ارحموا الوسوف.. وإن لم يرحم نفسه

إصرار سلطان الطرب على الغناء تجسيد لآلية دفاعية نفسية معقدة يعيشها كبار المبدعين في خريف عمرهم الفني.
الأربعاء 2026/06/24
فنان لا يشبه إلا نفسه

بين عامي 1996 و2005 تقريبا، كانت قنوات التلفزيون العربية منها “المستقبل” و“أون تي في” وصولا إلى “روتانا” تتنافس على تنظيم سهرات خاصة بألبومات جورج وسوف، يشاركه السهرة الحدث فنانون كبار يؤدون أغنياتهم وأغاني الوسوف ويطربون كما يطرب الجمهور بغنائه لكلاسيكيات الموسيقى العربية، فقد كان سلطانا يتربع على عرش الطرب آنذاك.

حين كان الوسوف يصدر ألبوما غنائيا، كان صوته يرتفع من دمشق إلى بيروت، فبغداد والقاهرة وتونس والجزائر والرباط، وكل العواصم العربية التي تتشابه في نمط الحياة المنفتح على الفن آنذاك، كانت الحياة تسير بإيقاعه، يحبه سائقوا سيارات الأجرة، وحين تشاركهم الرحلة مرة، تجد نفسك تلقائيا وقد اشتريت شريط كاسيت للوسوف، وعدت إلى المنزل لتستمع إليه بـ“مزاج رايق“. وكأنه فخ نصب إليك ودفعك إلى حب الفنان من غير قصد.

لقد كان جورج وسوف حالة استثنائية ونادرة في تاريخ الأغنية العربية، حيث تجاوزت مسيرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود حدود الغناء التقليدي لتصبح ظاهرة وجدانية تسكن قلوب الجمهور العربي. منذ انطلاقته المبكرة كطفل معجزة أبهر الكبار بنبرة صوته الفريدة وإحساسه العالي، وتدريجيا نجح “أبو وديع” في حجز مكانة ريادية منحتْه لقب “سلطان الطرب” عن جدارة، وأصبحت تجربته مدرسة خاصة تجمع بين شجن الموال وقوة الطرب الكلاسيكي، وحول الأغنية الشعبية والرومانسية إلى طقس تعبيري صادق يلامس نسيج الحياة اليومية لبسطاء الناس وعشاق الفن الأصيل، وهو ما جعل رصيده الفني الحافل بالروائع عصيا على النسيان ومتجاوزا لتقلبات الزمن والموضة الموسيقية.

لكن للزمن أحكامه، وللظروف الحياتية أيضا أحكامها القاسية أحيانا، وكما عصفت الأحداث بسلاطين الحكم، هي أيضا تصيب سلاطين الفن في مقتل، فاليوم يعجز الوسوف عن أداء جملة موسيقية مكتملة. لقد أصيب الوسوف بأزمة صحية في العام 2011 وأصيب بشلل نصفي ما جعل محبيه يتضرعون بالدعاء له بالشفاء العاجل، وحين تماثل للشفاء قليلا سارع إلى العودة إلى الغناء، واستضافته بعض البرامج التلفزيونية.

ولا يُقصد بهذا انتقاص الفنان أو الهجوم عليه، وإنما هي مقارنة بين الماضي والحاضر. فرغم كل ما عاشه من تحديات صحية، يحسب للوسوف، أنه لم ييأس ولم يختف أو يغب رغما عن وضعه الصحي الذي لا يزال معقدا.

وأستعيد نجومية الوسوف بعد أيام قليلة من إلغاء حفل له في تونس، كان قد أثار ضجة حول أسعار التذاكر “الخرافية“، وقيل إنه ألغي جراء طلب الفنان الحصول على أجره كاملا قبل سفره إلى تونس. وانقسم الجمهور بين مؤيد لحقه في الحصول على أجره، ومستنكر لتنظيم مثل هذه الحفلات وهو لم يعد قادرا على الغناء.

لا يجد البعض مبررا للوسوف كي يصر على الغناء والوجود في الساحة الفنية، بينما يرى آخرون أن عائلته مصرة على “التربح” من صوته إلى غاية الرمق الأخير، وأن الأجدر به أن يعتزل، وتذكره آخرون بمجرد أن صرح الفنان التونسي صابر الرباعي بأنه قد يعتزل بعد سنوات قليلة لأنه لا يريد أن يغني بصوت ضعيف أو على مسرح يخلو من الجمهور.

يمكن تفسير إصرار سلطان الطرب على الغناء، بأنه تجسيد لآلية دفاعية نفسية معقدة يعيشها كبار المبدعين في خريف عمرهم الفني، إذ قد يعاني الفنان في هذه المرحلة العمرية مما يُعرف بأزمة الهوية المتأخرة. فبالنسبة لجورج الذي بدأ الغناء طفلا واقترن اسمه بالنجومية لعقود، المسرح هو الامتداد الوحيد لوجوده، والموسيقى هي المساحة الوحيدة لتحقيق ذاته، وبالتالي يكون الاعتزال أو الغياب والانهزام في وجه التعب الجسدي هو إعلان ضمني عن النهاية. لذلك يكون وقوفه أمام جمهوره ولقاء محبيه، حتى مع عجز الجسد، تأكيدا منه لنفسه أنه لا يزال حيا وأن هويته الرمزية التي رسمها وتبناها وعززها طوال عقود لم تنته بعد.

في هذه الحال، يلجأ العقل غالبا إلى الإنكار الإيجابي كآلية لحماية الذات من الانهيار، فبدل أن يتقوقع الفنان على ذاته وأسرته ويحزن لما آل إليه ويعيش على أمجاد الماضي، يتمسك أكثر بصورة الذات المتخيلة، ويرى نفسه عبر عيون الملايين الذين مازالوا يهتفون باسمه. هذا التمسك بأمل أنه لا يزال محبوبا وسلطانا يتربع على العرش هو وقود نفسي لمواجهة آلام الجسد والحياة وكل الخسارات الصعبة.

الحقيقة أن الوسوف يبدو كأنه يعيش مواجهة شرسة مع نفسه وخوفه من الموت الفني، وهو شعور تراجيدي أصاب ويصيب الكثير من العمالقة، لكن إصراره على الاستمرار يقدم درسا مهما لمحبيه بألا ييأس الإنسان مهما كانت ظروفه، وهو لعمري درس مهم في الحياة، فارحموا الوسوف من سياط نقدكم الحاد وإن لم يرحم نفسه.

12