ابن خلدون في طريقه إلى سجل اليونسكو
تونس- تفتح تونس، بالاشتراك مع الجزائر ومصر وتركيا، مسارًا جديدًا للاحتفاء بأحد أبرز المنجزات الفكرية في التاريخ العربي والإسلامي، من خلال ترشيح كتاب «المقدمة» للعالم والمؤرخ عبدالرحمن بن خلدون للإدراج ضمن «سجل ذاكرة العالم» التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو».
ويأتي هذا الترشيح اعترافًا بالقيمة التاريخية والعلمية الاستثنائية لهذا الكتاب الذي تجاوز، منذ ظهوره في القرن الرابع عشر، حدود عصره ليصبح مرجعًا أساسيًا في فهم الإنسان والمجتمع والتاريخ.
وأعلنت المندوبية الدائمة لتونس لدى اليونسكو أن التنسيق مع الدول الشريكة بدأ منذ نحو عام، وأن ملف الترشيح يخضع حاليًا للتقييم من قبل لجان الخبراء المعتمدين لدى المنظمة، على أن يُعلن، وفق البرنامج المعلن، عن قائمة التراث الثقافي الذي سيجري إلحاقه بسجل ذاكرة العالم في ربيع 2027، بمناسبة اجتماع المجلس التنفيذي لليونسكو.
ابن خلدون.. عقل خرج من تونس
يحمل الترشيح دلالة خاصة بالنسبة إلى تونس، حيث ولد عبدالرحمن بن خلدون ونشأ في مدينة تونس العتيقة خلال القرن الرابع عشر، في بيئة علمية وثقافية أسهمت في تشكيل شخصيته الفكرية المبكرة. وما يزال المنزل الذي ارتبط بإقامته قائمًا في المدينة العتيقة، شاهدًا على حضور الرجل في الذاكرة الثقافية التونسية.
لكن تجربة ابن خلدون لم تبقَ محصورة في مسقط رأسه. فقد تنقل بين عدد من الحواضر العربية وبلاد الأندلس، وشغل وظائف سياسية وقضائية، وخبر عن قرب تقلّبات السلطة والصراعات والتحولات التي عرفتها المجتمعات في عصره. ومن هذه التجربة الواسعة تشكل مشروعه الفكري الذي جعل من الإنسان والمجتمع والتاريخ موضوعًا للفحص والتحليل.
وتوفي ابن خلدون في القاهرة سنة 1406، بعدما ترك مؤلفات وأفكارًا جعلت اسمه حاضرًا بقوة في الدراسات التاريخية والاجتماعية والفكرية الحديثة.
«المقدمة».. من كتابة التاريخ إلى فهم قوانينه
«المقدمة» مشروع فكري مستقل ورائد حاول صاحبه من خلاله أن يطرح أسئلة جديدة حول كيفية نشوء المجتمعات وتطورها وصعود الدول وانهيارها، والعوامل التي تتحكم في حركة التاريخ.
الكتاب الذي كتب في سياق تاريخي محدد ظل قابلًا لإعادة القراءة كلما طرحت العلوم الإنسانية أسئلة جديدة
وفي «المقدمة» لا يكتفي ابن خلدون برواية الأحداث، بل يتوقف عند أسبابها وشروطها ونتائجها، ويدعو إلى إخضاع الأخبار التاريخية للفحص والنقد بدل قبولها لمجرد ورودها في كتب السابقين. ومن هنا جاءت أهمية مفهومه لـ«العمران البشري»، الذي جعله مدخلًا لدراسة المجتمع وتحولاته، وربط بين أحوال الناس والاقتصاد والسياسة والسلطة والبيئة وأنماط العيش.
وقد أسهم هذا المنهج في منح الكتاب مكانة استثنائية في تاريخ الفكر الإنساني، حتى أصبح ابن خلدون يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه من أبرز الممهدين لعلم الاجتماع الحديث، وإن كانت أفكاره تنتمي إلى سياقها التاريخي والفكري الخاص في القرن الرابع عشر.
موسوعة للإنسان والمجتمع
تتسع «المقدمة» لمجالات معرفية متعددة، إذ تتقاطع فيها موضوعات التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والسياسة والفكر والدين وغيرها من المعارف التي كانت متداخلة في الثقافة العلمية في عصر ابن خلدون. وهذا الاتساع لا يعكس موسوعية مؤلفها فحسب، بل يكشف أيضًا عن طبيعة مشروعه الذي حاول فهم المجتمع باعتباره منظومة مترابطة لا مجموعة ظواهر منفصلة.
ومن أبرز أفكار الكتاب بحثه في العصبية، والعمران، والسلطة، والتمدن، والاقتصاد، وتقلب أحوال الدول. وقد سعى ابن خلدون إلى تفسير التحولات الاجتماعية والسياسية من خلال قوانين وشروط قابلة للملاحظة، بدل الاكتفاء بالسرد التقليدي للأحداث.
ولعل هذه القدرة على الانتقال من الحدث إلى تفسيره هي التي منحت «المقدمة» حياة طويلة خارج زمنها. فالكتاب الذي كتب في سياق تاريخي محدد ظل قابلًا لإعادة القراءة كلما طرحت العلوم الإنسانية أسئلة جديدة حول الدولة والمجتمع والاقتصاد والعمران.
ترشيح يتجاوز الاحتفاء بالكتاب
ويكتسب ترشيح «المقدمة» إلى «سجل ذاكرة العالم» أهمية تتجاوز مجرد الاحتفاء بكتاب تراثي. فالسجل الذي أطلقته اليونسكو يهدف إلى صون التراث الوثائقي ذي القيمة العالمية وإبرازه، بما يتيح التعريف به وحمايته وإتاحته للأجيال المقبلة.
ومن هذا المنظور، يأتي الترشيح المشترك بين تونس والجزائر ومصر وتركيا ليضع «المقدمة» ضمن إطار أوسع من التعاون الثقافي، ويعيد تقديم ابن خلدون بوصفه شخصية فكرية ذات امتداد عربي وإسلامي وإنساني. كما يعيد الانتباه إلى مكانة تونس باعتبارها الفضاء الذي شهد ولادة هذا المشروع الفكري في بداياته.
وبين المدينة العتيقة في تونس التي احتضنت طفولة ابن خلدون، والقاهرة التي شهدت سنواته الأخيرة، وبين الحواضر التي تنقل بينها في المغرب والأندلس والمشرق، تبدو «المقدمة» نفسها أشبه بخلاصة رحلة طويلة في قراءة الإنسان والتاريخ.
وفي انتظار قرار اليونسكو المنتظر في ربيع 2027، يستعيد الترشيح كتابًا لم يتوقف تأثيره عند زمن مؤلفه، بل ظل، بعد أكثر من ستة قرون، يطرح السؤال ذاته الذي انشغل به ابن خلدون: كيف تتشكل المجتمعات، وكيف تصعد الدول، ولماذا تتغير أحوال البشر؟