة حدود الجغرافيا لتصبح حالةً وجوديةً تلامس أعماق الإنسان، وتجعله يعيش اغتراباً عن تفاصيل حياته اليومية، وعن ذاكرته الجمعية، وعن وطنٍ لا يزال يسكنه وإن ابتعد عنه. ومن هنا، فإن الغربة في التجربة الشعرية السورية ليست غياباً عن المكان فحسب، وإنما حضورٌ دائم للغياب، وحنينٌ لا ينطفئ، وذاكرةٌ تقاوم النسيان مهما طال الزمن أو اتسعت مسافات المنفى.
وفي هذا السياق، يجسد الشاعر عبدالله الحامدي في ديوانه “السوريون” الصادر عن منشورات نينوى بدمشق، في 108 صفحات، ويضم عشرين قصيدة، هذا الوجع المركب، حيث تتجسد الغربة بوصفها نتيجةً للأحداث التي تعصف بها، وانكسار التاريخ العربي، وتداعي الأحلام الإنسانية. ويقدم الشاعر عبر صور شعرية نابضة بالحياة تجربةً سوريةً عميقة، تتداخل فيها مآسي الحاضر مع ذاكرة الماضي، وتظل فيها آمال المستقبل حاضرة رغم كل ما يحيط بها من ظلام وانكسارات.
فسيفساء الهوية السورية
البناء الفني للديوان ينسجم مع مضمونه، فالقصائد بنيتها متقطعة ومتداخلة، تعكس حالة التشظي التي يعيشها السوريون
من أبرز السمات التي يبنى عليها ديوان “السوريون” احتفاؤه بالتنوع الإنساني والثقافي الذي شكّل الشخصية السورية عبر التاريخ. فالسوريون، على اختلاف أعراقهم ومكوناتهم الدينية والثقافية، من عرب وأكراد وأرمن وآشوريين وشركس وغيرهم، يلتقون جميعاً داخل نسيج وطني واحد، تتجاوز فيه الهوية المشتركة حدود الاختلافات الفرعية.
يقول الشاعر “شقائقُ النُّعمانِ تفتَّحتْ، والمآذنُ صدحتْ/ وأجراسُ النواقيسِ دقَّتْ، والغيومُ اكفهرَّتْ/ مطرٌ لم يتوقَّفْ طوالَ الليل”.
تجمع هذه الصورة الشعرية بين رموز دينية وثقافية متعددة، فتجاور المآذن أجراس الكنائس، وتتحد عناصر الطبيعة في مشهد واحد، بما يعكس حقيقة التعدد الديني والثقافي الذي عرفت به سوريا عبر تاريخها الطويل. وكأن الطبيعة نفسها تشارك في صياغة خطاب الوحدة، وتؤكد أن الاختلاف لم يكن يوماً سبباً للفرقة، بل كان أحد أهم عناصر الثراء الحضاري السوري.
ويبرز هذا التنوع في الديوان بوصفه أحد مقومات القوة التاريخية لسوريا، إلا أنه أصبح في زمن الحرب عرضةً للتصدع والانكسار، بعدما عصفت به النزاعات، وأضعفت قيم التعايش والتسامح التي شكلت أساس الشخصية السورية عبر القرون. ومن هنا، يقدم الحامدي سوريا بوصفها كياناً تاريخياً متماسكاً، لا يقوم على وحدة الأرض وحدها، بل على وحدة الذاكرة والإنسان، بما يجعل المحافظة على هذه “اللحمة الوطنية” ضرورةً وجودية تتجاوز الاعتبارات السياسية الآنية.
لا يقتصر الديوان على تصوير الواقع السوري الراهن، بل يمتد إلى استحضار التاريخ السوري بوصفه خزينةً للحضارات الإنسانية، ومركزاً للإشعاع الفكري والثقافي عبر العصور. فسوريا، في رؤية الشاعر، ليست مجرد وطن يعيش مأساة الحاضر، وإنما أرضٌ حملت إرثاً حضارياً هائلاً، أنجبت العلماء والمتصوفة والمفكرين، وكانت جسراً بين الشرق والغرب.
الديوان لا يقتصر على تصوير الواقع السوري الراهن، بل يستحضر التاريخ السوري بوصفه خزينة للحضارات الإنسانية
يقول “كما كنتُ في أسواقِ الصباحِ، والعيدِ، والثلج/ وربعُ قرنٍ من الذكرى/ هو ربعُ ثانيةٍ في النسيان/ ودهرٌ لا يتزحزح”.
تعبر هذه الأبيات عن المفارقة الزمنية التي يعيشها السوري؛ فسنوات طويلة من الذكريات والحياة تتحول فجأة إلى لحظة عابرة أمام قسوة الحاضر، بينما يبقى الألم ثابتاً لا يتحرك. وهنا تتجلى هشاشة الذاكرة الجمعية أمام الكوارث الكبرى، إذ يصبح التاريخ بكل أمجاده مهدداً بالنسيان، وتغدو الحضارة نفسها عاجزة عن حماية الإنسان من قسوة الواقع.
ومن خلال هذه المفارقة الزمنية، يطرح الشاعر سؤالاً وجودياً عميقاً حول علاقة الإنسان بذاكرته، ومدى قدرة التاريخ على مقاومة محاولات المحو والتغييب التي تفرضها الحروب والأزمات.
لا يقدم الحامدي الإنسان السوري في صورة البطل الأسطوري، وإنما يرسمه إنساناً بسيطاً، يحمل أوجاعه اليومية، ويعيش الخيبة والمنفى، لكنه لا يفقد قدرته على الصمود. فهو يستحضر دفء الأم، وحنان البيت الأول، وذكريات الطفولة، ويجعل من الحبيبة رمزاً للوطن لا مجرد امرأة.
فالحبيبة في هذا الديوان ليست الأنثى التي تغنى بها الشعراء في قصائد الغزل التقليدية، وإنما هي سوريا ذاتها، الوطن الذي يسكن الشاعر أينما ارتحل، ويظل حاضراً في وجدانه رغم المسافات.
ويعتمد الحامدي صوراً شعرية مكثفة، مثل صورة الأطفال العراة في الخيام، وصورة النهوض “إلى وقت جديد مثل ثوب العيد”، ليؤكد أن الألم، مهما بلغ مداه، لا يستطيع أن يقضي على إرادة الحياة، وأن الإنسان السوري لا يزال قادراً على مقاومة الخراب، واستعادة الأمل من بين الركام.
مآسي المدن العربية
من أبرز السمات التي يبنى عليها ديوان "السوريون" احتفاؤه بالتنوع الإنساني والثقافي الذي شكّل الشخصية السورية عبر التاريخ
لا يتوقف الديوان عند حدود الجغرافيا السورية، بل يتجاوزها ليجسد الوجع العربي بوصفه تجربةً إنسانيةً واحدة، تتشابه فيها أسباب الألم وإن اختلفت الأمكنة.
ففي غزة، يرصد الشاعر مأساة الإنسان الفلسطيني الذي يعيش تحت وطأة الحرب والحصار، ويقول “وأجسادٌ لأطفالٍ عراةٍ ينسلون من الخيام”.
وتختزل هذه الصورة الموجعة حجم المأساة الإنسانية، حيث تتحول براءة الطفولة إلى مشهد يومي من الخوف والحرمان، فيغدو الطفل رمزاً للإنسان العربي الأعزل الذي يدفع ثمن الصراعات الكبرى. وتكشف الصورة عن قدرة الشاعر على تكثيف المأساة في مشهد بسيط، لكنه بالغ التأثير.
أما بغداد، المدينة التي كانت يوماً مركز الحضارة الإسلامية وعاصمة الدولة العباسية، فقد تحولت في رؤية الشاعر إلى فضاء للصراعات والمؤامرات، نتيجة التدخلات الأجنبية والحروب المتلاحقة، فأصبحت رمزاً لانهيار الحلم الحضاري العربي، وتراجع الأمن والاستقرار، وضياع الإنسان بين العنف والانقسام.
وفي بيروت، التي طالما شكلت ملتقى للمثقفين العرب ومنارةً للفكر والإبداع، يرصد الشاعر مدينةً مثقلةً بجراحها، تستنزفها الحروب والانقسامات، حتى غدت صورةً أخرى للألم العربي المشترك. ومن خلال استحضار هذه المدن الثلاث، يؤكد الحامدي أن الوجع السوري لا ينفصل عن الوجع العربي، وأن ما تعانيه سوريا هو جزء من معاناة أمة كاملة، تتقاسم الألم والذاكرة والمصير.
التشظي انعكاس للواقع
ينسجم البناء الفني للديوان مع مضمونه، إذ تأتي القصائد في بنية متقطعة ومتداخلة، تعكس حالة التشظي التي يعيشها الإنسان السوري. فالتقطيع ليس مجرد تقنية شكلية، وإنما هو اختيار جمالي يعبر عن واقع ممزق، فقدت فيه الأشياء ترابطها الطبيعي، وأصبحت الذاكرة نفسها شظايا متناثرة تبحث عن اكتمالها.
وتمنح هذه التقنية النص حيويةً خاصة، إذ تجعل القارئ شريكاً في إعادة بناء المعنى، وفي فك رموز التجربة الشعرية، بما ينسجم مع طبيعة الواقع الذي يصوره الديوان.
لا يقتصر الديوان على تصوير الواقع السوري الراهن، بل يمتد إلى استحضار التاريخ السوري بوصفه خزينةً للحضارات الإنسانية
ويختتم الديوان بإبقاء نافذة الأمل مفتوحة، فبرغم كل ما شهدته سوريا من مآسٍ وتشظٍ، يؤكد الشاعر أن الهوية السورية لا تموت، وأن الوطن قادر على النهوض من جديد.
ويعبر عن ذلك بقوله “بين شظايا الذاكرة المتناثرة، يظل هناك دائماً نورٌ يتسلل من شقوق القصيدة، ليعلن أن السوري، الذي اختبر الموت والمنفى، هو نفسه الذي يمتلك سرَّ الانبعاث”.
وتكشف هذه النهاية عن الرؤية الفكرية التي يقوم عليها الديوان، حيث لا يتحول الألم إلى استسلام، وإنما يصبح قوةً تدفع نحو المقاومة وإعادة بناء الذات والوطن.
يتجلى في ديوان “السوريون” لعبدالله الحامدي الوجع السوري بوصفه تجربةً إنسانيةً وشعريةً مركبة، تمتزج فيها الغربة بالهوية، والذاكرة بالتاريخ، والألم بالأمل. فلا يكتفي الشاعر برصد آثار الحرب أو تصوير المعاناة الفردية، بل يعيد تشكيل صورة سوريا بوصفها فسيفساء حضارية متعددة الأعراق والثقافات، ظلت، رغم كل ما أصابها، محافظة على جذورها العميقة وانتمائها الإنساني.
كما تتداخل في الديوان صور المدن العربية المنكوبة، مثل غزة وبغداد وبيروت، لتؤكد أن المأساة السورية ليست معزولة عن السياق العربي العام، وإنما هي جزء من وجع أمة بأكملها.
وعلى المستوى الفني، ينجح الحامدي في توظيف بنية شعرية متشظية تنسجم مع واقع التمزق، دون أن يفقد النص قدرته على بث الأمل واستشراف المستقبل. وهكذا يتحول الوجع في هذا الديوان من حالة انكسار إلى طاقةٍ للمقاومة، ومن تجربة فقدٍ إلى مشروع انبعاث، ليقدم الشاعر شهادةً إنسانيةً مؤثرة تؤكد أن السوري، مهما اشتدت عليه المحن، يظل قادراً على النهوض، واستعادة هويته، وصياغة مستقبل يليق بتاريخ وطنه وحضارته.