إريك مارتي لـ"العرب": العالم العربي هو أحد آخر معاقل الشعر في هذا العالم
لم يشغل ناقد فكر الكتّاب والمفكرين مثلما فعل الفرنسي رولان بارت، برؤيته الفريدة للنص والمؤلف والموت والحياة كان محل جدل دائم، ولعل مواطنه الناقد إيريك مارتي أفضل من قارب عوالمه في مؤلفات ومحاضرات مازال صداها راسخا، لكن مارتي لم يقف جهده في استكمال حلقات بارت المفقودة، سواء في نصوصه أو تفكيك نظرياته، بل واصل طريقه منظرا ومفكرا يسائل أهم القضايا الفكرية المعاصرة. "العرب" كان لها معه هذا الحوار.
وُلد إريك مارتي سنة 1955، وهو جامعي وناقد أدبي وروائي. اعتنى بنشر “يوميّات أندريه جيد 1887 – 1925” في سلسلة البليّاد الشّهيرة سنة 1996، كما قام بنشر “الأعمال الكاملة لرولان بارت” المكوّنة من خمسة مجلّدات، وكتب عن هذا الناقد والمنظر الأدبي الفذ عملا ضاربا في الأهميّة تحت عنوان “رولان بارت: عمل الكتابة”. وإضافة إلى ذلك وقع إعادة إصدار مصنّفه النّقدي “جنس الحداثيّين: فكر في نظريّة الحياد والجندر” (2021) في سلسلة الجيب خلال شهر أكتوبر الماضي.
الأستاذ بارت وجيد
العرب: كان لرولان بارت دورٌ بالغ الأهمية في حياتك. يُمكن قراءة كتابك “رولان بارت: عمل الكتابة” كمصنّف نقدي دقيق وكسيرة ذاتيّة تتناول فيها تدرّبك الشّخصي على الكتابة والحياة. هل يُمكنك أن تشرح لنا منهجك وأهدافك؟
التلميذ ليس مجرد معجب وحسب، بل يحمل في داخله رغبة أخرى رغبة تخصه شخصيا: الرغبة في الكتابة
إريك مارتي: مصطلح “سيرة ذاتيّة تدريبيّة” مُلائم تمامًا، وهكذا تصوّرتُه. لكنّها، على أي حال، “رواية حقيقية”، إن صحّ التعبير. في سنّ العشرين، وجدتُ نفسي في وضعٍ يتوافق مع جميع تقاليد وبروتوكولات رواية بلوغ الرّشد: لقاء أستاذ، بالمعنى القديم للمصطلح، الموجود في الفلسفة اليونانية والفكر الشّرقي، والتّرحيب به وتبنّيه لي. كان هذا الأستاذ رولان بارت، الذي كان في أواخر السّبعينات ما يُمكن وصفه بـ”أمير الشّباب”، والذي كنتُ معجبًا به بشدّة.
لكن لقاء أستاذ ليس مجرّد شعور بالرّضا عن مرافقة رجل مُرموق أو شخصيّة مشهورة. التّلميذ ليس مُعجبًا وحسب، بل يحمل في داخله رغبةً أخرى. رغبةً تُخصّه شخصيّا: الرّغبة في الكتابة. لذا، تبدأ “السّيرة التّدريبيّة” حقًا عندما يسمع التّلميذ الرسالة التالية من المعلم، سواءً قالها المعلم فعلًا أم ضمنًا: “يمكنك الكتابة”.
من الواضح أنّ هذا ليس مجرّد تفويض رسمي؛ فالرّسالة أقوى بكثير، وتحمل في طيّاتها بلا شكّ عنصرًا من الغموض المتأصّل في جميع طقوس البدء. إنّه نوع من “افتح يا سمسم”، إذًا، كطقس يفتح بابًا لإمكانيّة أن يصبح المرء كاتبًا بنفسه.
السّنوات القليلة التي قضّيتها إلى جانبه كانت أيضًا برفقة عالم بأكمله، عالم من الأصدقاء والمثقّفين والكتّاب ومخرجي الأفلام والفنانين، عالم كان ساحرًا بالنّسبة إلي كشابّ.
في كتابي “رولان بارت، عمل الكتابة”، أروي هذه العلاقة المميّزة للغاية مع “المعلّم”، الذي كان يتمتّعُ بشيء من معلّم الزّن في حبّه للصّمت، وفي أنّني في كلّ لفتة أو حركة منه كنت أشعر بأنّني أشهد “درسًا في الكتابة”، درسا في الحكمة، درسا في الحياة. لكنّني أروي أيضا عالم باريس، العالم الفكري في أواخر سبعينات القرن الماضي، وهي فترةٌ زاخرةٌ بالتألق.
منذ صدور هذا الكتاب عن بارت، وهو سيرة روائية متخيلة، كتبتُ روايةً حقيقيّة، قصةً عن بلوغ سنّ الرشد، بعنوان “فريديريك” (منشورات سوي، 2025)، نُشرت في فبراير الماضي. تبدو الرّواية بعيدةً كل البعد عن بارت، لكنّ بطلها يُشبهني إلى حدٍّ ما، وفي جوهرها، وفي سياق مختلف تماما، أروي تجربة حياتيّة تشبه إلى حد كبير تلك التي مررت بها.
العرب: بصفتك من اعتنى بنشر “يوميّات أندريه جيد (1887 – 1925)” في طبعة “البليّاد” الشّهيرة، هل يمكنك إخبارنا بما تبقى اليوم من مؤلّف كتابه “ثمار الأرض” المتحصّل على جائزة نوبل للآداب سنة 1949؟ بمعنى آخر، هل يُقرأُ جيد اليوم؟
إريك مارتي: بشكل عام، أشعر بتشاؤم تجاه جاذبية أندريه جيد لدى الأجيال الحاليّة. ينتمي آخر قرّاء جيد الكبار إلى جيل غابر، جيل بارت ولاكان وفوكو. حتّى ضمن جيلي، كان عملي على جيد معزولًا تمامًا. بصفتي أستاذًا جامعيّا، أشرفتُ على بعض الرّسائل العلميّة حول جيد، لكنها جاءت في الغالب من طلاب أجانب، معظمهم من اليابان. من الصّعب كشف أسباب هذا الاستياء.
صورة الكاتب مهمّة جدا في إثارة الرغبة في القراءة. وصورة جيد سيّئة، على الأقلّ وفقا لمعايير اليوم. أعمال متنوعة جدا بحيث لا يمكن ربطها برسالة واحدة، وأسلوب يُنظر إليه على أنه كلاسيكي للغاية، وشعورٌ برجل عجوز يُلقي محاضرةً على العالم في الأخلاق أو الحكمة. كما أن الهجوم المعاصر على ما يُسمى “الاعتداء الجنسي على الأطفال” يُضرُّ به، إذ يُربط جيد، للأسف، بظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال.
ومع ذلك، هناك قُرّاء لجيد. يمكننا أن نلتقي بالبعض منهم. لكن هذه مساع فردية لا تُشكِّل أبدًا عملا جماعيا. اللاّفت للنظر هو المثال المُعاكس الذي يُمثله بروست. بروست كاتبٌ أصعب بكثير من جيد، ومع ذلك، على الأقلّ في السّنوات الأخيرة، أثار حماسًا حقيقيّا، بل يُمكن للمرء أن يقول شيئا من التّعالي، ولكن هل العمل ذاته هو السّبب؟ أم أنّه بالأحرى صورةٌ مُعيّنة عنه…؟
تاريخ مفهوم الجندر
العرب: في كتابك “جنس الحداثيّين: فكر في نظريّة الحياد والجندر”، تُقدّم نظرةً شاملةً على ما أدّى، من سارتر إلى جوديث بتلر، مرورًا بليفي شتراوس ولاكان ودولوز ودريدا وفوكو، دون أن ننسى بارت، إلى انتصار نظرية الجندر. ما الذي يُبرّر نجاح هذه النظريّة في جميع أنحاء العالم تقريبا؟ وكيف يُمكن تمييزها عن الـ”ووكيزم” السّائد؟
إريك مارتي: كتابي هو في الواقع عمل جينيالوجي، سلسلة نسب لنظريّة الجندر. لكنّ الرّوابط التي أُقيمها بين بتلر والجيل الأميركي في التسعينات والحداثة الفرنسية مُتناقضةٌ للغاية. فبدلًا من الحديث عن عمليّات النّقل الثقافي بين ضفّتي الأطلسي، يُفضّل البعض الحديث عن عمليّات النّقل المُضادّة. يبدو لي أنّه في حين ينتمي مفهوم الجندر إلى حدّ كبير إلى الخيال الأميركي، وإلى صراع الجنسين في الولايات المتّحدة على وجه الخصوص، وبشكل أعمّ إلى الرّؤية الأميركيّة للجنس، فإنّ العمل النّظري الذي قامت به جوديث بتلر مدين إلى حدّ كبير إلى خطاب الحداثة الفرنسيّة.
هذا الدّين غامض للغاية، حيث تُخضع بتلر خطابات لاكان ودريدا وميشيل فوكو لتشويهات عديدة متعمّدة أو غير مقصودة، وتظهر مزيجا من الإعجاب وعدم الارتياح تجاههم.
صورة الكاتب مهمة جدا في إثارة الرغبة في القراءة، وصورة جيد سيئة، على الأقل وفقا لمعايير اليوم
يتتبع كتابي التاريخ المعقد لبناء مفهوم الجندر، الذي يجمع بين علم النّفس الاجتماعي الأميركي للغاية والاكتشافات الرّئيسيّة للبنيويّة الفرنسيّة، ولكن أيضًا مع الموقف الغامض لهؤلاء المثقّفين الفرنسيّين العظماء تجاه الولايات المتّحدة، والذي بلغ ذروته في نوع من التحوّل مع ميشيل فوكو، الذي أسمّيه ما بعد الأميركي.إنّ نجاح نظريّة الجندر في حدّ ذاته هشّ، ويعود ذلك جزئيّا إلى التوتّرات داخل الرّاديكاليّة الأميركيّة التي أدخلت، من خلال التّقاطع، فئات منافسة أخرى، مثل العرق والهويّة المتحولّة جنسيّا، كما يعود إلى ردّ الفعل العنيف للغاية للقوى المحافظة، لاسيما مع انتخاب دونالد ترامب، الذي وجّه ضربة موجعة لجميع الحركات المتعلّقة بقضايا الجندر، بما في ذلك، بالطّبع، حركة “الووكيزم”. “الووكيزم” ظاهرة غامضة يمكن تعريفها بأنّها نشاط يستهدف “الرّجل الأبيض المغاير جنسيّا” بالإضافة إلى التّاريخ والثّقافة المرتبطين به. يكمن الرّابط بين “الووكيزم” ونظريّة الجندر في هذا الهدف المشترك.
الشعر يصل عالمين
العرب: في عام 2005، نشرتَ مقالاً في صحيفة “العصر الحديث” (الصّادرة عن منشورات غاليمار) بعنوان “محمود درويش وعار الشّعراء”، هاجمتَ فيه الشاعر الفلسطيني بسبب تكريمه لياسر عرفات، الذي كان قد توفي في نوفمبر 2004. مع ذلك، استشهد الرّئيس ماكرون، في الأمم المتّحدة، بدرويش، الذي يُعتبر الآن أحد أعظم الشّعراء العالميين. لماذا هذا النّقد اللاّذع الذي يشبه التّطاول؟
إريك مارتي: يجب أن أقول إنّني أأسف لهذا النصّ، فهو مُفرط فيه وغير ضروريّ وغير منصف بالمرّة، لكنّني أودّ توضيح وجهة نظري مع ذلك. هذا النصّ في الواقع لا يستهدف محمود درويش نفسه بقدر ما يستهدف الاستخدام الذي وُظّف له في فرنسا… استخدام أيديولوجي وسياسي بحت، قائم على النموذج “الستاليني” لشاعر الدّولة، الشّاعر الرّسمي، الشّاعر الوطني.
مع أنّني أفهم أنّ الشّعر قد يكون سياسيّا، إلاّ أنّني أشعر بقلق بالغ عندما يخدم السلطة، حتى لو كانت تلك السّلطة ضعيفة ومضطهدة ومُساءة المعاملة، كما هو الحال بخصوص السّلطة الفلسطينيّة. لذلك، تجاهلتُ كلّ ما هو شعريّ أصيل في أعماله، مُركّزًا فقط على الرّغوة العامّة و”المدفوعة بالدّعاية” التي أحاطت به آنذاك. كان ذلك تصرّفا أحمق وظالما، وألوم نفسي على قلّة كرمي: على عدم منح الشّاعر الفضل والاعتراف فقط بالشخصية الرسمية المؤسسية. وألوم نفسي أكثر لأنّ العالم العربي، بالنّسبة لي، هو أحد آخر معاقل الشّعر في هذا العالم.
العرب: لو خُيّرتَ البدء من جديد، ما الخيارات التي ستتّخذها؟ لو خُيّرتَ بين تجسيد نفسك أو إعادة تجسيدها في كلمة، أو شجرة، أو حيوان، فأيّ منها ستكون في كلّ مرّة؟ وأخيرًا، لو تُرجم نصّ أو كتاب واحد فقط من نصوصك إلى لغات أخرى، إلى العربيّة مثلًا، فأيُّها ستختار؟ ولماذا؟
إريك مارتي: لو قُدِّر لي أن يعاد تجسيدي كحيوان، لكان بلا شك النّاقة العربيّة، التي غالبًا ما يُخلط بينها وبين الجمل في فرنسا، وهي أقلّ جمالًا بكثير بسبب سناميها. أحبّ النّاقة العربية حبا جما، لاسيما لارتباطها الوثيق بالصّحراء. الصّحراء مكانٌ يسوده الصّمت والبساطة والنّقاء. هذا الارتباط هو ما يمنحني شعورًا بالأخوّة، فضلًا عن اقتصادها ورزانها الشّديدين، اللذين يُضاهيان عالمنا المليء بالوفرة والبذخ والإنتاج المفرط. أمّا الشّجرة، فهي النّخلة لأنّها تقع على حافّة الصّحراء، وهذا القرب مؤثرٌ للغاية. إنّها رمز استثنائي للتناقض بين الوفرة والنّدرة. لا شيء يُسعدني أكثر منها.
لقد تُرجم أحد كتبي إلى العربيّة بالفعل. وهذا هو حال التّرجمة العربية (مصر) لكتابي الصّغير “رولان بارت، الأدب والحقّ في الموت”، والذي أفتخرُ به كثيرًا. لكنّ فرحتي الكبرى ستكون بترجمة مجموعتي الشعرية “سُمِعَ/ القول” (منشورات فورور، 2023) إلى العربيّة. أعتقدُ أنّ الشعر هو ما يربطنا، نحن الفرنسيين، أكثر من أي شيء آخر، بالعالم العربي، وهو، كما ذكرت، عالم الشعر.