أي مستقبل للتعليم العمومي في تونس
وأبناءنا يبدؤون سنة دراسية جديدة، التي انطلقت في الـ15 من سبتمبر الجاري، نستعيد أهمية التعليم والمنظومة التعليمية التي راهنت عليها الدولة التونسية الحديثة بكل قياداتها المتعاقبة، حيث شكل التعليم في تاريخ تونس الحديث العمود الفقري لبناء الدولة الوطنية عقب الاستقلال، إذ اتخذت البلاد خيارا استراتيجيا مبكرا بتكريس مجانية التعليم وديمقراطيته، وجعله المحرك الأساسي للارتقاء الاجتماعي والتنمية البشرية، وقد حقق كل ذلك رغم توظيفه لأغراض سياسية واجتماعية من أنظمة الحكم السابقة.
وتتجلى أبرز مميزات التعليم التونسي في إتاحة التمدرس وتعميمه على نطاق واسع يشمل مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية وفي كافة الجهات، مع تجسيد مبدأ تكافؤ الفرص بين الجنسين بشكل رائد على المستوى الإقليمي. كما يمتلك النظام التعليمي زادا بشريا من الإطارات التربوية ذات التكوين الأكاديمي المتين، إضافة إلى برامج ومناهج تعليمية ركزت تاريخيا على التفتح العقلاني، وإتقان اللغات الأجنبية، وفي مقدمتها اللغة الفرنسية، والانفتاح على المعارف الحديثة والعلوم الدقيقة. وقد أثمر هذا الاستثمار إنتاج كفاءات وتخصصات عالية التأهيل، استطاعت إثبات جدارتها ومنافستها في كبرى المؤسسات الأكاديمية والمهنية بالخارج.
ورغم التحولات التي شهدها المجتمع التونسي عبر العقود، ظل النظام التعليمي العمومي طوال سنوات ذا مكاسب تاريخية راسخة، لكنه في المقابل يواجه منذ سنوات أزمات مريرة تتطلب مراجعة عميقة.
تكشف إحصاءات البرنامج الدولي لمتابعة مكتسبات التلاميذ (PISA)خلال العقد الأخير عن تموقع تونس في المراتب العشر الأخيرة عالميا في الرياضيات والعلوم والقراءة.
◄ إنقاذ المدرسة العمومية في تونس لم يعد مجرد مطلب موسمي يتجدد مع بداية كل عام دراسي بل هو شرط وجودي لاستعادة السلم الاجتماعي والمشروع التنموي ولاستكمال بناء وطن قوي
إلى جانب هذه الإحصائيات هناك عشرات الإحصائيات الأخرى التي تنذرنا بين حين وآخر بتراجع تصنيف التعليم التونسي وجودة المدارس والمرافق التعليمية، ويبدو أن المدرسة التونسية تزداد عزلة عن محيطها، وتحولت إلى فضاء يضجر فيها المتعلم والمعلم، أو يرتادانه مرغمين وهما ينتظران جرس المغادرة.
من جهة أخرى لا تزال الحياة المدرسية تعتمد على النظام التأديبي، الذي يلحق أضرارا جسيمة أحيانا بمستقبل التلاميذ والطلبة، فهو قانون يذهب بالعقوبة إلى حد الطرد النهائي للقصر من كل المعاهد، غير مبال بوضع مقاربات علاجية سلوكية لحالات الجنوح والتمرد في صفوف المراهقين. ويعود ذلك بالأساس إلى افتقار البعض من مسيري المؤسسات التربوية إلى المعرفة العلمية اللازمة في التعامل مع الأطفال والمراهقين وعدم إلمامهم بعلم النفس التربوي وطرق الإحاطة النفسية بالطفل لحماية من الانقطاع المبكر عن التعليم.
ويبدو أيضا أن الوضع الاقتصادي أصبح يلقي بثقله الكبير على النظام التعليمي في تونس، وتحديدا منذ أزمة جائحة كورونا، ففي دراسة بحثية لها نشرت في العام 2021 بموقع الباروميتر العربي المصنف بصفته مصدرا رئيسيا للبحث الكمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ناقشت الدكتورة الباحثة التونسية دنيا السماعلي بوحليلة موضوع “التعليم في تونس: المنجز الماضي والانحدار الحاضر وتحديات المستقبل”، وحذرت من تداعيات اقتصادية كبيرة على المنظومة التعليمية في تونس.
خلصت الدراسة إلى أن مستوى التعليم في تونس “انحدر بدرجة كبيرة، بحسب المقاييس الدولية لجودة التعليم، مثل برنامج تقييم الطلاب الدولي (PISA) وتوجهات الإنجاز في دراسة الرياضيات والعلوم (TIMSS)”.
وفي ختام دراستها أكدت الدكتورة أن “الإحباط القائم إزاء التعليم يرتبط بدرجة كبيرة بالاقتصاد ككل”.
وشددت الباحثة على أن هناك ما يعادل 70 في المئة من التونسيين يشعرون بعدم الرضا على المنظومة التعليمية، في مختلف مستوياتها.
والمراقب للرأي العام التونسي من السهل أن يلاحظ أن قطاع التربية والتعليم في تونس يواجه اليوم صعوبات ومشاكل متراكمة حدّت من فاعليته وجعلته في مرمى النقد المجتمعي المستمر.
تأتي في مقدمة هذه المشكلات تدهور البنية التحتية للمؤسسات التربوية، لاسيما في المناطق الداخلية والمهمشة، حيث تعاني العديد من المدارس من تضرر البنية التحتية، ونقص التجهيزات الأساسية والوسائل الرقمية الحديثة.
كما تتفاقم ظاهرة الانقطاع المدرسي المبكر، إذ يغادر عشرات الآلاف من التلاميذ مقاعد الدراسة سنويا نحو المجهول أو سوق العمل غير الهيكلي، وهو ما يعزى إلى تراجع الجاذبية التعليمية وطغيان الأساليب التقليدية القائمة على الشحن والتلقين على حساب المهارات النقدية والتفكير الإبداعي. إلى جانب ارتفاع تأثير السوشيل ميديا وأوهام الربح السريع على عقول الناشئة ما دفع العديد منهم للتخلي عن التعلم والتوجه نحو التربح من تطبيقات التواصل الاجتماعي أسوة ببعض المؤثرين الذي حققوا نجاحا ماديا كبيرا في مدد زمنية قصيرة رغم أنهم غير متعلمين أو مستواهم التعليمي متدني.
◄ الأزمة الأكثر تعقيدا تكمن في الفجوة بين مخرجات المنظومة التعليمية ومتطلبات سوق العمل، إذ أصبحت الشهادات الجامعية لا تضمن لصاحبها الاندماج المهني
ولعل الأزمة الأكثر تعقيدا تكمن في اتساع الفجوة بين مخرجات المنظومة التعليمية ومتطلبات سوق العمل، إذ أصبحت الشهادات الجامعية في كثير من التخصصات لا تضمن لصاحبها الاندماج المهني، مما يغذى مشاعر الخيبة لدى الشباب ويرفع نسب البطالة في صفوف أصحاب الشهادات العليا.
ويضاف إلى كل ذلك تنامي ظاهرة الدروس الخصوصية التي أثقلت كاهل الأسر التونسية ومست بمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية التي قام عليها التعليم العمومي، والتي تعكس تراجعا في مستوى التعليم داخل المدرسة الذي يبدو أنه لم يعد كافيا لو لم ترافقه دروس خصوصية.
علاوة على ذلك، يفتقر التنافس بين القطاعين العام والخاص في التعليم إلى أدنى مقاييس العدالة والموضوعية. ففي الوقت الذي تغرق فيه المدرسة العمومية تحت عبء خيارات وسياسات تكبّلها بنهج التقشف—حيث لم تتجاوز المخصصات الموجهة للتنمية والاستثمار في المؤسسات التربوية الرسمية لعام 2025 نسبة 2.9% من ميزانية وزارة التربية (نحو 319 مليون دينار لا غير)—يتمتع التعليم الخاص بحزمة من التسهيلات والامتيازات، كحرية تحديد الرسوم، ومرونة القروض البنكية، وخطوط التمويل الداعمة للاستثمار الخاص.
ويعكس ذلك أن الرؤية التعليمية تنطوي على مخاطرة جسيمة تسقط تشكيل العقل التونسي في فخ خوارزميات السوق ومنطق الربح التجاري، فتتحول المؤسسة التربوية إلى مجرد انعكاس للتفاوت الطبقي بين قطاع خاص نخبوي وباهض التكلفة موجه لأبناء المرفهين ولما تبقى من طبقة وسطى تنهك ميزانياتها لتوفير تكاليفه، مقابل تعليم عمومي موجه لعامة الشعب يمنح شهادات شكلية ويفضي إلى أجيال متتالية من المعطلين المقهورين. كل ذلك، بعد أن كان التعليم العمومي لعقود هو التعليم الأوحد والذي يعامل التونسيين جميعهم دون تمييز.
إذا، تعيش المنظومة التربوية التونسية اليوم أزمة مركبة وعميقة تؤثر في جوهر المشروع الوطني برمته. ورغم أنه منذ الاستقلال عام 1956، مثل أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة، حيث خصصت له ربع ميزانية الدولة تقريبا، وكان بوابة الارتقاء الاجتماعي وصناعة المجتمع، بدأ التعليم العمومي، هذا المكسب التاريخي يتآكل مع مرور الزمن بفعل التراكمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
لذلك، فإن إنقاذ المدرسة العمومية في تونس لم يعد مجرد مطلب موسمي يتجدد مع بداية كل عام دراسي بل هو شرط وجودي لاستعادة السلم الاجتماعي والمشروع التنموي ولاستكمال بناء وطن قوي. وتتطلب المرحلة الإسراع في صياغة رؤية إصلاحية شاملة تتجاوز الحلول الترقيعية، عبر تحديث المناهج التربوية لتواكب التحولات الرقمية، وتأهيل البنية التحتية، وإعادة الاعتبار للمدرسين، فضلا عن ربط مسارات التكوين المهني والأكاديمي بحاجيات الاقتصاد الوطني الجديدة.
إن المدرسة التونسية العمومية التي صنعت ملحمة التأسيس في الماضي هي ذاتها الكفيلة ببناء مستقبل تونس، شرط أن تستعيد جودتها وجاذبيتها وعدالتها.