الارتباط الأردني-الفلسطيني عام 1950: ضمّ سيادي أم ترتيب مؤقت؟
في خضمّ الجدل المتجدد حول قرار فك الارتباط عام 1988، يعود السؤال الجوهري الذي طالما جرى تهميشه أو تمييعه إلى الواجهة: هل كان "قانون الارتباط" أو وحدة الضفتين عام 1950 عملاً سيادياً مكتمل الشرعية، أم أنه كان ترتيباً عملياً مؤقتاً فرضته الضرورات العسكرية والسياسية، ولم يحظَ يوماً باعتراف عربي أو دولي حقيقي كضمّ نهائي؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست ترفاً تاريخياً، بل مفتاحاً لفهم كثير من الإشكاليات الدستورية والقانونية والهوياتية التي لا تزال تلاحق العلاقة الأردنية-الفلسطينية حتى اليوم.
بعد حرب 1948، بسط الجيش الأردني سيطرته على الضفة الغربية والقدس الشرقية بموجب اتفاقيات الهدنة مع إسرائيل. هذه السيطرة، في ميزان القانون الدولي، لم تكن سوى احتلالاً حربياً (Belligerent Occupation) ومبدأ راسخ في القانون الدولي العام يقضي بأن الاحتلال الحربي لا ينقل السيادة، مهما طال أمده أو مهما أُحسنت إدارته.
في 24 نيسان/أبريل 1950، أصدر مجلس الأمة الأردني قراراً بإعلان "الوحدة الكاملة بين الضفتين" واندماجهما في المملكة الأردنية الهاشمية. غير أن هذا القرار جاء في ظل واقع عسكري قائم، ولم يستند إلى استفتاء شعبي حر أو توافق عربي، بل إلى ضرورة حماية ما تبقى من الأرض الفلسطينية من التمدد الإسرائيلي آنذاك. وحتى النص الأردني نفسه حرص على التأكيد أن هذه الوحدة "لا تمسّ التسوية النهائية لقضية فلسطين". ومع أن القرار استند إلى "حق تقرير المصير" ومشاركة نواب من الضفتين، إلا أن هذا الادعاء ظل ضعيفاً أمام الواقع العسكري القائم وغياب أي خيار حقيقي أمام السكان، وهو ما أكده لاحقاً الرفض العربي الجماعي. الأردن وحده تحمّل عبء حماية ما تبقى من فلسطين بعد 1948، وقدّم لأهلها ما لم يقدّمه أي طرف عربي آخر، ولن يأتي أحد بعده ليقدّم لفلسطين وأهلها ما قدّمه في تلك المرحلة الصعبة.
الارتباط الأردني‑الفلسطيني عام 1950 لم يكن ضماً سيادياً مكتمل الشرعية بل ترتيباً مؤقتاً فرضته الضرورات العسكرية والسياسية وسط رفض عربي ودولي واسع
غير أن هذا الاعتماد الأردني على الغطاء السياسي الداخلي لم يكن خالياً من الجدل. فقد استند الأردن بشكل أساسي إلى مؤتمر أريحا الذي عُقد في 1 كانون الأول/ديسمبر 1948 برئاسة الشيخ محمد علي الجعبري (رئيس بلدية الخليل)، ودعا فيه عدد من الوجهاء والرؤساء المحليين إلى الوحدة مع شرق الأردن ومبايعة الملك عبدالله ملكاً على فلسطين. وأعقبته مؤتمرات مشابهة في رام الله ونابلس. لكن هذا المؤتمر لم يكن ممثلاً لإرادة فلسطينية شاملة، إذ قاطعه عدد من الزعماء والوجهاء البارزين، بمن فيهم رؤساء بلديات القدس ونابلس، ورفضته حكومة عموم فلسطين في غزة والهيئة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني. كما أعلن الملك فاروق أن قرارات أريحا "لا تمثل إرادة الشعب الفلسطيني"، واعتبرتها جامعة الدول العربية مخالفة لمبدأ تقرير المصير. وهكذا ظل الغطاء الفلسطيني الذي استند إليه الأردن جزئياً ومثيراً للخلاف منذ لحظته الأولى.
الأهم من ذلك هو الموقف العربي الجماعي الذي صدر في حينه. ففي 15 أيار/مايو 1950، اعتبرت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية ضمّ الضفة "غير قانوني". ثم جاءت الصيغة التوفيقية في حزيران/يونيو 1950، التي أقرّت أن ضم الجزء الفلسطيني كان "ضرورة فرضتها الوقائع"، وأن الأردن يحتفظ به "كوديعة" إلى حين التسوية النهائية لقضية فلسطين واستعادة الأجزاء الأخرى.
هذا ليس تفسيراً لاحقاً، بل موقف معلن من أعلى هيئة عربية في ذلك الوقت. الجامعة لم تعترف بالضم كسيادة دائمة، بل عاملته كترتيب اضطراري مؤقت، واحتفظت بحقها في تحديد مصير الأرض لاحقاً. بل كادت بعض الدول تطالب بطرد الأردن من الجامعة بسبب هذا الإجراء، رغم الدور الأردني الذي أدّاه في حماية ما تبقى من فلسطين.
على المستوى الدولي، كان الاعتراف بالضم محدوداً للغاية. بريطانيا، الدولة الأكثر تأثيراً في المنطقة آنذاك، اعترفت رسمياً بالوحدة في 27 نيسان/أبريل 1950، لكنها وضعت تحفظاً جوهرياً على وضع القدس، رافضة الاعتراف بالسيادة الأردنية عليها ومكتفية بالإقرار بالسيطرة الفعلية فقط. وحتى هذا الاعتراف البريطاني المحدود ظل استثناءً، ولم يتبعه اعتراف واسع من بقية الدول. أما الولايات المتحدة فقد اكتفت بالتعامل مع السيطرة الأردنية كأمر واقع (de facto) دون الاعتراف بسيادة كاملة. وفي بعض الروايات، انضمت باكستان إلى قائمة الدول القليلة التي اعترفت، بينما رفضت الغالبية الساحقة من المجتمع الدولي اعتبار الضم تحويلاً شرعياً للسيادة.
فقهاء القانون الدولي، ومنهم إلياهو لوترباخت، وصفوا الاحتلال الأردني للضفة الغربية والقدس الشرقية بأنه "يفتقر تماماً إلى أي مبرر قانوني"، مؤكدين أنه لا يمكن أن يشكّل أساساً صالحاً لنقل السيادة. فالضم الأحادي لأرض محتلة يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة ومع مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، وهو مبدأ ترسّخ بعد الحرب العالمية الثانية.
من هذا المنظور، يصبح قرار الملك الحسين بن طلال في 31 تموز/يوليو 1988 بقطع الروابط الإدارية والقانونية مع الضفة الغربية أمراً منطقياً ومتسقاً مع الرؤية العربية التي وُضعت منذ عام 1950. فالقرار لم يكن "تنازلاً عن أرض أردنية" بالمعنى الدستوري المطلق، بقدر ما كان تنفيذاً عملياً لما أُعلن قبل ثمانية وثلاثين عاماً: أن الارتباط مؤقت وغير نهائي، وأن التسوية النهائية لقضية فلسطين هي المرجع.
فك الارتباط عام 1988 جسّد حقيقة أن الوحدة كانت مؤقتة مؤكداً أن التسوية النهائية لقضية فلسطين هي المرجع، لا الضم الأحادي غير المعترف به
صحيح أن النقاش الدستوري الداخلي في الأردن حول آليات إصدار قرار فك الارتباط لا يزال قائماً، لكن هذا النقاش لا يلغي الحقيقة التاريخية والدولية الأكبر: الارتباط نفسه لم يكتسب يوماً صفة الضم السيادي النهائي المعترف به.
ومن هنا، فإن الاستناد إلى النصوص الدستورية وحدها للقول إن الضفة الغربية ما زالت جزءاً من الأردن يتجاهل التطور القانوني والسياسي الذي انتهى إلى فك الارتباط عام 1988.
إن الإقرار بأن الارتباط كان ترتيباً مؤقتاً وغير مكتمل الشرعية منذ البداية لا يضعف الهوية الأردنية، بل يوضحها. كما أنه لا يلغي الحقوق المكتسبة للمواطنين الأردنيين من أصول فلسطينية المقيمين في المملكة، والذين أكد الملك الحسين نفسه أن فك الارتباط لا يمسّهم. وهذا الاستثناء لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل تعبيراً عن كرم الدولة الأردنية وحرصها على عدم المساس بمن اكتسبوا جنسيتها واستقروا في أرضها، حتى في لحظة إعادة ترتيب العلاقة مع الضفة الغربية.
لكنه يضع حداً للخلط المتعمد بين واقع تاريخي معقد وبين سرديات تدّعي سيادة دائمة لم يعترف بها العرب أنفسهم في حينها. فالتمسك بالحقائق القانونية والتاريخية هو ما يحمي الدولة والمجتمع من التوظيف السياسي والانفعالي لهذه القضية الحساسة.
لم يكن الارتباط عام 1950 تعبيراً عن إرادة سيادية مطلقة بقدر ما كان استجابة لضرورات المرحلة. والاعتراف بهذه الحقيقة ليس ضعفاً، بل هو شرط لأي نقاش جاد ومسؤول حول العلاقة الأردنية-الفلسطينية، بعيداً عن الشعارات وبعيداً عن محاولات إعادة كتابة التاريخ لخدمة أجندات آنية.