الذكاء الاصطناعي يتغلغل في هوليوود.. صعود التقنية يُشعل جدلا إبداعيا وحقوقيا

مخرجو السينما العالمية منقسمون حول الذكاء الاصطناعي.
الأحد 2026/07/26
تحولات جدرية تهز السينما العالمية

لندن - تتوسع شركات الإنتاج السينمائي ومنصات البث في هوليوود باستخدام الذكاء الاصطناعي ضمن مراحل صناعة الأفلام، من إعداد التصورات واللوحات القصصية إلى المؤثرات البصرية وما بعد الإنتاج، وسط انقسام بين مخرجين يعدّونه أداة مساعدة، وآخرين يحذرون من دخوله إلى صميم العمل الإبداعي.

وتستند هذه التحولات إلى إعلانات رسمية صدرت عن شركات نتفليكس وليونزغيت ورانواي وبلاك فورست لابس، إضافة إلى تصريحات منشورة لمخرجين وعاملين في قطاع السينما.

وأعلنت نتفليكس الأحد استخدام الذكاء الاصطناعي في حوالي 300 عمل فني خلال العام الحالي فقط، حيث قال تيد ساراندوس، الرئيس التنفيذي المشارك، في بيان أرباح الشركة، إنه يتم استخدام الذكاء الاصطناعي حاليًا لإنتاج "مشاهد بالغة التعقيد"، بما في ذلك مشاهد الحشود ولقطات المعارك التاريخية.

وأضاف ساراندوس أنه كان من المستحيل تصوير مثل هذه المشاهد لولا الذكاء الاصطناعي، نظرا لتكلفتها العالية والوقت الكبير الذي يحتاجه تصويرها بالطرق العادية، مؤكدا في الوقت نفسه أن الذكاء الاصطناعي ليس سوى أداة في أيدي المبدعين.

وقال: "صناع الأفلام هم الذين يبدعونها، لكن الذكاء الاصطناعي يوفر لهم أدوات أفضل لتحسين أعمالهم".

وتؤكد تصريحات الرئيس التنفيذي المشارك ما سبق أن ذكرته نتفليكس حول تزايد استخدام اللقطات المولدة أو المعدلة بالذكاء الاصطناعي في الأعمال التي تنتجها.

وكانت شركة نتفليكس أعلنت في مارس 2026 عبر موقعها الإلكتروني، استحواذها على شركة إنتر بوزيتيف للتقنيات السينمائية، التي أسسها الممثل والمخرج بن أفليك، وتطوّر أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي مخصصة لصناع الأفلام، مؤكدةً أن توظيف هذه الأدوات سيبقى مرتبطاً برؤية المبدعين وغاياتهم الفنية.

وسبق لنتفليكس أن استخدمت الذكاء الاصطناعي التوليدي عبر ذراعها المتخصصة في المؤثرات والإنتاج الافتراضي آي لاين، ولا سيما في مسلسل الخيال العلمي الأرجنتيني "إل إترناوتا"، وفق بيانات منشورة في الموقع الإعلامي الرسمي للشركة.

استخدام الذكاء الاصطناعي انتقل من التجارب المحدودة إلى عمليات إنتاج منظمة، تشمل تصميم المشاهد والبيئات، واختبار الأفكار بصريا قبل التصوير، وتسريع بعض الأعمال التقنية

وفي مسار مواز، أعلنت شركة ليونزغيت وشركة أبحاث الذكاء الاصطناعي رانواي في أيلول 2024 شراكة لتطوير نموذج مخصص اعتماداً على مكتبة ليونزغيت السينمائية والتلفزيونية، بهدف مساعدة مخرجي الشركة وصناع محتواها على تطوير أعمالهم.

ووسعت الشركتان تعاونهما في يونيو 2026، ليشمل استخدام أدوات رانواي في التصور المسبق للمشاهد، وإعداد اللوحات القصصية، وبعض مراحل إنتاج الصورة النهائية، بحسب إعلان نشرته رانواي.

وتشير هذه الشراكات إلى انتقال استخدام الذكاء الاصطناعي من التجارب المحدودة إلى عمليات إنتاج منظمة، تشمل تصميم المشاهد والبيئات، واختبار الأفكار بصريا قبل التصوير، وتسريع بعض الأعمال التقنية.

انضم المخرج مارتن سكورسيزي مستشارا إلى شركة بلاك فورست لابس الألمانية، المطورة لنماذج فلوكس لتوليد الصور، واستخدم أدواتها في إعداد لوحات قصصية خلال مرحلة ما قبل الإنتاج.

وأوضح سكورسيزي، في مادة نشرتها الشركة وتناقلتها وسائل إعلام فنية، أن هذه الأدوات تساعد المخرج على نقل تصوره إلى فريق العمل بصورة أوضح وأسرع، داعيا إلى الانفتاح على تطورها مع إبقاء القرار الإبداعي بيد الإنسان.

في المقابل، قال المخرج ستيفن سبيلبرغ خلال مشاركته في مؤتمر ساوث باي ساوث ويست في مارس 2026 إنه لم يستخدم الذكاء الاصطناعي في أفلامه، وأبدى تحفظه على توظيفه في المجالات التي تتصل مباشرة بالإبداع الفني، مع تمييزه بين المهام الإبداعية والاستخدامات التقنية أو المساندة.

ويعكس الموقفان جانبا من الجدل داخل الوسط السينمائي؛ إذ يقبل بعض المخرجين استخدام الذكاء الاصطناعي في التخطيط والتصور البصري، بينما يرفض آخرون منحه دوراً في التأليف والأداء وصنع الخيارات الفنية الأساسية.

اتسع النقاش مع ظهور تيلي نوروود، وهي شخصية مولدة بالذكاء الاصطناعي طورتها شركة الإنتاج البريطانية "بارتيكل 6" عبر قسمها المتخصص زيكويا.

وأعلنت الشركة في يوليو 2026 أن الشخصية ستؤدي دور البطولة في فيلم روائي طويل بعنوان ميس ألايند، ما أعاد طرح أسئلة حول استخدام الشخصيات الاصطناعية في التمثيل، وحدود الاستفادة من أعمال الفنانين الحقيقيين في تدريب النماذج.

وأثار ظهور الشخصية اعتراضات من ممثلين ونقابات فنية، ولا سيما بشأن احتمال استخدام أداء الفنانين وصورهم وأصواتهم من دون موافقة أو تعويض، في مقابل تأكيد الشركة المنتجة أن المشروع يجمع بين عمل فرق بشرية وأدوات الذكاء الاصطناعي.

وتدفع قدرة النماذج التوليدية على محاكاة الوجوه والأصوات إلى تطوير صيغ تقوم على ترخيص الهوية الرقمية للممثلين، وتحديد مدة الاستخدام ونطاقه والعوائد المالية المترتبة عليه، بدلاً من استنساخ ملامحهم أو أصواتهم من دون إذن.

وبينما تستمر شركات الإنتاج في الاستثمار بهذه التقنيات، يبدو أن مستقبلها في السينما لن يتحدد بقدرتها التقنية وحدها، بل بالقواعد التي ستنظم استخدامها وتحمي حقوق المؤلفين والممثلين والفنانين، وتحافظ على القرار الفني بوصفه مسؤولية بشرية.

إلى جانب الانقسام الإبداعي، يفرض التوسع المتسارع للذكاء الاصطناعي تحولات جذرية على معادلة التكاليف واقتصاديات الإنتاج في صناعة السينما العالمية. فالاستوديوهات الكبرى ترى في هذه التقنيات فرصة غير مسبوقة لتقليص الميزانيات الضخمة التي تُنفق على المؤثرات البصرية والمعالجات الرقمية وإعادة التصوير، فضلاً عن اختصار الجداول الزمنية للإنتاج التي كانت تمتد لسنوات إلى مجرد أشهر قليلة. هذا الضغط المالي يضع العمالة الفنية الحرفية—من مصممي الديكور والكومبارس إلى فنيي المونتاج والمؤثرات—في مواجهة مباشرة مع خطر البطالة والتقليص الهيكلي، مما يعيد تشكيل سوق العمل السينمائي ويجعل الصراع على التقنية صراعاً على البقاء المهني والمادي أيضاً.

وعلى صعيد آخر، تظل مسألة الملكية الفكرية والتشريعات القانونية العائق الأكبر أمام الاستخدام المطلق لهذه التقنيات في هوليوود. فالنماذج التوليدية تعتمد في تدريبها على ملايين الأفلام والأعمال الفنية المبتكرة سابقا، وهو ما يفتح بابا واسعا للدعاوى القضائية حول حقوق المؤلف واعتبار هذه العملية نوعاً من السطو الرقمي المُنظم.

ومع غياب أطر قانونية دولية واضحة تنظم عملية ترخيص البيانات وتعويض الفنانين الأصليين، تقع شركات الإنتاج بين فكي الرهان على المستقبل التكنولوجي والمخاطرة الخوض في نزاعات قضائية معقدة قد تعطل إطلاق مشاريعها السينمائية الضخمة.