الحكيم يحاكم الميتافيزيقا وسلماوي يحاكم السلطة

من سؤال الوجود إلى سؤال الوطن.. توفيق الحكيم ومحمد سلماوي في مرآة التحولات.
الأربعاء 2026/09/02
الأستاذ وتلميذه يلتقيان ويفترقان

يمثل توفيق الحكيم ومحمد سلماوي محطتين لافتتين في تطور الأدب المصري والعربي، رغم اختلاف الأجيال والرؤى والأدوات. فمن المسرح الذهني والأسئلة الميتافيزيقية لدى الحكيم، إلى الواقعية السياسية والاشتباك مع قضايا السلطة والمجتمع لدى سلماوي، تكشف المقارنة بين تجربتيهما تحولات الأدب في علاقته بالإنسان والواقع والتاريخ.

يرتبط الكاتبان توفيق الحكيم ومحمد سلماوي، برابطة فكرية وثيقة؛ فقد عاصر سلماوي الحكيم في أواخر حياته وتأثر بأدبه، لكنه صاغ لنفسه هوية أدبية مستقلة اشتبكت مع تفاصيل الشارع والسياسة. وتمثل المقارنة النقديّة بين الحكيم (رائد الفلسفة والرمزية) وتلميذه محمد سلماوي (رائد الواقعية السياسية الجديدة) نموذجًا لتحول المسرح والرواية العربية من تجريد الأفكار الفلسفية إلى تشريح الواقع السياسي المعاصر.

يُعد توفيق الحكيم (1898 – 1987) مؤسس "المسرح الذهني" في الأدب العربي. لا تُكتب أعماله (مثل أهل الكهف 1933، وشهرزاد 1934، ويا طالع الشجرة 1962) لتُجسَّد ماديًّا على الخشبة بقدر ما تُكتب لتُقرأ وتُناقش كأفكار تجريدية صراعية (الإنسان ضد الزمن، أو العقل ضد العاطفة). بينما ينتمي مذهب محمد سلماوي إلى الواقعية النقدية والسياسية المباشرة، والاشتباك الراهن. أعماله (مثل مسرحية "الجنزير" 1992، ورواية "أجنحة الفراشة" 2011، ورواية "أوديب في الطائرة" 2024) تغوص في عمق الأزمات المعاصرة، مثل قضايا الإرهاب، والتحولات الاجتماعية، والثورات العربية، محولاً الأسطورة إلى أداة لتشريح الحاضر.

اختلاف العوالم والتوجهات

يستخدم كلا الكاتبين الأساطير التراجيدية اليونانية، لكن بوجهتين مغايرتين تمامًا، فإذا أخذنا على سبيل المثال مسرحية "الملك أوديب" للحكيم 1949، ورواية "أوديب في الطائرة" لسلماوي، فعلى الرغم من اختلاف النوع الأدبي، فإن الهدف الأساسي عند الحكيم هو الصراع الفلسفي بين مشيئة الإنسان والقدر الإلهي المخفي. وعند سلماوي كان الهدف هو إسقاط سياسي على الحريَّات، والديكتاتورية، والثورات.

البطل عند الحكيم يتحرك في فضاء ذهني حواري مأساوي معزول نسبيًّا. أما بطل سلماوي، فيركب طائرة حديثة، ويشهد ثورة يناير 2011 في الشارع المصري.

كانت الغاية النقدية عند الحكيم محاكمة المفهوم الميتافيزيقي للعدالة الإنسانية. بينما كانت غاية سلماوي محاكمة الأنظمة الحاكمة وسلوك الجماهير السياسي.

لقد واجه الحكيم معضلة الفصحى والعامية في المسرح عبر ابتكار لغة وسيطة سمّاها "اللغة الثالثة"؛ وهي فصحى مبسطة وقريبة من السمع وصالحة للقراءة والتمثيل المسرحي دون تكلف. كما خاض في مسرح العبث باقتدار. بينما تمتاز لغة سلماوي بالرشاقة الصحفية والدرامية المكثَّفة والمباشرة. والحوار عنده لا يستهدف توليد أفكار فلسفية مجردة، بل يستهدف دفع الحدث والتشويق السياسي إلى الأمام وتجسيد التناقضات الطبقية والأيديولوجية بوضوح.

يميل الحكيم غالباً إلى برج عاجي يتأمل منه حركة المجتمع (كما يتضح في روايته "عصفور من الشرق" 1938)، حتى في كتاباته الاجتماعية مثل "يوميات نائب في الأرياف" 1937، وكأن نقده يرتدي ثوب السخرية المريرة والتحليل المؤسسي دون الانخراط الحركي.

أما سلماوي فيتبنى موقفًا نقديًّا مباشرًا، ويعكس ذلك توليه مناصب ثقافية رسمية (كاتحاد الكتاب المصريين والعرب على سبيل المثال). ومسرحيته الصادمة "الجنزير" كانت مواجهة فنية مباشرة على المسرح ضد الفكر المتطرف والإرهاب في التسعينيات، ما يجعله كاتبًا مشتبكًا بامتياز بملفات أمن المجتمع وفكره.

ونستطيع أن نقول إنه بينما كان توفيق الحكيم يبني الأساس البنيوي والفلسفي للمسرح العربي، ليكون ندًّا للمسرح الغربي في عمقه الميتافيزيقي، جاء محمد سلماوي ليأخذ تلك الأدوات المسرحية ويطوعها لخدمة القضية السياسية والاجتماعية الآنية.

ونلاحظ أن الحكيم يترك قارئه يتساءل عن الوجود، بينما سلماوي يترك قارئه يتساءل عن الوطن والحرية.

لقد ابتكر الحكيم "اللغة الثالثة"، كحل توفيقي بين الفصحى والعامية. ولذا تمتاز لغته بالبساطة الظاهرية، لكنها محملة بطاقات إيحائية مجردة. والجملة عنده جملة فكرية؛ تبدأ بالفكرة وتنتهي بها، وتقل فيها المحسنات البديعية أو الزخارف اللفظية، لتبدو الحوارات وكأنها تُترجم حوار العقل الداخلي مع نفسه. أما لغة سلماوي فهي لغة حية، ورشيقة، ومتأثرة بالإيقاع الصحفي السريع والدقيق. إنه يميل إلى "التهجين اللغوي" عبر استخدام لغة تتناسب مع الشريحة الطبقية والأيديولوجية للشخصية (لغة المتطرف دينية، لغة المثقف ليبرالية، .. إلخ). اللفظ عنده ليس مجردًا، بل هو رصاصة إجرائية تدفع بالحدث وتكشف الانتماء السياسي للشخصية فورًا.

تعتمد بنية النص عند الحكيم على النمو العمودي للفكرة. والحبكة غالبًا دائرية أو مغلقة، حيث يبدأ النص من نقطة فلسفية، ويعود إليها بعد رحلة عبثية، مثل استيقاظ أهل الكهف ثم عودتهم للموت في مسرحية "أهل الكهف"). لذا نجد الحدث الخارجي ضئيلا، بينما يكمن الصراع في البنية الداخلية للحوارات والمواقف الذهنية.

وتتسم بنية أعمال سلماوي بـالنمو الأفقي الديناميكي (تصاعد الأحداث وتشابك المصائر). الحبكة عنده خطية تصاعدية، متأثرة بالبناء السينمائي القائم على تقطيع المشاهد، وتعدد الأماكن، والسرعة المفاجئة في التحولات (مثل اختطاف طائرة أو مداهمة إرهابية). البنية عنده مُهيأة تمامًا للتجسيد البصري والحركي على خشبة المسرح.

يتحرك الحكيم في فضاء الوجودية والعبث والصراع الأزلي بين ثنائيات (الزمن / الخلود، العقل / القلب، الواقع / الخيال). ونتذكر أنه صاغ مذهبه الفلسفي الخاص المسمى "التعادلية" (1955)، في محاولة لخلق توازن بين القوى المتصارعة دون انتصار حاسم لإحداها، مما يترك النهايات مفتوحة على التساؤل الكوني.

بينما تتخلى أعمال سلماوي عن الميتافيزيقا لترتكز على فلسفة الالتزام والواقعية السياسية. الصراع عنده ليس مع القَدر أو الزمن، بل مع المؤسسة، والسلطة، والفكر المتطرف، أو الاستعمار الحديث. فلسفة سلماوي براجماتية؛ تسعى لتغيير الواقع، وتفكيك بنى القهر الاجتماعي، وإدانة التراجع الحضاري.

ونلاحظ أن "الشخصية" عند الحكيم عبارة عن "قناع" يرتديه المفهوم الفلسفي. شخصياته تعاني من اغتراب وجودي حاد، وتعيش في عوالمها الداخلية، وتتحرك بدافع هواجس عقلية عليا. هي شخصيات "ثابتة" أو "أفكار تمشي على قدمين" أكثر من كونها بشرًا نراهم في الشارع.

بينما شخصيات سلماوي نامية ومأخوذة من نسيج المجتمع المصري المعاصر (المثقف المأزوم، والشاب المغيَّب فكرياً، والانتهازي، ومصممة الأزياء العصرية، وصاحبة الجاليري، والطبيب، والطالب، .. الخ). وتظهر الدوافع النفسية للشخصيات عبر صراعها الطبقي، وإحباطاتها السياسية، وخوفها من المجهول الأمني، مما يجعل سيكولوجيتها مرتبطة شرطيًّا ببيئتها الاجتماعية.

وإذا توقفنا أمام الزمن عند الحكيم، فسنجده زمنًا نفسيًّا، فهو البطل الحقيقي والخصم الأكبر للإنسان (كما في أهل الكهف). ينهار عنده الزمن الخطي ليحل محله الزمن السرمدي. فالأحداث قد تستغرق قرونًا أو تمر في لحظة ذهنية واحدة، الوقت عنده نسبي وفلسفي خالص.

أما زمن سلماوي فهو خطي، وحاد، وتاريخي بامتياز. حيث يرتبط النص بلحظة سياسية محددة (فترة التسعينيات وتصاعد الإرهاب في "الجنزير"، أو لحظة ثورة 25 يناير في "أجنحة الفراشة" و"أوديب في الطائرة"). الزمن هنا يضغط على الشخصيات عبر "ساعة موقوتة" (أو زمن العد التنازلي) المتولِّد من الأزمات السياسية أو الأمنية الحركية.

العلامات والدلالات عند الحكيم "مفتوحة التأويل وعابرة للزمن". (الكهف = القبر أو الرحم، الشجرة = الحياة والتجدد، الحمار = البراءة الفطرية ومواجهة تعقيد الحضارة). إنها شيفرات سيميائية تتطلب ثقافة أسطورية وفلسفية لفك رموزها الإشارية.

في سيميائية سلماوي، الدلالات عنده إجرائية وسياقية ترتبط بالواقع مباشرة. (الجنزير = القيود الفكرية والديكتاتورية، الطائرة = الوطن المحلِّق في أزمة أو التغريب، اللحية أو الزي = الانتماء الأيديولوجي). الرموز هنا تعمل كـأيقونات اجتماعية يسهل على المتلقي المعاصر فك شفرتها فورًا لأنها مستمدة من وسائط الإعلام والشارع اليومي.

يخلق الحكيم ما يسميه الكاتب الإيطالي إمبرتو إيكو (1932 – 2016)  بـ"النص المفتوح"، لكنه نصٌّ يتطلب قارئًا نموذجيًّا ومثقفًا. حيث يترك الحكيم فجوات مسرحية هائلة، يُجبر القارئ على ملئها بالتفكير الفلسفي. إن التلقِّي هنا هو فعل تأملي واعتكافي؛ فالجمهور شريك في إنتاج المعنى الوجودي للنص.

أما سلماوي فيميل إلى النص الجماهيري/ السياسي، وهو يبني نصوصه على أفق توقعات مستمد من الأخبار اليومية للمتلقي، ثم يقوم بصدم هذا الأفق عبر تعريته للواقع. التلقي هنا لا يتوقف عند التأمل، بل يستهدف إحداث صدمة وعي سياسي، تدفع المتلقي لاتخاذ موقف نقدي أو حركي من قضايا مجتمعه فور خروجه من قاعة العرض أو إغلاقه للرواية.

الأيدي الناعمة وأجنحة الفراشة

وننتقل إلى الحديث عن "الأيدي الناعمة" للحكيم (1958)، و"أجنحة الفراشة" لسلماوي (2011)، ويُمثل الربط النقدي بينهما نموذجًا فريدًا لتطور أدب التحولات البنيوية الكبرى في مصر.

كلا العملين يرصدان انتقال المجتمع من طور تاريخي مأزوم إلى فجر سياسي واجتماعي جديد؛ حيث تُفكك "الأيدي الناعمة" تداعيات ثورة يوليو 1952 على طبقة الإقطاع، بينما تتنبّأ "أجنحة الفراشة" سيميائيًّا بثورة يناير 2011 لإسقاط النظام الأبوي الفاسد.

غلافان
عملان مختلفان في الرؤية

تتحرك البنية الحكائية في العملين وفق مصفوفة تحولات جذرية على مستوى العلاقات والطبقات، ويمكن رصدها عبر مستويين: فعبر نموذج العاملي للباحث والفيلسوف الروسي جوليان غريماس (1917 – 1992)، سنجد في "الأيدي الناعمة"، الذات (البرنس فريد) الذي يمثل الطبقة المنهارة. والموضوع هو البحث عن مكانة جديدة داخل "مصر الاشتراكية" عبر قيمة "العمل". والمُرسِل القوانين الثورية الجديدة وحتمية الواقع، والمساعد الدكتور حمودة (العاطل الأكاديمي) وبنات البرنس. إن البرنس يمثل – أيديولوجيًّا - الطبقية البائدة، والكبرياء الزائف، ورفض التنازل عن اللقب.

أما في "أجنحة الفراشة"؛ فالذات هي ضحى (مصممة الأزياء الناعمة) والوطن. بينما الموضوع هو الانعتاق والحرية السياسية والذاتية. والمُرسِل هو غياب العدالة، والفساد المؤسسي، والاحتقان الشعبي. والمساعد هو د. أشرف الزيني (المثقف التنويري)، والتكنولوجيا (فيسبوك والمحمول)، والجماهير. بينما كانت العوائق، الزوج (مدحت بك الصفتي) ذو  النفوذ الحزبي والسلطة البوليسية القمعية.

أما المستوى الثاني؛ فهو بنية التحول السردي، حيث تبدأ بنية "الأيدي الناعمة" من حالة "عدم التكيف والجمود الأرستقراطي"، وتتحرك أفقيًّا عبر تصادم كوميدي / فلسفي مع طبقة المثقفين والعمَّال، لتنتهي بحالة "الاندماج والانصهار الاجتماعي" (البرنس يوافق على العمل والزواج من طبقة أدنى). أما "أجنحة الفراشة" فتعتمد على البنية التوازية المتشابكة. ويتحرك الخط الأول (تحرر ضحى من زوجها وأمها المتسلطة) بالتوازي التام مع الخط الثاني (تحرر الوطن وثورته ضد الحزب الفاسد). وتنتهي البنية بالانعتاق الثوري الكامل.

يُعدُّ العنوان في العملين بمثابة "العلامة الأم" أو "المفتاح الشفري" الدال على البنية العميقة للنص. ومن خلال سيميائية العناوين وثنائياتها الضدية، نجد في "الأيدي الناعمة" علامة مركبة من (اسم + صفة). تحيل سيميائيًّا على الكسل والنعومة الإقطاعية البائدة. والمفارقة السيميائية – هنا - هي تحول "الأيدي الناعمة" في نهاية النص من دلالة "الشرف الطبقي الزائف" إلى دلالة "العار الاجتماعي الحقيقي" ما لم تنتج.

أما "أجنحة الفراشة"، فهي علامة مستوحاة من مصطلح "أثر الفراشة" في نظرية الفوضى (إن رفرفة جناح فراشة في الصين قد تسبب إعصارًا في أمريكا). الرمز السيميائي هنا يتأسَّس على المفارقة؛ فالضعف الظاهري للأجنحة الرقيقة ينتج عنه انفجار سياسي هائل وثورة عارمة تزلزل أركان الديكتاتورية.

وإذا أردنا تفكيك شيفرة سيميائية أخرى وعلاماتها في كلا العملين، فسنجد؛ الزي أو البدلة الرسمية والأوسمة تمثل قناع الماضي المتآكل ورفض مواجهة الواقع الجديد في "الإيدي الناعمة، بينما نجد تصاميم الأزياء العالمية ثم المصرية عند ضحى، وهو تحول من تغريب أزيائها إلى الخصوصية المصرية مما يعكس تيقظ وعيها الوطني في "أجنحة الفراشة".

أما  علامة المكان؛ فهي القصر المهجور في "الأيدي الناعمة"، وهو رمز للموقع الطبقي المعزول، ولكنه يتحول لاحقًا إلى فضاء مفتوح مستأجر لتوليد المال. بينما علامة المكان في "أجنحة الفراشة"، هي ميدان التحرير حيث يرمز الميدان لميلاد وعي شعبي كاسح وجديد.

سيميائية التحوّل تكمن في حرف الدال (دكتوراه) فهي شفرة دالة على العلم العاطل (لدى د. حمودة) الذي يلتقي بالجهل الأرستقراطي العاطل في "الإيدي الناعمة". أما اليرقة والفراشة في "أجنحة الفراشة" فهي شفرة التحول البيولوجي؛ فضحى تتحول من يرقة خاضعة مستسلمة إلى فراشة تقود التغيير.

إن "الأيدي الناعمة" نص بنيوي مقيد بأيديولوجيا الإصلاح والاحتواء. وعلاماته السيميائية تدور في فلك الدولة والعمل كأدوات نفعية لإعادة صياغة الفرد المأزوم ليتوافق مع المجموع. وفي "أجنحة الفراشة" نجد نصًّا بنيويًّا مفتوحًا على ديناميكية التثوير والتنبؤ. وعلاماته السيميائية تتحرك من الداخل الذاتي (المرأة) إلى الخارج الكوني (الثورة والوطن)، مستغلة "أثر الفراشة" السياسي لتفسير كتل الجماهير الغاضبة.

4