"إنسايد غزة".. حياة الصحافيين جزء من المأساة التي يوثّقونها

الفيلم الذي تولّت إخراجه الصحافية المستقلة إيلين لام ترونغ يُعرَض في احتفال توزيع جوائز بايو لمراسلي الحرب.
الأربعاء 2025/10/08
ننقل دراما إنسانية نحن جزء منها

باريس - تشبه حياة الصحافيين في غزة حكاية درامية سينمائية لا تخطر على بال أحد، فقطاع غزة كما يصفه الأمين العام للاتحاد الدولي للصحافيين أنتوني بيلانجر “تحول إلى أخطر مكان للصحافيين،” بعد عامين من تنفيذ إسرائيل منهجيتها في إسكات الشهود، عبر قتلهم، وترويعهم واستهداف أهاليهم.

ويأتي الفيلم الوثائقي “إنسايد غزة” (داخل غزة،Inside Gaza) ليروي اختبار صحافيي وكالة فرانس برس الذين وجدوا أنفسهم عالقين داخل القطاع الفلسطيني خلال الأشهر الأولى من الحرب، فيما كانت حياتهم الشخصية تتحوّل إلى جزء من المأساة التي يوثّقونها.

يُعرَض الفيلم الذي تولّت إخراجه الصحافية المستقلة إيلين لام ترونغ الخميس في احتفال توزيع جوائز بايو لمراسلي الحرب، بحضور ستة من الصحافيين السبعة الدائمين في وكالة فرانس برس الذين غطوا بداية النزاع في قطاع غزة، قبل بثه عبر منصة “آرتيه” (Arte) في 2 ديسمبر المقبل.

ويتناول الفيلم حياة هؤلاء الصحافيين اليومية بدءا من السابع من أكتوبر 2023، حين شنّت حركة حماس هجوما على إسرائيل أسفر عن مقتل 1219 شخصا، بحسب تعداد لوكالة فرانس برس استنادا إلى أرقام رسمية إسرائيلية، ثم الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة الذي تلاه.

وبدأ الصحافيون يوثّقون الرعب في القطاع المحاصر حيث قُتل أكثر من 67 ألف شخص غالبيتهم مدنيون، وفق وزارة الصحة التي تديرها حماس، وتعتبر الأمم المتحدة هذه الأرقام موثوقة.

وتقول إيلين لام ترونغ، مخرجة الفيلم الذي شاركت في إنتاجه خدمة “فاكت ستوري” التابعة لوكالة فرانس برس والمتخصصة في إنتاج الأفلام الوثائقية، لوكالة فرانس برس، “كنت أرغب في شرح طبيعة هذه المهنة التي تُمارس بالدرجة الأولى على الأرض.”

اختبار صحافيي وكالة فرانس برس الذين وجدوا أنفسهم عالقين داخل القطاع فيما كانت حياتهم الشخصية تتحوّل إلى جزء من المأساة التي يوثّقونها

واعتمدت المخرجة بشكل شبه حصري على لقطات لوكالة فرانس برس، صوّر غالبيتها الصحافيون الذين يروون تجربتهم في الفيلم. وأصبحت المشاهد التي تظهر أطفالا مصابين في حالة صدمة، وأشخاصا مدفونين تحت الأنقاض أو ملفوفين بأكفان، جزءا من روتينهم اليومي.

وبعد خروج صحافييها من غزة، بدأت فرانس برس تعتمد على صحافيين متعاقدين، لكن تغطية الحرب تأثرت بسبب منع الصحافيين الأجانب من دخول قطاع غزة، وبسبب الخطر على سلامة الصحافيين، والقيود التي تفرضها حركة حماس.

وتقول المخرجة التي أجرت مقابلات مطوّلة مع الصحافيين بعد أن تمكّنوا من مغادرة غزة مطلع عام 2024، “إنهم صحافيون مخضرمون في الخمسينات من عمرهم، يعرفون كيف يحافظون على مهنيتهم في ظل ظروف طارئة وقاسية جدا.”

مع ذلك، كثيرا ما تُقابَل رواياتهم بالتشكيك، كما حدث حين قالت مجموعات ضغط مؤيدة لإسرائيل إن صورة التقطها محمد عبد تُظهر طفلا ميتا في كفن يحتضنه والده، تعود في الواقع لدمية.

ويوضح عبد أنّ وسائل إعلام غربية عدة طلبت منه تقديم دليل على وفاة الطفل. وتقول لام ترونغ “نادرا ما شهدنا هذا القدر من التشكيك في المعلومات التي ينشرها صحافيون ذوو خبرة،” مضيفة “واجه الصحافيون الفلسطينيون أقصى درجات عدم الثقة في وسائل الإعلام.”

واتسم اختيار اللقطات بدقة متناهية، وتوضح المخرجة أنها نقّحتها بعناية لاستبعاد المشاهد الأكثر إثارة للصدمة في الفيلم، مع أنّه يتضمّن عددا منها. وشددت على أنّ ما يظهر في الفيلم “أقل بكثير من الواقع.”

وأُخرج الصحافيون السبعة وعائلاتهم من القطاع بين فبراير وأبريل 2024، وهم يتوزّعون راهنا بين الدوحة والقاهرة ولندن، ويعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. وتعمل وكالة فرانس برس حاليا مع نحو عشرة صحافيين مستقلين في غزة.

وبحسب لجنة حماية الصحافيين ومنظمة “مراسلون بلا حدود”، قُتل نحو 200 صحافي في غزة منذ بدء الحرب. ويقول منتج الفيلم ورئيس وحدة الأفلام الوثائقية في “فاكت ستوري” يان أوليفييه إنّ “هدف الفيلم هو إثارة نقاش بشأن دور الصحافيين” المهدّدين في مختلف أنحاء العالم، وخصوصا في غزة، حيث قتل العديد من الصحافيين.

ويضيف “آمل أن يصبح الأشخاص الذين يدّعون عدم وجود صحافيين في غزة، ملزمين بعد مشاهدة هذا الفيلم، بالاعتراف بوجودهم وبأنّ من واجبهم الأخلاقي إنتاج عمل صحفي مبني على الوقائع”.