البقاء الحضاري في عصر الحروب الذكية
الفكر السياسي الغربي يُعد من أكثر النتاجات المعرفية في القرن الأخير استغراقاً بحثياً في استشراف النظريات التنبؤية التي ستتحكم في مصير البشرية، ويرجع ذلك إلى حيوية مناهج الفكر السياسي في استنباط ملامح تحولات العالم في ظل تطوراته المعرفية والتكنولوجية. ومن غير شك نستثني في هذا السياق الفكر السياسي الإيديولوجي، فهو بقي أسير رغباته، ولم تزل تنبؤاته تنطلق من تلك الرغبات، ولا سيما الإيديولوجيات العصابية عقدياً.
تثير نزعة الخوف من المستقبل وغريزة البقاء البشري رؤى المفكرين السياسيين الأكاديميين الذين شكّل نتاجهم الفكري نظريات مستقبلية رصينة، تتحول إلى إستراتيجيات سياسية كبرى للدول التي تنشغل بقضايا مستقبلها في سياق حركية العالم وتطوراته الانفجارية في المعرفة والتكنولوجيا. هذه النزعة توجه الفكر السياسي ليبني أشكالاً من الحروب ضد الحروب العسكرية التي توظفها الدول للحفاظ على تفوقها ووجودها.
الفكر السياسي الغربي يستشرف مستقبل الحروب عبر نظريات تنبؤية لكنه يغفل أثر الهوية الثقافية والدينية التي تحدد بقاء الإنسان في القرن الحادي والعشرين
منذ نشأة البشرية، كانت الحروب العسكرية تولّد تحولات كبرى في أشكالها وتدعمها بحروب رديفة مساندة من جنس تطورات العصر التقنية، ولا سيما الحروب الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والحروب السيبرانية. في هذا السياق يرى “ألفين توفلر وهايدي توفلر”، وهما من أبرز منظّري “علم المستقبل” في القرن العشرين، أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبحت امتداداً مباشراً لبنية الاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومة. وقد انطلق هذان المفكران في بناء نظريتهما لبقاء أمريكا في القرن الواحد والعشرين من فرضية جوهرية مفادها أن طريقة إنتاج الثروة في أي عصر تحدد شكل الحرب فيه. فكما انتقلت البشرية من الزراعة إلى الصناعة ثم إلى اقتصاد المعلومات، فإن الحروب نفسها تمرّ بتحولات موازية في الأدوات والأنماط والغايات.
ترتكز نظرية “ألفين وهايدي” التي سمياها “أمواج الحرب الثلاث” إلى سياق تاريخي لتحولات الحروب. وقد تمثلت الموجة الأولى بالحرب الزراعية التي تقوم على القوة البدنية واستخدام الأسلحة اليدوية البسيطة، وتعتمد على القتال المباشر بين جماعات صغيرة أو قبائل من قومية واحدة. أما الموجة الثانية فكانت الصناعية، وترتكز إلى تنظيم الجماهير في جيوش مهنية تستعين بتصنيع حربي وتمثلها الحربان العالميتان. أما الموجة الثالثة فكانت الحرب المعلوماتية التي تعتمد على قوى المعرفة والتكنولوجيا الدقيقة مثل الأقمار الصناعية، والصواريخ الموجهة، والحرب السيبرانية، والروبوتات، وهي تحقق تدميراً شاملاً لقوى العدو ومقدراته العسكرية والاقتصادية.
تلح نظرية “ألفين وهايدي” على أن مستقبل العالم محمول على تحول من “القوة المادية” إلى “القوة المعلوماتية”، ولذلك ترى أن الجيوش الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الجنود أو الدبابات، بل بسرعة نقل المعلومات، ودقة الاستهداف، والتفوق التكنولوجي، والقدرة على التشويش والاستخبارات. وبذلك تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى “نظام معلوماتي ضخم” منها إلى معركة تقليدية.
رغم تفوق التكنولوجيا العسكرية فإنها تصبح مشاعة مع الوقت ويبقى الإنسان بهوياته الثقافية والدينية هو الضامن الحقيقي للبقاء الحضاري في عصر الحروب الذكية
تؤكد حروب القرن الواحد والعشرين التي نشهد وقائعها برهاناً واقعياً على فرضية نظرية “ألفين وهايدي”، وتحقق نبوءة “عصر الحروب الذكية” وهي حتمية تطور صناعة الحرب المعاصرة. لكن الرؤية المستقبلية في هذه النظرية تنطلق من تغييب أثر التحولات البشرية العقدية ودور الهوية الثقافية في بناء حروب تحقق البقاء في القرن القادم، وهذا يدحض مسلمة نظرية “ألفين وهايدي” بأن الحتمية التكنولوجية هي العامل الحاسم الوحيد. وكذلك الأمر فإن تغوّل الحروب الحديثة في التدمير والإبادة يبطل مقولتهما أن الحروب المستقبلية ستكون أكثر عقلانية.
ثمة قضايا يتجاهلها الفكر المستقبلي الغربي، لأنه ينطلق من واقعه الخاص وتصورات مستقبله انطلاقاً من خصوصية ذلك الواقع، ولا سيما طبيعة التكوين البشري الغربي. فهو يحصر استشراف المستقبل في تفوق الغرب وأدوات نوعية ذلك التفوق، ويجعل هذا التفوق هو الذي يوجّه الإنسان ويحوله إلى عبد لذلك التفوق وتكنولوجياه، كما يغيّب المقولات الإنسانية الكونية التي حكمت تطور الحضارات، بوصف الإنسان صانع التفوق والمتحكم فيه لا العكس. وهذا يعني أن الهويات الثقافية والدينية هي مادة الحروب التي تحقق البقاء في القرن الواحد والعشرين، وهي التي تردع قوة التكنولوجيا. ولا أدل على ذلك من تطور صناعة المسيّرات التي تثبت فاعلية عظيمة تربك كل قوى الأسلحة المتطورة، وهذه الصناعة متاحة لغير الدول المتفوقة تكنولوجياً.
لا بد للفكر المستقبلي أن يلحظ أن التكنولوجيا مهما بلغت من تطورات، لا تلبث أن تصبح مشاعة، ولا تبقى حكراً على منشئيها. ومن غير شك فإن التكنولوجيا الحربية عامل حاسم في الحروب المستقبلية، لكن ابتكاراتها لن تكون حكراً على قوى بعينها، بل ستكون متاحة لمختلف الأمم. وهذا يجعلها أدوات يتحكم فيها الإنسان، والإنسان بهوياته هو الذي يحافظ على بقائه في القرن الواحد والعشرين.