الأمن المائي في ليبيا… أزمة حكم لا أزمة موارد
على مدى عقود، ظلت قضية المياه في ليبيا تقدم بلغة الهندسة والجيولوجيا؛ لغة الآبار العميقة، وخطوط الأنابيب العملاقة، ومخزون الأحواض الجوفية الشاسعة. لكن السياق الذي يتم فيها نقاش هذه القضية اليوم قد تغير جذرياً. لقد تجاوزت أزمة المياه في ليبيا بكثير حيز التحدي التقني أو البيئي، لتدخل بشكل كامل ومقلق في نواة الصراع السياسي والعسكري الذي يعصف بالبلاد. لم تعد المسألة مجرد ندرة أو سوء توزيع، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لطبيعة الدولة الليبية وهشاشة بنائها الاجتماعي. لقد أصبحت المياه، هذا المورد الحيوي الذي لا غنى عنه، سلاحاً استراتيجياً يُستخدم للضغط والابتزاز والاستقطاب، مما يرفع سقف الخطر من مجرد أزمة موارد طبيعية إلى تهديد وجودي مباشر لمستقبل المجتمع والدولة على حد سواء. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج طبيعي لانهيار العقد الاجتماعي والسياسي، حيث تتحول مقومات الحياة الأساسية إلى عملة في صفقات القوى المتصارعة، وتُستخدم الحاجة البيولوجية للإنسان كرهينة في معارك لا يعلم مداها سوى قلّة من أصحاب النفوذ والسلاح.
يعتمد الاقتصاد المائي الليبي، بحكم واقعه الجغرافي الصحراوي القاسي، اعتماداً شبه كامل على المياه الجوفية غير المتجددة، والتي تشكل عماد الحياة في ظل ندرة المصادر المتجددة التي لا تكفي لتغطية أكثر من خمس الاحتياجات السنوية للبلاد. في هذا الإطار، جاء مشروع النهر الصناعي العظيم ليس كمنشأة هندسية فحسب، بل كمشروع وطني ضخم يختزل طموح دولة مركزية سعت إلى تخطي إكراهات الطبيعة وضمان أمنها المائي. لقد جاء هذا المشروع، بعظمته وتكامله، تجسيداً لقدرة الدولة الموحدة على تنفيذ رؤية استراتيجية تتجاوز الأفق الآني. كان نظام التوزيع المعقد والطويل، الممتد من أعماق الصحراء إلى المدن الساحلية، يعمل ضمن إطار سلطة واحدة قادرة على حمايته وإدارته وصيانته. لكن هذا المشروع، الذي بُني ليكون درعاً واقياً ضد العطش، تحول بعد عام 2011 إلى نقطة ضعف استراتيجية كبرى. فمع انهيار مؤسسات الدولة المركزية وتفكك جيشها الوطني، تحولت بنيته التحتية الشاسعة والهشة من شريان حياة إلى هدف سهل ومغري لكل قوة تريد ممارسة النفوذ أو فرض الإرادة. لقد انتقلت ملكية هذا الإرث الاستراتيجي من دولة إلى فصائل، ومن مفهوم الخدمة العامة إلى منطق الغنيمة والسلطة.
التحذير الذي يجب أن يوجه بكل وضوح هو أن استمرار التعامل مع هذا الملف الحيوي بمنطق الغنيمة سيقود حتماً وبشكل أسرع مما يتصور الكثيرون إلى حافة انهيار بيئي واجتماعي
وقد تجلى هذا التحول الخطير في سلوكيات ممنهجة حوّلت المياه من حق أساسي إلى أداة صراع. فلم يعد اقتحام محطات الضخ الحيوية أو مراكز التحكم في توزيع المياه عملاً عشوائياً، بل تحول إلى تكتيك سياسي وعسكري متكرر. لقد شهدت العاصمة طرابلس ومدن كبرى أخرى مراراً انقطاعاً متعمداً للمياه، ليس بسبب عطل تقني أو نقص في الطاقة، ولكن كرسالة واضحة من قوى مسلحة معينة إلى حكومات متعاقبة في الغرب أو الشرق. أصبح قطع الماء وسيلة للابتزاز المالي، أو للمطالبة بإطلاق سراح معتقلين، أو للضغط من أجل مناصب ومكاسب في ترتيبات السلطة. كل هذا يجري بينما يجلس المواطن العاجز أمام صنبور جاف، محوَّلاً إلى رهين في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل. لقد أضفى تكرار هذه الممارسات وانتظامها طابعاً مؤسسياً شبه رسمي على استخدام المياه كسلاح، مما يعكس عمق الانزياح في منطق إدارة الصراع الليبي، حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بين السياسي والعسكري، وبين الحقوقي والاستراتيجي، وبين المصلحة الوطنية والمصلحة الفئوية الضيقة.
ولخطورة هذا التحول أبعاد تتجاوز الأزمة الآنية وتطال المستقبل البعيد للبلاد بأسوأ أشكال التهديد. فالمياه الجوفية التي يستهدفها الصراع اليوم ليست مورداً عادياً يمكن تعويضه؛ إنها مخزون أحفوري تراكم على آلاف السنين، وهو في غالبيته غير متجدد. إن الاستخراج الجائر والفوضوي، والذي يزداد مع غياب الرقابة المركزية والصراع على التحكم في المناطق التي توجد فيها الآبار، يهدد بنضوب هذا المخزون الاستراتيجي أو تدهور نوعيته بفعل تسرب المياه المالحة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فالأطراف التي تستخدم المياه كسلاح اليوم، هي نفسها تحفر، من خلال هذا الفعل، قبر الأمن المائي للأجيال القادمة، بما فيهم أبناؤها. إن غياب سلطة مركزية موحدة قادرة على الإشراف على الاستدامة وفرض أنظمة الاستخدام الرشيد، يضاعف من حجم الكارثة. فالصراع لا يكتفي بتدمير البنية التحتية المادية، بل يدمر النظام المؤسسي والإداري الذي يحفظ للمورد ديمومته. بذلك، لا يكون استخدام المياه كسلاح مجرد ضربة تهدف إلى إخضاع الخصم السياسي في جولة معينة، بل هو عمل تخريبي يضرب القدرة المستقبلية للدولة والمجتمع على الوجود نفسه. إنه تدمير ذاتي مركب.
وفي صميم هذه الأزمة تقف النخب السياسية الليبية المتصارعة، بكل أطيافها وتشكيلاتها، أمام مسؤولية تاريخية جسيمة. فبدلاً من أن تتعامل مع ملف المياه باعتباره القضية السيادية الجامعة التي تتطلب حكمة وطنية واستشرافاً مستقبلياً، استمرت غالبية هذه النخب في رؤيته كجزء من ترسانة الأدوات السياسية الآنية. لقد تحولت إدارة هذا المورد الحيوي إلى غنيمة تُقسّم في صفاقات المصالح، أو ورقة ضغط في المفاوضات، أو مجالاً لممارسة النفوذ المحلي. وهذا الموقف يعكس غياباً عميقاً للوعي الاستراتيجي بماهية الدولة ومسؤولياتها الجوهرية. فمن أولى واجبات أي كيان سياسي يدعي الشرعية، بغض النظر عن حجمه أو توجهه، هو ضمان توفير مقومات الحياة الأساسية لمواطنيه، وعلى رأسها الماء. إلا أن واقع الحال في ليبيا يظهر أن منطق الولاءات الضيقة والمنافع القصيرة الأجل قد طغى تماماً على منطق المسؤولية الوطنية. وقد انعكس هذا السلوك بشكل واضح على تفاقم الانقسام المؤسسي، حيث تعمل إدارات مياه متنافسة أحياناً في ظل حكومتين، مما يزيد من تعقيد الأزمة ويقوض أي جهد لتوحيد الرؤية أو تنسيق الخطط لمواجهة الخطر المشترك.
الاستخراج الجائر للمياه والذي يزداد مع غياب الرقابة المركزية والصراع على التحكم في المناطق التي توجد فيها الآبار يهدد بنضوب المخزون الاستراتيجي وتدهور نوعيته بفعل تسرب المياه المالحة
إن الرسالة الأساسية التي يجب أن تصل إلى كل صانع قرار وكل طرف مؤثر في المشهد الليبي، هي أن أزمة المياه لم تعد تحتمل التأجيل أو التوظيف في الصراعات الجانبية. لقد تجاوزت هذه الأزمة تعريفها التقليدي لتصبح مرآة عاكسة لأزمة الدولة الليبية ذاتها: أزمة سلطة، وأزمة شرعية، وأزمة رؤية. إن اعتبار المياه قضية سيادية عليا، تتجاوز كل الخلافات السياسية والعسكرية، يجب أن يكون الحد الأدنى المشترك الذي تلتقي عنده كل الإرادات. وهو التزام أخلاقي وإنساني قبل أن يكون سياسياً. فالماء لا يعترف بانتماء سياسي أو هوية قبلية أو حدود إدارية؛ جفافه يصيب الجميع دون تمييز. والتحذير الذي يجب أن يوجه بكل وضوح هو أن استمرار التعامل مع هذا الملف الحيوي بمنطق الصراع والغنيمة، سيقود حتماً، وبشكل أسرع مما يتصور الكثيرون، إلى حافة انهيار بيئي واجتماعي لا يمكن تدارك عواقبه. إن نضوب المخزون الجوفي أو تلوثه بشكل كبير سيشعل نزاعات جديدة أكثر شراسة حول مصادر أقل، وسيهجّر مجتمعات بأكملها، ويدمر القطاع الزراعي الهش أصلاً، ويُحول المدن إلى بؤر للتوتر والاحتجاج العارم. وهو سيناريو يهدد بفكك النسيج الاجتماعي برمته وتقويض أي أمل في إعادة بناء دولة مستقرة.
لا يكمن الحل إذن في مجرد إصلاحات تقنية أو مشاريع جديدة، رغم أهميتها، طالما بقي الإطار السياسي فاسداً ومتفككاً. فالمضخات الأكثر تطوراً لا قيمة لها تحت تهديد السلاح، وخطوط الأنابيب الجديدة لن تكون سوى أهدافاً إضافية في صراع الغنائم. إن جوهر المخرج من هذا المأزق الوجودي يبدأ بالاعتراف بأن إدارة الموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها المياه، تتطلب بالضرورة سلطة موحدة وقادرة. سلطة تتمتع بالشرعية الكاملة والهيبة اللازمة لفرض النظام على استخدام هذا المورد، وحماية بنيته التحتية من أي اعتداء، ووضع الخطط الطويلة الأمد لضمان استدامته. إن بناء مثل هذه السلطة هو التحدي السياسي الأكبر، وهو الطريق الوحيد لانتشال ملف المياه من مستنقع الصراع. وهذا يتطلب من النخب الليبية، أولاً، وقف أي استخدام للمياه كأداة ضغط فوراً ودون قيد أو شرط، واعتبار ذلك خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه. وثانياً، العمل على إنشاء هيئة إدارة مياه وطنية مستقلة تقنياً ومحايدة سياسياً، تتمتع بصلاحيات واسعة وتحت حماية اتفاق وطني شامل، كخطوة عملية فورية لحماية المنظومة. وثالثاً، إدراج ملف الأمن المائي والتعاون في إدارته كبند أساسي وأولوي في أي حوار سياسي شامل يهدف إلى إعادة بناء الدولة.
أزمة المياه في ليبيا هي القصة التي ستكشف النقاب عن مدى عمق الأزمة المؤسسية، وعن مخاطر تحول كل شيء، حتى أقدس مقومات الحياة، إلى ورقة في لعبة سياسية قاتلة. وهي تذكر جميع الأطراف، داخل ليبيا وخارجها، بأن بعض الموارد لا تحتمل اللعب بها، وأن بعض التحديات أكبر من أن تكون جزءاً من صراع على السلطة. إن مستقبل ليبيا، ككيان جغرافي ومجتمع متماسك، معلق اليوم على حافة بئر جافة. وإن إنقاذ هذا المستقبل يبدأ بانتشال المياه من براثن الصراع، وردها إلى مكانتها الطبيعية: حق إنساني مقدس، ومسؤولية سيادية عليا، وقضية وطنية جامعة يجب أن تعلو فوق كل خلاف. الوقت ليس في صالح أحد، فالمخزون الجوفي لا يعرف الانتظار، وجفافه سيكون حكماً نهائياً يطال الجميع.