إنهيدوانا.. شكسبير السومرية وأول صوت شعري أنثوي
وصلت إلينا بعض النصوص الشعرية المبكرة من الحضارات القديمة، ولكن اشتهر بعضها ولم يشتهر آخر بالشكل الكافي، من بين النصوص التي تعتبر سابقة ورائدة نصوص السومرية إنهيدوانا، والتي مثلت أول امرأة شاعرة بذلك الزخم وتلك الرؤى العميقة، ونحن نعيد قراءتها اليوم نستعيد زمنا كاملا.
في كتاب “صلوات إنهيدوانا”، تفتح لنا بتي دي شونك ميدر نافذة واسعة على أحد أقدم الأصوات الأنثوية في التاريخ، صوت الكاهنة السومرية إنهيدوانا، ابنة سرجون الأكدي، أول حاكم وحد شمال العراق القديم وجنوبه، والتي تُعدّ أول من كتب نصوصًا أدبية نُسبت إلى امرأة في التاريخ البشري. استمرت إنهيدوانا في منصب الكاهنة الكبرى في عهد أخويها وابن أخيها.
شغلت إنهيدوانا منصب الكاهنة الكبرى لإله القمر نانا، وكتبت قصائدها بالخط المسماري، وقد عُثر عليها على ألواح فخارية مطمورة في مواقع مختلفة بجنوب العراق. وفقًا للأدلة الأثرية، كتبت إنهيدوانا قصائدها حوالي ثلاثمائة سنة بعد تطور المعجم المسماري بما يكفي لنقل المفاهيم اللغوية. وبهذا، تكون أقدم من الشاعر اليوناني الملحمي هوميروس، صاحب “الإلياذة” و”الأوديسة”، بأحد عشر قرنًا، وأقدم من الشاعرة اليونانية الغنائية سافو بسبعة عشر قرنًا، وأقدم من النبي إبراهيم بثلاثة إلى خمسة قرون.
نصوص مبكرة
تعمل بتي دي شونك ميدر في كتابها، الصادر عن منشورات الجمل بترجمة د. كامل جابر، على إعادة التاريخ إلى حوالي 2300 سنة قبل الميلاد. يشير المترجم إلى أن القصائد في “صلوات إنهيدوانا” مترجمة عن الإنجليزية، وهي عبارة عن أدعية، ابتهالات، تراتيل، وتسابيح تكريسية للإلهة إنانا، تتناول جوانب دنيوية وثيولوجية متنوعة، وتفصح عن رغبة إنهيدوانا في رفع شأن الإلهة إنانا إلى أعلى مرتبة في البانثيون العراقي القديم.
الكتاب ليس مجرد محاولة لترجمة تراتيل دينية من زمن سومر، بل هو عمل متعدد الأبعاد يجمع بين الشعر، الأنثروبولوجيا، التاريخ، علم النفس، وحتى الفلسفة الروحية العميقة. تسعى ميدر، وهي محللة نفسية من مدرسة كارل يونغ، إلى تقديم هذه النصوص بوصفها أكثر من مجرد أناشيد دينية: إنها تجربة داخلية لامرأة تحاول استعادة ذاتها من خلال اللغة، الكتابة، والاتصال بالمقدس.
لم تكن إنهيدوانا مجرد كاهنة عليا، بل كانت سياسية روحية في إمبراطورية مترامية الأطراف، تعمل كحلقة وصل بين السلطة الزمنية، ممثلة بوالدها سرجون، والسلطة الدينية، ممثلة بالإلهة عشتار (أو إنانا، كما كانت تُعرف في سومر). في إحدى أبرز تراتيلها، “تمجيد عشتار”، تتحدث إنهيدوانا عن نفيها من المعبد، وتصف شعور الاغتراب والخذلان، ثم تتوسل إلى عشتار لإعادتها إلى موقعها الرمزي والروحي. يميز هذه الصلوات طابعها الشخصي العميق؛ إذ نجد امرأة تتحدث عن محنتها، تمزقها الداخلي، سقوطها، ورغبتها في القيامة من جديد. تنفتح هذه التجربة على رموز الطقس الديني دون أن تنغلق فيه، بل تسائل الذات وتبحث عن خلاصها ضمن شبكة معقدة من القوة، الهوية، والكتابة.
تقول ميدر إن إنهيدوانا كانت ترفع إنانا خارج مكانتها المعروفة في الحضارة السومرية كإلهة مهمة، لتضعها فوق جميع الآلهة. لم تكن إنانا إلهتها الشخصية فحسب، بل رُفعت، الآن، إلى مكانة سامية في البانثيون السومري. لا توجد طريقة لمعرفة السبب الدقيق وراء بذل إنهيدوانا كل هذا الجهد لإعلاء شأن إنانا؛ ربما كان ذلك ناجمًا عن إخلاص ديني. لكن هذه النقطة البعيدة في الزمن قد تفتح المجال لاحتمالات أخرى.
تشير بتي إلى أن صفات إنانا تظهر بوضوح في شعر إنهيدوانا: فهي لبؤة تصرّ بأسنانها، تطوف الطرقات مبرزة أنيابها التي تقطر لعابًا. وهي نسر “أجنحتها الشيطانية تخفق في البلاد الأجنبية”. إلهة حرب، حمل الملوك شعارها إلى المعركة: “الويل للمدينة التي تعبسين لها”، كما تقول إنهيدوانا. نظرتها تجعل النباتات تذبل والمواشي تهلك. وإذ تحب الحرب، فإن أجنحتها الشيطانية تعلو شعبها ذاته، تاركة الخراب في أثرها. “الإسطبل الواسع للحيوانات/ تدق وتحطم/ تشرط الأبقار والثيران”. فيضاناتها “تغرق من تبغض”. هي حفرة فخ للأحمق العنيد، ينحني الشرير والمتكبر تحت ثقلها.
تتابع “إنانا هي مرآة ووصف لما يدعوه يونغ ‘تناقضات الطبيعة الإنسانية السحيقة‘. تُظهر إنانا تناقضاتنا بوضوح، فهي التجلي الإلهي لالتقاء الأضداد الذي يكشف للبشر طبيعتهم المتناقضة. إلهة الحرب والتدمير، وفي الوقت ذاته إلهة الحب بدرجة متساوية. يزعم الملوك أنها عروسهم، متحدين معها في طقس الزواج المقدس.”
الكاهنة المنفية لا تختلف عن النساء في الأزمنة الحديثة اللواتي يكتبن من هامش المجتمع أو من منفاهن الرمزي
تقول إنانا لتموزي، زوجها: “أصغ/ سوف أنظف جلدي بالصابون/ أجفف جسدي بالكتان/ سوف أرتدي ملابس الحب البهية/ أعرف بالضبط/ أني سأبدو على أحسن ما يرام/ سأجعلك تشعر مثل ملك.”
وتغني إنانا له: “الفرج يبتل في أراضي الفيضان/ الملكة تسأل من يجلب الثور.”
تضيف ميدر “عن أغاني الحب السومرية، تقول جوان كودنيك وستنهولز إن الشوق الجنسي للحبيب يميز غالبًا الأغاني كلها. إضافة إلى ذلك، يتخلل موضوع الزواج الشعر. الشراشف العرسية تُبسط على سرير الزواج، حيث تُمارس الحب. يزعم جيرالد أس. كوبر أن شعر الحب السومري يعبر عن جنسانية المرأة، بينما الشعر القصصي السومري يمتدح الجنسانية الذكورية ويفضّلها. إنانا إلهة الحب، لكن لا أحد يملكها. تطوف جيئة وذهابًا، مثل بغي. إلهة البغايا في الماخور، تحرضها إنهيدوانا قائلة: ‘لقد هيأت لكِ حجرتك في الماخور’. إضافة إلى ذلك، تشرف إنانا على الزواج: اتخذ زوجة، واتخاذ زوج/ العيش في بحبوحة الحب/ لك إنانا.”
تؤكد بتي أنه لولا كتابات إنهيدوانا، لكانت ظلت مجرد اسم على لائحة الكاهنات الكبريات في أور، كباقي بنات الملوك اللواتي شغلن منصب الكهنوتية لخمسمائة عام. في التنقيب الأثري، يُعد العثور على ثلاث قصائد طويلة لإنانا، واثنتين وأربعين تسبيحة لمؤلفة واحدة، بمثابة كنز ذهبي للمعلومات الفنية. ولأن مؤلفاتها جميلة، دُرست ونُسخت ورُتلت لأكثر من خمسمائة عام بعد وفاتها، لذا يلقبها تكفا فريمر-كينسكي بشكسبير الآداب السومرية القديمة. النصوص السرجونية هي الأولى من نوعها التي يمكن قراءتها بطلاقة وسلاسة. وبما أن كتابات إنهيدوانا كانت من بين النصوص الأدبية المبكرة، فإن قصائدها تُعد جزءًا من النصوص الأدبية الأولى المعروفة في التاريخ.
الكاهنة المنفية
وإن ركزت ميدر على قصائد إنهيدوانا الثلاث التكريسية لإنانا، فإنها لا تغفل مجموعة “تسابيح المعبد”، حيث ترى أن الاثنتين وأربعين ترنيمة لا تؤكد فقط على القدرة الإبداعية لإنهيدوانا الشاعرة، بل تقدم أمثلة مثيرة للممارسات الطقوسية والفهم السومري للآلهة واللاهوت العراقي القديم. لم تُكتب التسابيح لإله المعبد أو آلهته، بل للبيت المقدس نفسه، الـ”إي” أو الإيكال، حيث عاشت الإلهة أو الإله. في “تسابيح المعبد”، يُحمد المعبد بصور مختلفة: المزار المائي، أسد البراري العظيم، جامع قوى السماء. في إحدى هذه التسابيح، تصف إنهيدوانا معبد إيبابر، معبد إله الشمس أوتو.
تقول: “قرونك المشرقة فضة/ لحيتك اللازوردية اللامعة/ تتدلى بإسراف.” وتنتهي كل تسبيحة بهذا الكولوفون (كلمات في نهاية المخطوطة تشتمل على اسم الناسخ وزمان النسخ): اسم الإله (أو الإلهة) بني (بنت) بيته (بيتها) على موقعك المشرق.
ووضع مقعده (مقعدها) على منصتك. التسبيحة الأخيرة التي تحمل رقم 42 لم تشتمل على هذين السطرين، لكنها ختمت بالكولوفون الآتي “الشخص الذي وضع هذا اللوح/ هو إنهيدوانا/ ملكي/ ما أبدع هنا/ لم يبدعه أحد من قبل.”
تلاحظ ميدر أن بعض العبارات في تسابيح إنهيدوانا تبدو مدهشة بسبب تمركزها حول المرأة وانحيازها إليها. تقول: “لا نعرف ما إذا كان ذلك ناجمًا عن كون إنهيدوانا امرأة، أو بسبب الحضارة التي، بفضل قربها الروحي من الأرض – وهي تقليديًا ملكوت الإلهة – دمجتها بحساسية أنثوية. لم تكن صور القوى الأنثوية شائعة في النصوص الدينية بحيث تحتاج إلى توضيح، رغم أن الخيال الصوري قد يكون عنصرًا طبيعيًا في حضارة تمتلك تماثيل للإلهات.” على سبيل المثال، في التسبيحة السادسة لمعبد الإلهة شوزيانا، تقول الشاعرة: “بذرت زهورا بغزارة/ في موقعك النير/ البيت الموصد الشامخ/ للنساء المخلصات.”
وفي تسبيحة لننهرساك، الإلهة الأم في سومر، تقول عن المعبد: “إن داخلك رحما عميقة مظلمة.” وفي التسبيحة الـ 15 تصف معبد كيشباندا بالقول: “ثدي الأم مرعب ومكان أحمر/ مصان في الرحم المظلمة.”
أما تسبيحة إنهيدوانا الـ 18 لمعبد نانا في أور، الأكيشنوكال، فهي مثيرة ومدهشة بصورة خاصة، لأنها تقيم في الكيبار الذي في يذكر في التسبيحة: “يا أور/ تتناسل ثيران واقفة/ في أجمة الماء والقصباء/ الصخرة البيضاء أكشنوكال/ عجل بقرة عظيمة/ آكل الحب في السماء المقدسة/ بقرة وحشية/ أحبولة نصبت على عش/ أور/ أول آكل ثمار في كل الأراضين/ مزار في المكان النقي/ أول فناء أرض لآن/ يا بيت سيون/ الأميري يليق ببابك الأمامي/ الملوكي يليق بحائطك الخلفي/ عيدك تسبيحة أدا (الطبول المقدسة و”أوب” المعدني” والـ “آلا” المغطاة بالجلود) تملأ مآدبك/ ضياؤك الفياض/ ربوبيتك المخلصة/ أشياء نفيسة/ في الكيبار، غرف الكاهنات/ ذات المزار الفخم للنظام الكوني المقدس/ يتابعون مرور القمر/ ضوء النهار الجارف يملأ كل بلاد/ أيها البيت/ وجهك المشع/ أفعى عظيمة في هور القصب/ أساسك/ أيها المزار/ الأبسو الخمسون/ البحار السبعة/ يفحص الأعمال الباطنية وما تخفي صدور الآلهة/ أميرك/ مالك الأمر تاج السماء العريضة/ هو أشمبابار/ ملك السماء/ يا مزار أور/ بني هذا البيت على موقعك المشرق/ وشيد مقعده على منبرك.”
توضح ميدر أن القصائد الثلاث التي في هذا الكتاب تختلف عن تسابيح المعبد، فكل قصيدة هي سرد قصصي مطول يحمد إلهة إنهيدوانا الشخصية، إنانا. في هذه الأعمال، خلقت إنهيدوانا دورًا جديدًا لإنانا، لم يُعبَّر عنه بصورة صريحة من قبل. ورغم أن إنانا كانت موضوعًا لأساطير أقدم، مثل “هبوط إنانا إلى العالم السفلي”، وكذلك الأغاني في أدب الزواج المقدس، إلا أن إنهيدوانا في قصائدها غيّرت الشكل التقليدي للهرمية الدينية السومرية، وذلك بإعلاء إنانا فوق جميع الآلهة الأخرى.
ترجمات ميدر لهذه النصوص لا تقتصر على نقل المعنى، بل تحاول إعادة إنتاج الشحنة العاطفية والرمزية التي تحويها التراتيل الأصلية. لقد أعادت الكتابة هذه النصوص إلى الحياة، وجعلت منها مرآة لتجربة معاصرة يمكن أن تفهم المرأة اليوم من خلالها علاقة التاريخ بجسدها، بالسلطة، بالإله، بالذاكرة. الكاهنة المنفية، التي كتبت “أنا، إنهيدوانا”، لا تختلف كثيرًا عن النساء في الأزمنة الحديثة اللواتي يكتبن من هامش المجتمع أو من منفاهن الرمزي. الكلمة هنا ليست وسيلة مدح فقط، بل أداة مقاومة روحية وأدبية، تعيد من خلالها المرأة تشكيل وجودها في عالمٍ صنعه الرجال وكتبه الرجال وفسّره الرجال.
إن قراءة ميدر تأتي بطابع رمزي-نفسي عميق، تلامس مفاهيم مثل العبور، السقوط، التحول، والشفاء، وهي ركائز أساسية في علم النفس اليونغي. من هذا المنظور، لا تظهر إنهيدوانا كشخصية تاريخية فحسب، بل كتجسيد لـ”الأنيما”، الصورة الأنثوية في النفس، التي تناضل لتتجاوز الظلال والقيود الاجتماعية نحو النور والوعي. تكشف القراءة النفسية لتراتيلها أن الطقوس ليست مجرد ممارسات خارجية، بل رحلة داخلية تحول الألم إلى بصيرة، والسقوط إلى شرط للنهوض. لا تنفصل لغة التراتيل عن شعريتها، بل تستمد قوتها الروحية من جمالها الأدبي. التكرار، الصور الرمزية، والإيقاع تجعل من “صلوات إنهيدوانا” نصًا يحتفي باللغة ويقدّس الكلمة كوعاء للمعنى والوجود.
ورغم طابعه التراثي، يقدم الكتاب نموذجًا رائدًا لكتابة المرأة عن ذاتها، يعيدنا إلى جذور الحداثة النسوية من منبعها الرافديني العميق، حيث الكتابة فعل خلق، والشعر وسيلة بوح وشفاء. يكشف الكتاب أيضًا كيف أن النصوص الأولى في التاريخ لم تقتصر على السياسة أو الاقتصاد، بل نبعت من حاجة الإنسان، وبالأخص المرأة، للتعبير عن مشاعرها في مواجهة السلطة، وسعيها لفهم ذاتها عبر علاقتها بالكون والآلهة. هذه الصلوات تتخطى حدود الزمان والمكان، شاهدة على أن المرأة لم تكن يومًا صامتة، بل صُمتت. وحين تكتب، فإنها لا تكتب لتتزين بالأدب، بل لتسترد حريتها في وجه المنفى والخوف والصمت. إنها صلوات تضيء الصوت الأول الذي كتب، تألم، تمرد، وعاد إلى المعبد ليعلن: “أنا إنهيدوانا، وهذه كلمتي”. وهكذا، يتجاوز الكتاب كونه وثيقة تاريخية أو تحليلًا أكاديميًا، ليصبح سفرًا روحيًا يمتد بين الماضي والحاضر، بين الكلمة الأولى والصلاة التي لم تنقطع. في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى أصوات نسائية أصيلة.