"الأزياء الشعبية وتقاليدها في سوريا".. كتاب يروي تاريخ خيوط حفظت الذاكرة

رحلة بصرية في التراث السوري تستعرض تاريخ الأزياء ودلالاتها الاجتماعية.
الأربعاء 2026/07/22
الأزياء السورية بريشة الراحل نذير نبعة

دمشق - لا تقتصر الأزياء الشعبية على كونها وسيلةً للستر أو تلبيةً لمتطلبات الحياة اليومية، بل تتجاوز ذلك لتغدو سجلاً بصرياً يوثق ذاكرة المجتمع، ويعكس ملامح بيئته وعاداته ومعتقداته وتحولاته عبر الزمن، وهو ما يتناوله الدكتور حسن حمامي في كتابه “الأزياء الشعبية وتقاليدها في سوريا”، الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب في وزارة الثقافة.

في الكتاب ينظر حمامي إلى الثوب الشعبي على أنه سجل حي لذاكرة المكان، تكشف ألوانه وزخارفه وطرائق ارتدائه البيئة الاجتماعية والجغرافية ودلالات العمر والمناسبة والمكانة والانتماء، وهو ما يجعل الكتاب رحلة في الذاكرة الجمعية السورية، تعود جذورها إلى طبعة أصدرتها وزارة الثقافة عام 1971 في 376 صفحة، قبل أن تعيد هيئة الكتاب تقديمه ضمن إصداراتها الحديثة.

يبدأ الكتاب بالبحث عن الجذور الأولى للثوب في الآثار السورية القديمة، متتبعا حضوره بين الأساطير والشواهد الأثرية، وما تكشفه المنحوتات والرسوم واللقى القديمة من أشكال اللباس وطرائق ارتدائه.

كما ينتقل إلى دراسة الثياب خلال العصر الكلاسيكي، من عام 500 قبل الميلاد إلى عام 500 للميلاد، ليرصد التحولات التي طرأت عليها بفعل التفاعل الحضاري الذي شهدته المنطقة، حيث يقدم الزي مدخلاً إلى فهم حياة الإنسان القديم ومكانته ومعتقداته.

وعبر رصده لتطور الأزياء في العصور العربية، ولباس الرجال والنساء في الإسلام، ثم في صدر الإسلام والعصرين الأموي والعباسي، يجد الكاتب أن هذه المراحل أسهمت في تشكيل ملامح الزي العربي الذي وصل أثره إلى كثير من الأزياء الشعبية السورية، رغم ما طرأ عليها من تغيرات متصلة بتنوع البيئات والتبادل الثقافي.

حسن حمامي نجح في سرد الهوية السورية عبر أزياء الحضارات المتعاقبة، مقدماً اللباس الشعبي بوصفه جزءاً من الثقافة الحية ومرآة للتاريخ

يقدم الفصل الثالث قراءة في السمات العامة التي تميز الأزياء الشعبية السورية، ويعتبرها مصدرا تاريخيا وصورة لتفاعل الإنسان مع محيطه الطبيعي وبيئته الاجتماعية، ثم يعدد خصائص الثوب الشعبي، من الراحة والملائمة الصحية إلى الصدق والبساطة والبعد الأخلاقي، فضلا عن مراعاته الرأي العام والعلاقات الاجتماعية، وقدرته على التعبير عن الاعتزاز والكرامة، مع اتجاهه إلى طابع شعبي مشترك لا يحتكره أفراد أو طبقات محددة.

ويتوسع المؤلف في دراسة الألوان وعلاقتها بالأزياء، مظهرا اتصالها بالبيئة والمناخ والمناسبة والعمر والحالة الاجتماعية، فضلاً عن تأثرها بحالات الفرح أو الحداد، ثم يدرس علاقة الأزياء بالزخرفة الشعبية، متوقفا عند مجموعة من الرموز النباتية والحيوانية التي حضرت على الأثواب، ومنها سنابل القمح وشجرة السرو والورود، إلى جانب السمك والغزال ذي القرون والطاووس، حيث ارتبط بعضها بالخصب والحياة والرزق والجمال والقوة والحماية، فغدا التطريز لغة رمزية تستبطن رؤية المجتمع إلى البيئة المحيطة.

يكشف الفصلان السادس والسابع من الكتاب تنوع الأزياء تبعا لمراحل الحياة والمناسبات، من الحداد والحمل والحج والمولوية إلى الزواج والولادة والأعياد والزيارات، إلى جانب أنماط محلية مثل المرقعية والرضوة والغاردة، مبينين أن اللباس نظام اجتماعي تحدده العادات وفق العمر والمكان والمقام، ويعبر عن احترام الجماعة وأعرافها.

ويتوقف المؤلف عند العلاقة بين الأزياء والمعتقدات الشعبية، وما أحاط ببعض الألوان والزخارف وقطع الحلي من تصورات مرتبطة بالتفاؤل والحماية ودفع الأذى، فكان اختيار بعض النقوش أو المواد أو طرائق ارتداء الحلي مرتبطا بنظرة المجتمع إلى الخير والشر والبركة والحسد ومراحل الحياة المختلفة.

يخصص الكتاب مساحة لأزياء الرجال والنساء في السهوب والجبال، مبرزاً أثر المناخ والعمل في اختيار القطع والأقمشة؛ فشاعت لدى الرجال العباءة الجبلية والسراويل والصدرية والميتان بما يوفر الدفء وحرية الحركة، فيما تنوعت أثواب النساء وأغطية الرأس والحلي والتطريزات المحلية، وحفظن عبر حياكتها ونقل رسومها وألوانها خصوصية كل منطقة وذاكرتها الفنية والاجتماعية.

كما يوثق الكتاب أزياء رجال ونساء البادية بوصفها منظومة تجمع الوظيفة والهوية، فالعباءة وغطاء الرأس والثياب الفضفاضة توفر الحماية وحرية الحركة، فيما تكشف الخامات والألوان وطرائق الارتداء المكانة الاجتماعية والانتماء العشائري، ويبرز في لباس المرأة البدوية تنوع العباءة والثوب والدراعة والدامر والحلي، بما يعكس الذوق الجمالي والقدرة الاقتصادية.

وينتقل المؤلف في هذا الفصل إلى أزياء الرجال في المدن، مستعرضا الخلاف بين القديم والحديث وما أصاب اللباس التقليدي من تحولات بفعل الانفتاح وتبدل أنماط الحياة، ويبحث في موضوع الملابس الشعبية عند أهل المدن وما ارتبط بها من طربوش وقنباز وشروال وصدرية ودامر وعباءة، مبينا كيف كان الزي يكشف مهنة صاحبه ومكانته الاجتماعية وذوقه، قبل أن تنحسر بعض أنماطه أمام الملابس الحديثة خلال القرن العشرين.

يتناول الكاتب في هذا الباب ملامح اللباس الحضري لنساء المدن، فيخصص مساحة واسعة للحديث عن الأزياء المنزلية العريقة كـ "الزبون" و"السروال"، لينتقل بعدها في فقرة مطولة وشاملة لتوثيق أزياء العروس وأنواعها التي تعكس بهجة هذه المناسبات وفخامتها، كما يسلط الضوء على ثقافة الاحتشام والوجاهة في المدينة مستعرضاً أغطية الرأس، وملابس الخروج الرسمية للمرأة من "الإزار" و"الملاءة" إلى "العباءة النسائية"، وصولاً إلى القطع العصرية الوافدة كـ "المانطو" و"التايور"، مع تفصيل لخيارات لباس القدمين والجوارب النسائية.

ولا يكتمل هذا المشهد الجمالي إلا برصده لمكملات الأناقة حيث يستعرض أنواع الحلي والقطع الذهبية، إلى جانب الأشياء المرافقة لإطلالة المرأة، وأدوات التجميل التقليدية وقواعدها التي شكلت ملامح الزينة لنساء المدن في ذلك العصر.

وفي معرض تقديمه للكتاب يرى وزير الثقافة محمد ياسين الصالح أن الدكتور حسن حمامي نجح في سرد الهوية السورية عبر أزياء الحضارات المتعاقبة، مقدماً اللباس الشعبي بوصفه جزءاً من الثقافة الحية ومرآة للتاريخ والطقوس والدلالات الاجتماعية والدينية، ومؤكداً أن قيمته تتجاوز الجمال إلى توثيق تنوع المجتمع السوري وحفظ تراثه، مع التشديد على أن أجمل ما يتزين به أبناؤه أخلاقهم الأصيلة.

وفي ظل تراجع حضور كثير من الأزياء التقليدية أمام أنماط اللباس الحديثة، تبرز أهمية توثيق هذا الموروث وحفظ أسمائه وزخارفه وتقنياته، بوصفه جزءا من الذاكرة الثقافية السورية وشاهداً على تنوع بيئاتها ووحدة هويتها.