التغريبة الشيعية: مرحلة إعادة التفاوض

مع استعادة العشيرة هامشاً من القرار، وإعادة القوى السياسية توزيع أدوارها، يصبح السؤال الأهم: من يملك حق تمثيل البيئة الشيعية والتفاوض باسمها؟
الاثنين 2026/08/24
من يقرر الحرب والسلم ومن يدفع الثمن؟

في قلب لبنان اليوم، تبرز البيئة الشيعية كساحة الاختبار الأخطر والأكثر حسماً لمستقبل الكيان اللبناني برمته. لم تعد المسألة مجرد نقاش حول سلاح أو مقاومة أو سيادة، بل تحولت إلى سؤال وجودي عن هوية جماعة كانت لعقود رمزاً للتماسك المذهبي، ثم وجدت نفسها أمام كلفة باهظة تدفعها، فيما تتآكل بعض الأسس التي بنت عليها نفوذها داخل الدولة وخارجها.

منذ اندلاع المواجهة الأخيرة، تحولت مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية وبعلبك–الهرمل إلى ساحات دمار ونزوح واسع. مئات الآلاف غادروا بيوتهم، وفقدت قرى بأكملها مقومات الحياة، فيما باتت العودة رهينة وقائع تتجاوز إرادة السكان. لذلك، لم تعد الحرب تُقرأ داخل البيئة الشيعية كاستهداف لتنظيم مسلح فحسب، بل كضربة لبنيتها الاجتماعية والعمرانية والديموغرافية.

فإفراغ الجنوب والقرى الحدودية، مقابل تركز السكان في بيروت ومحيطها وجبل لبنان، لا يعيد رسم الخريطة السكانية فحسب، بل يضعف تحويل الوزن العددي للطائفة إلى نفوذ جغرافي وسياسي مستقر. وهنا تتحول الكلفة الأمنية إلى أزمة اجتماعية، والأزمة الاجتماعية إلى سؤال سياسي.

التغريبة الشيعية الجديدة ليست مجرد نزوح مؤقت؛ إنها إعادة توزيع للسكان والنفوذ داخل الطائفة، وفتح لأسئلة ظلت مكبوتة طويلاً: من يقرر الحرب والسلم؟ ومن يدفع الثمن؟ وهل تكفي سردية “الصمود” لتبرير غياب الدولة عن حياة الناس، أم أن استمرار هذا الغياب يخدم معادلات إقليمية أوسع على حساب بناء دولة قادرة على حماية أبنائها؟

وهنا يبدأ السؤال الأعمق: ماذا بقي من المعادلة التي جعلت هذه الكلفة مقبولة طوال العقود الماضية؟

تحت هذا الضغط، بدأت إعادة الترتيب داخل البيئة الشيعية تأخذ شكلاً سياسياً واضحاً. فالثنائية التي حكمت المشهد لعقود، بين قوة عسكرية أيديولوجية وذراع سياسية أكثر براغماتية، تشهد تمايزاً متزايداً في الأدوار. الطرف الذي حمل لواء المقاومة يواجه كلفة إقليمية متزايدة وقدرة متناقصة على حماية البيئة التي يستمد منها شرعيته، فيما يحاول الطرف الآخر، الأقرب تاريخياً إلى مؤسسات الدولة وإرث العمل السياسي التقليدي، تقديم نفسه كقناة تواصل مع الخارج وباقي المكونات اللبنانية.

المسألة لم تعد مجرد نقاش حول سلاح أو مقاومة أو سيادة بل تحولت إلى سؤال وجودي عن هوية جماعة كانت لعقود رمزاً للتماسك المذهبي

هذا التمايز ليس انقساماً عمودياً معلناً، لكنه يعكس سؤالاً أعمق حول موقع الشيعة داخل لبنان: هل هم طائفة مندمجة في الدولة تبحث عن حماية مؤسساتية، أم قوة إقليمية مرتبطة بمحور خارجي يدفع ثمنه داخلياً؟ الإجابة لم تعد تبدو موحدة كما كانت.

والأكثر دلالة أن هذا السؤال لا يظهر فقط في السياسة، بل بدأ يتسلل إلى البنى الاجتماعية التقليدية. ففي شرق لبنان، تنتقل حالات التململ داخل بعض العشائر والعائلات في بعلبك–الهرمل من مستوى الاعتراض الفردي إلى محاولة تشكيل أطر جماعية أكثر تنظيماً. تواصل بين عائلات كبيرة، ومحاولات لتشكيل تجمعات مشتركة، وتأكيد أولوية المرجعية للدولة؛ كلها مؤشرات على هذا التحول.

المسألة ليست أن العشائر بدأت تعادي حزب الله؛ بل إن بعض البنى الاجتماعية التي عملت داخل المجال السياسي الذي يهيمن عليه الحزب بدأت تبحث عن إطار جماعي مستقل للتعبير عن مصالحها. ومع استعادة العشيرة هامشاً من القرار، وإعادة القوى السياسية توزيع أدوارها، يصبح السؤال الأهم: من يملك حق تمثيل البيئة الشيعية والتفاوض باسمها؟

فهذه العشائر لم تكن يوماً مجرد أدوات، بل شريكاً براغماتياً في معادلة محلية من المصالح والحماية والتأثير المتبادل. واليوم، ومع تزايد الضغوط، تبدو بعض هذه البنى أمام ضرورة إعادة حساباتها؛ فاللجوء إلى الدولة ليس بالضرورة قطيعة مع الماضي، بقدر ما هو محاولة لحماية الذات الجماعية من كلفة لم تعد مستعدة لتحملها بالطريقة نفسها.

لكن من الخطأ قراءة هذه المؤشرات باعتبارها انهياراً فورياً لدعم المقاومة؛ فالسلاح لا يزال حاضراً داخل قطاعات واسعة من البيئة الشيعية، كما تبقى ذاكرة كربلاء والمظلومية قوية. لذلك، لا ينبغي اختزال التحول في سؤال: هل تراجعت شعبية المقاومة؟

السؤال الأعمق هو: هل ما زالت البيئة الشيعية ترى أن النموذج القائم قادر على حماية مصالحها ومستقبلها؟

وقد لا يكون المتغير الأساسي هو الولاء نفسه، بل شروطه. فالمعادلة التي قامت طويلاً على مقايضة الكلفة بالحماية والردع تدخل اليوم اختباراً جديداً عندما تصبح الحماية نفسها موضع سؤال، وتتحول كلفة الصراع إلى عبء مباشر على التعليم والعمل والاستقرار الأسري وإعادة بناء الحياة.

فكلما اتسعت الفجوة بين من يمتلك قرار الحرب ومن يتحمل نتائجها، يصبح السؤال عن السلاح سؤالاً عن توزيع المسؤولية أيضاً: من يقرر باسم الجماعة، ومن يدفع ثمن القرار؟

إذا كانت البيئة الشيعية مطالبة بإعادة تعريف علاقتها بالسلاح فإن الدولة اللبنانية مطالبة بإثبات قدرتها على تقديم: الأمن والحماية وإعادة الإعمار والخدمات والتمثيل السياسي

وتزداد أهمية هذا التحول لأنه يحدث في لحظة يعاد فيها تشكيل الشرق الأوسط: تغير المعادلات الإقليمية، وسقوط ترتيبات قديمة في سوريا، واستمرار الضغط الإسرائيلي، ومحاولات الدولة اللبنانية استعادة السيطرة على قرار الحرب والسلم، كلها تدفع البيئة الشيعية إلى مفترق طرق.

الخيار الأول هو الانغلاق أكثر على الذات، والاحتماء بذاكرة الحرب والخوف من العزلة، بما قد يحول البيئة الشيعية تدريجياً إلى جماعة تشعر بأنها محاصرة داخل الدولة وخارجها. والخيار الثاني هو إعادة تعريف موقعها باعتبارها مكوناً وطنياً يبحث عن حماية الدولة ومؤسساتها لا عن بديل عنها.

لكن الانتقال بين النموذجين لن يحدث بقرار مفاجئ أو بفرض من الخارج، بل عبر إعادة تفاوض داخلية تحددها الكلفة التي يستطيع المجتمع تحملها، وقدرة الأطراف على إعادة بناء الثقة، وطبيعة العلاقة المقبلة بين القوى السياسية والعشائر والدولة.

لذلك، فإن قراءة ما يجري باعتباره مجرد “تصدعات” داخل البيئة الشيعية قد تكون سطحية. الأعمق أننا أمام اختبار للعقد السياسي الذي حكم العلاقة بين المجتمع والقوة والدولة لعقود؛ فما يتغير ليس بالضرورة الولاء للمقاومة، بل الشروط التي تجعل هذا الولاء قابلاً للاستمرار.

لكن إعادة التفاوض لن تكون مسؤولية طرف واحد. فإذا كانت البيئة الشيعية مطالبة بإعادة تعريف علاقتها بالسلاح وقرار الحرب والسلم، فإن الدولة اللبنانية مطالبة بإثبات قدرتها على تقديم ما غاب طويلاً: الأمن، والحماية، وإعادة الإعمار، والخدمات، والتمثيل السياسي. فإذا تحولت الدولة من فكرة مجردة إلى مظلة فعلية، فقد تصبح كلفة الحرب مدخلاً لإعادة دمج البيئة الشيعية في الدولة من موقع الشراكة؛ أما إذا بقيت عاجزة، فقد تعيد البيئة إنتاج منطق الحماية الذاتية بأشكال جديدة.

التغريبة الشيعية الجديدة، بهذا المعنى، ليست قصة نزوح من الجنوب إلى بيروت فحسب؛ إنها انتقال من سؤال “من يحمينا؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “من يملك قرارنا، ومن يتحمل كلفة هذا القرار؟”

وهنا تبدأ مرحلة إعادة التفاوض.