أفريقيا وصناعة الأمل...رسائل هادئة في مواجهة استحقاقات صاخبة

رؤية الشيخ عبدالله بن بيه للمستقبل الأفريقي: السلام والتنمية والدولة الوطنية.
الثلاثاء 2026/02/17
الشيخ عبدالله بن بيه يقود مبادرات السلام القاري

انتهت أعمال المؤتمر الافريقي لتعزيز السلم في دورته السادسة، لكن صدى القضايا الجوهرية التي أثارها خلال الحوارات التي عرفتها أروقته وما رافقها من نقاشات هادئة وعميقة شهدتها ورشات العمل التي نظمها على مدى ثلاثة أيام تم خلالها تقديم العديد من الأوراق البحثية العلمية تناولت جملة من الملفات الاستراتيجية، لم يتوقف، بل تواصل لتتجاوز تردداته العاصمة الموريتانية نواكشوط ليُسمع في مختلف العواصم الافريقية.

ويُرجح أن يتواصل صدى هذا المؤتمر الذي عُقد أيام 10 و11 و12 بالعاصمة نواكشوط خلال الفترة القادمة لعدة اعتبارات، لعل أبرزها الرجة التي أحدثها ببيانه الختامي الذي لم يكتف بتشخيص التحديات الماثلة أمام القارة الافريقية، بجرأة ومسؤولية كبيرتين، وإنما أرفقه بتوصيات متعددة اتسمت بالواقعية، واقترنت بآليات عملية اقترحها في سياق "صناعة الأمل" في القارة السمراء.

وبحسب ما تضمنه البيان الختامي من مواقف، بالتفاصيل المُلحقة به من اقتراحات وتوصيات التي جاءت محكمة ومتقنة لتُصيب بدقة اهدافها السياسية كما الاقتصادية والأمنية بأبعادها الاستراتيجية، سيبقى صالحا لوقت طويل للعديد من المقاربات، وربما يُصبح وثيقة مفصلية أمام صانعي القرار في افريقيا للاستئناس بها عند رسم المعادلات الجديدة للنهوض بعموم أفريقيا.

وتستدعي القراءة الهادئة للبيان الختامي لهذا المؤتمر الذي اختار شعارا فيه الكثير من التفاؤل بمستقبل القارة الافريقية، ألا وهو "أفريقيا وصناعة الأمل: لا يأس من رحمة الله"، التوقف أمام جملة من العناوين التي تطرق إليها على وقع المتغيرات التي نراها تتفاعل مع الكثير من العوامل التي أحدثتها ومازالت تُحدثها الاجندات الأجنبية المُتنافرة في الجغرافيا الافريقية.

وقبل ذلك، من المُفيد عدم تجاهل أو القفز على جملة من الاعتبارات المُتحركة في المشهد الافريقي الراهن، التي تدفع نحو التأسيس لمرحلة جديدة بدأت بالتبلور لمفهوم مواجهة التحديات الماثلة على أساس إعادة تعريف أولويات القارة الافريقية لجهة تقديم خيار السلم كخيار استراتيجي بعيدا عن الضجيج الإعلامي أو الرقمي، وخارج مربعات الصراع العنيف الذي يسعى إليه البعض بعناوين مُخادعة ومُضللة.

فهذا الخيار الذي انتهجه المؤتمر الافريقي لتعزيز السلم برئاسة معالي الشيخ العلامة عبد الله بن بيه، استطاع أن يشق طريقه بهدوء وثبات وسط مساحة واسعة فيها الكثير من الإنجازات الملموسة، رغم صراخ وصخب بعض التيارات التي لم تُدرك بعد أن في الهدوء وفي الواقعية المُقترنة بالالتزام بالثوابت قوة كبيرة، وأن في الصدام الذي يستبطن الصراع المُحتدم، خسارة استراتيجية.

وإذا كان مقياس الفرق بين الاتجاهين يُحسب بمساحة الإنجازات من زاوية التأثير الفكري، والميداني، فإن الواقع الفكري والسياسي يُشير بوضوح إلى أن خطاب المؤتمر الافريقي لتعزيز السلم بمفرداته ومصطلحاته، وبإيقاعه الفكري استطاع منذ تأسيسه في العام 2020، استقطاب مختلف الفئات الاجتماعية، وخاصة منها المرأة والشباب من كافة ربوع افريقيا بتنوعها العرقي والديني والثقافي.

وبهذا الإنجاز الذي تجلى بوضوح من خلال حجم وتنوع المشاركات في دورته السادسة ومجمل دوراته الخمس السابقة، يُمكن القول إن المؤتمر الافريقي لتعزيز السلم، أفلح في إنهاء الرهان على الصدام والصراع غير محسوب العواقب، كما أسقط جملة الذرائع والمبررات التي كان يستند إليها تيار الصراع وبث الفتنة الذي لم يجد ما يفعله سوى محاولة التشويش على الدورة السادسة للمؤتمر.

ودون شك، فشلت هذه المحاولات، وسقطت معها العديد من الشعارات بنماذجها المُختلفة، وبلغتها التي لا تُشبه افريقيا، وذلك من خلال ما جاء في البيان الختامي للدورة السنوية السادسة للمؤتمر التي حضرها أكثر من نحو ألف شخصية، إلى جانب أكثر من 400 ضيف، وحوالي 40 شخصية مرموقة من أميركا وروسيا والصين وأوروبا.

المؤتمر الإفريقي للسلم تحت قيادة الشيخ عبد الله بن بيه ركز على صناعة الأمل في القارة من خلال تعزيز السلم، الأمن، التنمية المستدامة، وتمكين الشباب والمرأة.

وبالعودة إلى هذا البيان الختامي، فقد أجمعت الآراء والمواقف التي تناولته على أنه شكل حدثا بارزا بالنظر إلى الملفات والقضايا التي طرحها، وبمفردات لغته الواقعية، حيث أظهر فهما حقيقيا لأبعاد الرسالة التي سطرها لنفسه، كما جسد الشعار الذي رفعه، أي "صناعة الأمل في افريقيا"، ما أضفى عليه أبعادا سياسية، لاسيما في هذه المرحلة التي تمر بها القارة السمراء.

ولعل أبرز ما جاء في هذا البيان الختامي الذي نحسب أنه استهدف إعادة تشكيل الوعي السياسي، هو تركيزه على ضرورة العمل من أجل الحفاظ على الدولة الوطنية، وهو يستحضر ما تمرّ به القارة الإفريقية من تحدياتٍ متشابكة، وما لها من نتائج مُعقدة أمنية واقتصادية واجتماعية وقيمية تسببت في تجدد النزاعات وتفاقم التوترات الاجتماعية وارتفاع نسبة الهشاشة.

وقد أكد في هذا الإطار، وبصريح العبارة، على أن "الدولة الوطنية تظل الإطار الجامع لمعالجة النزاعات وإدارة الاختلافات، بما يحفظ وحدة المجتمعات واستقرارها مهما تنوعت الانتماءات الثقافية والعرقية والدينية"، ثم أردف مؤكدا على أن معالجة أزمات أفريقيا "تقتضي انتهاج مقارباتٍ شاملة تعالج الجذور العميقة للازمات، والعوامل المتداخلة فيها".

وفي سياق هذا التأكيد، لفت البيان إلى أهمية "حسن الربط الواعي بين السّلم والعدالة والكرامة الإنسانية باعتبارها غايات سامية، والتنمية كوسيلة ضرورية للوصول إلى تلك الغايات النبيلة، وتُحوّل الرجاء إلى عمل مؤسسي ومبادراتٍ مجتمعية وسياسات عمومية وقطاعية"، وذلك في توجه هو أبعد من رسالة، وأعمق من موقف لا يخلو من التفاؤل المشروع الذي تحتاجه أفريقيا اليوم.

وليس هذا فحسب، وانما عكس البيان الختامي للدورة السادسة للمؤتمر الافريقي للسلم، إدراكا عميقا بجملة التحديات التي تواجه القارة الافريقية، حيث سعى إلى ضبط إيقاعها باقتراحات وتوصيات لم تُهمل أي ملف، حيث تطرق إلى موضوع الأمن بأبعاده المختلفة بما في ذلك الأمن الفكري، وصولا إلى الأمن المائي "بوصفه ركيزة للحياة والسلم، ومدخلا للتعاون الإقليمي، لا سببا للصراع".

كما لم يغفل البيان التطرق إلى ملف التنمية المُستدامة التي يستدعي تحقيقها الكثير من الجهد في مختلف المجالات، وخاصة على مستوى الشباب والنساء وذلك من خلال تمكين الفئات الاجتماعية، والعمل على إشراكها الفاعل في مبادرات السلم والتنمية، باعتبارها من أهم صُناع الأمل الموعود، بالإضافة إلى التطرق للتحديات التي فرضتها التحولات التكنولوجية، وخاصة منها الذكاء الاصطناعي.

وأكد في هذا السياق، على أهمية تعزيز "الأمن الفكري الرقمي"، بهدف حماية الشباب من تأثير خوارزميات اليأس والتطرف، وعلى الدور المحوري للإعلام التقليدي والرقمي في تشكيل الوعي العام ومحاربة اليأس وترسيخ الرجاء، وذلك في رؤية استشرافية تأخذ في الاعتبار حجم الاستحقاقات المُتعددة والمُتنوعة التي تنتظر افريقيا على مختلف الأصعدة.

وفي الحسابات القائمة على مبدأ التقييم الأولى، نجزم أن الدورة السادسة للمؤتمر الافريقي لتعزيز السلم نجحت فيما سعت إليه، على قاعدة جملة من الاعتبارات التي تقاطعت فيها الرغبة في صناعة الأمل، مع حرص شديد على تحويل تلك الرغبة إلى واقع ملموس، ليبقى الرهان على هذا المسار الذي رسمه المؤتمر بإطلاق"الميثاق الإفريقي لصناعة الأمل" قائما وشاهدا على ذلك.

3