"إلى جهةٍ في الغمام": تأملات في الحب والمنفى والوجود

الشاعر محمد ميلود غرافي يجمع بين الحس الإنساني والرؤية النقدية للعالم.
الأربعاء 2026/04/01
شاعر يحوّل ذاته إلى مدار إنساني

تظلّ التجربة الشعرية الحديثة فضاءً رحبًا لالتقاط أسئلة الإنسان في تحوّلاته الوجودية، حيث تتقاطع الذات مع العالم في لحظات تأمل وقلق. ومن خلال لغة مكثفة ورؤية مفتوحة، يسعى الشعر إلى تفكيك اليومي وإعادة بنائه دلاليًا، بما يكشف عمق التجربة الإنسانية وتوترها بين الانتماء والاغتراب.

حينما سلّمني الصديق المبدع مصطفى شعبان نسخةً من ديوان الأخ والصديق محمد ميلود غرافي، تبادرت إلى ذهني جملة من الأسئلة الوجودية الملحّة: هل الغريب مسكونٌ دائمًا بأمل العودة، أم يظلّ موزّعًا بين “الهنا” و”هناك”؟ وهل تفرض فكرة “الهناك” حضورها القسري علينا في حلّنا وترحالنا، حتى ونحن في أكثر الأماكن ألفةً وطمأنينة؟ أم أن هذا الديوان ينفتح، في جوهره، على تجارب إنسانية أوسع تتجاوز ثنائية المكان والزمان، لتلامس جوهر الوجود الإنساني في عمقه وقلقه؟

هذه الأسئلة لا تلبث أن تفرض نفسها بإلحاح عند قراءة ديوان “إلى جهةٍ في الغمام” للشاعر والباحث والروائي والأكاديمي محمد ميلود غرافي، حيث ينفتح النص الشعري على أفق إنساني رحب، يتجاوز حدود التجربة الفردية الضيقة ليعانق قضايا الوجود والهوية والمنفى، في صيغة شعرية تجمع بين التأمل العميق والبوح الحميم.

الوعي النقدي بالواقع

نصوص المجموعة الشعرية تتراوح بين اللقطة الخاطفة والمشهد الدرامي المكثف، مما يمنح الديوان طابعًا سرديّا واضحًا
نصوص المجموعة الشعرية تتراوح بين اللقطة الخاطفة والمشهد الدرامي المكثف، مما يمنح الديوان طابعًا سرديّا واضحًا

يسعى الشاعر في هذا الديوان إلى التقاط لحظات إنسانية متشظّية داخل فضاء كوني ممتد، تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة، وتتشابك فيه العلاقات والذكريات. وهو في ذلك يستعيد هاجسًا شغل عددًا من كبار الشعراء والمفكرين، الذين جعلوا من تجربة المنفى محورًا للتأمل الفلسفي والشعري، حيث يتحوّل الاغتراب من حالة جغرافية عابرة إلى وضعية وجودية مركّبة تمسّ أعماق الذات، وتعيد تشكيل علاقتها بالعالم.

 وفي هذا السياق يقدّم الديوان، الصادر حديثًا في عمّان عن منشورات “الآن ناشرون وموزعون” في 118 صفحة (ويتوزع إلى قسمين الأول بعنوان: “رمانة الحسران”، والثاني بعنوان: “وجع تدلّى”) تجربة شعرية ناضجة تتجلّى فيها قدرة الشاعر على المزاوجة بين البعد الذاتي والبعد الكوني ضمن رؤية شعرية متماسكة ومفتوحة على التأويل.

لذا فإن ديوان “إلى جهةٍ في الغمام” يعد تجربة شعرية حديثة تنتمي إلى قصيدة النثر العربية، حيث يبني الشاعر معظم نصوصه على شبكة من الثنائيات المتقابلة: اليومي والوجودي، الخاص والعام، الحاضر والماضي، “الهنا” و”هناك”، الأمل والألم. ومن خلال هذه الثنائيات يقدّم رؤية إنسانية عميقة تتأمل الحب والحياة والموت والاغتراب بوصفها تجارب متداخلة لا يمكن فصلها.

وعبر ستة وأربعين قصيدة يقدّم الشاعر نصوصًا تتراوح بين اللقطة الخاطفة والمشهد الدرامي المكثف، مما يمنح الديوان طابعًا سرديًا واضحًا، يقرّبه أحيانًا من القصة الشعرية، ويمنحه قدرة على تشخيص التفاصيل اليومية وإعادة بنائها شعريًا.

وأول ما يلفت الانتباه في هذا العمل هو هيمنة اليومي: أثناء السفر، أو الجلوس في مقهى، أو التأمل في حديقة، بوصف هذه اللحظات موادَّ شعرية أساسية. فالشاعر لا يبحث عن موضوعات بعيدة أو متعالية، بل ينطلق من تفاصيل بسيطة: فنجان قهوة، عشية ماطرة، حياة زوجية متعبة، أو مشاهد عابرة من مدن مرّ بها، ليحوّل هذه الجزئيات إلى لحظات مشبعة بالدلالة.

ففي قصيدة “اعترافات” تتحوّل لحظة عابرة إلى تجربة زمنية ممتدة، حيث يتداخل الزمن الواقعي بالزمن الشعوري، فيغدو “عامان” امتدادًا لحالة واحدة من البرودة العاطفية والانفصال الداخلي، وهنا تتجلّى قدرة الشاعر على توليد الدهشة من التفاصيل الصغيرة.

أما في قصيدة “عشر سنين” فينتقل النص إلى البعد الدرامي للعلاقات الإنسانية، خاصة العلاقة الزوجية، حيث يصوّر الشاعر زواجًا قائمًا على الاستمرار القسري، وتتحول كلمة “الأولاد” إلى رمز للتماسك الظاهري الذي يخفي خلفه هشاشة عميقة. وتغلب على اللغة مفردات الحرب والانكسار، مثل “حرب خاسرة” و”شظاياها”، مما يعكس رؤية قاتمة للحب بوصفه تجربة مأزومة ومثقلة بنوع من الخذلان. كما تستحضر بعض النصوص ملامح من الذاكرة الشعبية (ناس الغيوان نموذجًا في قصيدة “لن أعود”)، فضلًا عن الأغاني والأفلام الهندية، بما يعمّق الإحساس بتداخل الخاص بالجماعي، وامتداد التجربة الفردية داخل نسيج ثقافي مشترك، حيث تتقاطع الطفولة مع الشباب والكهولة في خط زمني متداخل.

غير أن هذا الإحساس بالأزمة لا يظل حبيس التجربة الفردية، بل يمتد إلى العالم الخارجي. ففي قصيدة “محاولة” يقدّم الشاعر صورة بانورامية لعالم معاصر مضطرب تختلط فيه السياسة بالإعلام، بالشعر، لتشكّل جميعها مشهدًا عامًا من الخراب. وتعكس هذه الرؤية وعيًا نقديًا حادًا بالواقع، كما تكشف عن ذات قلقة تعيش اغترابًا مزدوجًا: اغتراب عن الذات واغتراب عن العالم، خاصة في ظل شعور دائم بالتشظي بين “الهنا”، حيث الجسد، و”هناك”، حيث الأهل أو ما تبقّى من الذاكرة.

تحويل الألم إلى معنى

الشاعر يسعى في هذا الديوان إلى التقاط لحظات إنسانية متشظّية داخل فضاء كوني ممتد تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة

من أبرز محاور الديوان أيضًا حضور الأم والأب بوصفهما نموذجين إنسانيين مركزيين. ففي قصيدة “رغاوتها” تتجلى الأم كرمز للحنان المفقود والبراءة الضائعة، حيث يستحضرها الشاعر بنبرة شجن وندم، فتغدو صورة إنسانية تتجاوز التجربة الفردية نحو أفق كوني رحب.

أما في “مقص أبي” فيتحول الأب إلى رمز للكفاح والعمل اليومي، حيث تُستعاد صورته من خلال أداة بسيطة تحمل دلالات عميقة عن الذاكرة والهوية والكدح الإنساني، وهنا تبرز قدرة الشاعر على تحويل الأشياء العادية إلى رموز دالة ومشحونة بالمعنى.

كما يبرز في الديوان حضور واضح للتكنولوجيا الحديثة وتأثيرها على الإنسان. ففي قصيدة “دهشتان” يشير الشاعر إلى هيمنة الهاتف النقال ووسائل التواصل مثل “تيك توك”، حيث يصبح الإنسان أسيرًا للشاشة، في مفارقة حادة بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي الذي أخذ يزاحم الواقع، بل ويطغى عليه أحيانًا. وتكشف هذه الصورة عن قلق وجودي عميق، حيث يُختزل الزمن والمعنى داخل جهاز صغير، مقابل تراجع التجربة الإنسانية المباشرة وتآكلها.

أما على مستوى اللغة والأسلوب فيعتمد الشاعر لغة بسيطة ومباشرة ظاهريًا، لكنها كثيفة دلاليًا. فهو يبتعد عن الزخرفة البلاغية التقليدية، ويميل إلى الجملة القصيرة والإيقاع الداخلي، مع حضور واضح للنَّفَس السردي. كما يوظّف التكرار والتقطيع لخلق إيقاع يعكس التوتر النفسي الذي يسكن النص، ويمنح القصائد حيوية داخلية تتجاوز الشكل الخارجي.

وفي نهاية الديوان تأتي القصيدة الأخيرة “تلك العبارة” كنوع من الوصية الشعرية، حيث يرفض الشاعر النمطية حتى في الموت، معترضًا على العبارات الجاهزة والمكرّرة. ويعكس هذا الموقف نزعة تمرّد واضحة، ورغبة عميقة في الحفاظ على خصوصية التجربة الإنسانية حتى في لحظتها الأخيرة، بما يمنح النص بعدًا فلسفيًا إضافيًا.

وفي المجمل، يمكن القول إن ديوان “إلى جهةٍ في الغمام” يجمع بين الحس الإنساني العميق والرؤية النقدية للعالم، حيث ينجح الشاعر في تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة شعرية نابضة، تكشف عن هشاشة الإنسان في مواجهة الحب والزمن والموت، وتؤكد في الآن ذاته قدرته على تحويل الألم إلى معنى، والقلق إلى سؤال مفتوح على أفق إنساني لا ينغلق.

8