أسعد سليم: السينما الغربية تنسج الدين بصريا بين الروحانية والفلسفة

الفن السابع في الغرب أمام تحديات جسيمة في وقتنا الراهن.
السبت 2025/07/05
أفلام توجه الجمهور نحو التأمل

كيف هي صورة الدين في السينما الغربية؟ وأي منهج اتبعه المخرجون في أوروبا والولايات المتحدة في تعاملهم مع الأديان؟ ذاك ما يبحث فيه الروائي والباحث أسعد سليم، الذي جمعه حوار مع “العرب” يوضح فيه أبرز النتائج التي استخلصها من دراسته لعدد من أشهر الأفلام الأوروبية والأميركية التي تناولت مسألة الدين، وعلاقتها بتوجيه الرأي العام إلى جانب تقييمه لحاضر الفن السابع ومستقبله في الغرب.

علاقة الدين بالسينما في الغرب تعد موضوعا معقدا ومتعدد الأوجه، حيث تشكلت هذه العلاقة عبر عقود من التفاعل بين القيم الدينية والتعبير الفني. منذ بدايات السينما في أواخر القرن التاسع عشر، كان الدين حاضرا كمصدر إلهام للسرديات السينمائية، سواء من خلال تجسيد القصص الدينية مباشرة، مثل أفلام عن حياة المسيح أو الأنبياء، أو عبر تناول قضايا أخلاقية وروحية مستوحاة من التعاليم الدينية.

في الغرب، حيث تسيطر المسيحية تاريخيا على الثقافة، ظهرت أفلام “الوصايا العشر” عام 1956 و”آلام المسيح” عام 2004 كأمثلة بارزة لتناول النصوص الدينية. مع ذلك، شهدت هذه العلاقة توترات، حيث انتقدت بعض الأوساط الدينية السينما لتصويرها مواضيع تُعتبر مثيرة للجدل أو مناهضة للقيم التقليدية، بينما استخدمت السينما الدين أحيانا كنقد اجتماعي أو فلسفي، كما في أفلام مثل “الختم السابع” عام 1957 لإنغمار برغمان، التي تتناول قضايا الإيمان والموت. وأخيرا أصبحت السينما أكثر تنوعا في تناولها للدين، حيث تُعالج قضايا التعددية الدينية والصراعات الثقافية، مع انخفاض التأثير المباشر للمؤسسات الدينية على الإنتاج السينمائي بسبب العلمانية المتزايدة.

وهذا الكتاب “الحبكة المقدسة: الدين في السينما الغربية” للروائي والباحث أسعد سليم يعد دراسة رائدة تستكشف العلاقة المعقدة بين الدين والسينما، وكيف شكّل هذا التداخل الأبعاد الفنية والثقافية في الأعمال السينمائية الغربية من خلال تحليل دقيق لمجموعة مختارة من الأفلام. كما يتناول كيف ترجمت السينما التجربة الدينية إلى لغة بصرية، مستخدمة أدوات فنية مثل الإضاءة، والصمت، والرمزية، لتعكس قضايا الإيمان، الصراع الروحي، والبحث عن المعنى، وكيف تنوعت رؤى السينما في تناول الدين، تارة كتجربة إنسانية عابرة للثقافات، وتارة أخرى كنقد فلسفي أو خلفية درامية.

وهذا الحوار مع المؤلف يهدف إلى استكشاف دوافعه، ومنهجيته في تحليل “المقدس” سينمائيا، وتأثير السياقات الثقافية على تصوير الدين، مع التركيز على كيفية استخدام السينما لعناصر فنية مثل الموسيقى والفضاءات المصورة لتعزيز التأمل الروحي وكذلك فهم كيف يمكن للسينما أن تكون جسرا للتفاهم الثقافي، وما التحديات والآفاق المستقبلية لتصوير الدين في عالم متزايد العلمانية.

ترجمة للتجربة الدينية

أسعد سليم: السينما قدمت الدين كتجربة شخصية أكثر من كونه مؤسسيا وممنهجا، مع فروق واضحة بين السينما الأميركية والأوروبية
أسعد سليم: السينما قدمت الدين كتجربة شخصية أكثر من كونه مؤسسيا وممنهجا، مع فروق واضحة بين السينما الأميركية والأوروبية 

حول دوافعه لاستكشاف الدين كمفهوم عام في السينما الغربية يقول سليم “الدوافع كثيرة ومتعددة، ولعل من أبرزها محاولة فهم كيف ترجمت السينما – كوسيط فني – التجربة الدينية إلى لغة بصرية وثقافية. لقد رأيت الدين كقوة إنسانية عابرة للحدود، وأردت استكشاف كيف عكست السينما تلك التجربة الروحية العميقة من خلال الأعمال السينمائية المختلفة عبر العصور، وما إذا كانت النظرة إلى الدين قد تطورت أم بقيت أسيرة للسرديات الدينية الكلاسيكية. الدين والسينما كلاهما منبع للنور، لكن اختلاف مصادر هذا النور هو ما أوجد الإشكالية الكبرى، فالدين يستمد طاقته من مصادر إلهية عليا، بينما السينما تعتمد على فهمها الخاص وتأويلها لتلك المصادر، وكان من اللافت في تلك التجربة استكشاف الصدام الدائر بينهما منذ البدايات الأولى”.

ويوضح “كانت المعضلة الكبرى عندما جاءتني النبتة الأولى لفكرة ذلك الكتاب هي كيفية الإمساك بتلابيب الدين الرئيسية لإخضاعها للدراسة التحليلية في بعديها الفكري والسينمائي. خلصت في النهاية إلى ضرورة إعادة الدين إلى عوامله الأولية التي يتكون منها، فافترضت وجود مجموعة من العوامل الأولية الرئيسية الأساسية (الله، الملائكة، والأنبياء)، ومجموعة أخرى من العوامل الأولية المساعدة والثانوية تمثلت في: الشيطان، النعيم والجحيم، الصراع والعنف الديني، الضمير الديني، الطقوس والأسرار، الأساطير الدينية، الإلحاد والهرطقة والتجديف، ونهاية العالم. ثم انتقلت إلى مرحلة كيفية تعامل السينما مع كل بعد من هذه الأبعاد كل على حدة، وما إذا كانت السينما قد اتخذت الكتاب المقدس معيارا للقياس، أم أنها استنبطت من بين طياته أفكارا ورؤى مبتكرة”.

ويضيف “اكتشفت أن السينما الغربية أولت كل اهتمامها للدين المسيحي، وبدرجة أقل الدين اليهودي، ونجحت أحيانا في تمثيل التجربة الدينية كثقافة عابرة للحدود، لكنها غالبا لم تعبر عن الأديان والثقافات المختلفة، خاصة الأديان غير السماوية أو الهامشية البعيدة عن المركز”.

ويشرح سليم “اخترت أربعة أفلام لكل فصل من الفصول الثلاثة الأولى، وفيلمين لكل فصل من الفصول الثمانية المتبقية، بإجمالي ثمانية وعشرين فيلما من أشهر وأفضل الأعمال التي تناولت الدين. قمت بتحليلها فكريا وسينمائيا، مستكشفا كيف استطاعت السينما ترويض أدواتها الخاصة كالضوء، والصمت، والتوزيع الفضائي، وغيرها من التقنيات المتنوعة، لتعكس بدقة تفاصيل الأديان، وتلقي الضوء على الأفكار الفلسفية العميقة التي تطرحها. فمثلا، كيف تم تجسيد الله والملائكة والأنبياء على الشاشة، وكيف تمكن المخرجون من خلال الأدوات المتاحة من التعبير عن أعمق المشاعر الدينية”.

"الحبكة المقدسة: الدين في السينما الغربية" كتاب يستكشف العلاقة المعقدة بين الدين والسينما، وكيف شكّل هذا التداخل الأبعاد الفنية والثقافية في الأعمال السينمائية الغربية

ومن هذه الأفلام “العهد الجديد” للمخرج البلجيكي جاكو فان دورميل، و”أه، يا إلهي” للمخرج الأميركي كارل راينر، و”مقابلة مع الله” للمخرج الأميركي بيري لانج، و”الختم السابع” للمخرج السويدي إنجمار بيرجمان، و”أجنحة الرغبة” للمخرج الألماني فيم فندرز، و”العقيدة” للمخرج كيفين سميث، و”مسألة حياة أو موت” للمخرجين مايكل باول وإيميريك بريسبرجر.. وغيرها من الأفلام.

ويؤكد أن “العلمانية الغربية دفعت السينما لتقديم الدين كتجربة شخصية أكثر من كونه مؤسسيا وممنهجا، مع الأخذ في الاعتبار الفروقات الواضحة بين السينما الأميركية والأوروبية، حيث أن الأخيرة أكثر اهتماما بالرؤى الفلسفية والجرأة في الطرح، كما في الفيلم السويدي الخالد ‘الختم السابع’ للمخرج إنجمار بيرجمان، الذي حاول من خلاله مقاربة السعي نحو اللامتناهي في غياب صوت الله، بينما مالت هوليوود أكثر إلى القصص الدينية الكلاسيكية والإبهار البصري، كما في فيلم ‘الوصايا العشر’ للمخرج سيسيل بي ديميل، الذي ناقش من خلاله قصة سيدنا موسى، بشكلها التقليدي، محاولا الاستفادة منها والإسقاط على الحالة الأميركية”.

ويلفت محاورنا إلى أن مسألة اختيار الأفلام كانت مهمة شاقة، فمن “بين آلاف الأعمال السينمائية التي تقاطعت مع الدين، كان لا بد اختيار ثمانية وعشرين فيلما فقط. حاولت التنويع في الاختيارات قدر الإمكان بين الرمزية، والرؤى الفلسفية، والنهج التقليدي، والأسلوب الخيالي”.

ويشرح أن “في الفصل الأول، الذي يتناول علاقة السينما بالذات الإلهية العليا، كان الفيلم الأول ‘بروس العظيم’، الذي يدور حول سؤال فلسفي عميق: ماذا لو انتقلت القوى الإلهية الخارقة إلى أحد البشر، كيف سيدير الكون بأكمله؟ أما الفيلم الثاني ‘العهد الجديد’ فقد تناول الوجه المرعب للإله، بينما حاول الفيلم الثالث ‘أه، يا إلهي’ الاقتراب من الروح الحانية للذات العليا، في حين أن الفيلم الرابع ‘مقابلة مع الله’ دار حول حوار بين الله وأحد الصحافيين في مقابلة مثيرة حول العديد من الأسئلة التي تدور في الأذهان. وهكذا في بقية الفصول، كل فيلم يأخذ زاوية معينة في رؤيته للأديان”.

صراعات روحية

قصة المسيح كما رآها المخرج ميل جيبسون
قصة المسيح كما رآها المخرج ميل جيبسون

يرى الكاتب أن “الحبكة السينمائية دائما ما تقود وتوجه الجمهور نحو التأمل عبر بناء الصراعات الروحية خاصة إذا ركزت على طرح الأسئلة الوجودية. في المقابل، قد تتحول إلى أداة درامية إذا أفرطت في التبسيط المخل. في الفيلم الألماني ‘أجنحة الرغبة’، تجلت الحبكة المقدسة في توق الملائكة لتجربة الحياة البشرية، مما جعلنا نشعر بأهمية ما نملكه كبشر دون أن نقدره حق قدره. بينما في الفيلم الأميركي ‘العقيدة’، كان الطرح ساخرا بشكل فظ للملائكة والأفكار الدينية، وهو ما جلب عليه هجوما شرسا من قبل الكنيسة والمحافظين وصل إلى حد التهديد بالقتل”.

حول اعتماد الأفلام على الرمزية البصرية أو الصور الشعرية وقدرتها على التعبير عن جوهر الدين مقارنة بالأفلام ذات الحوارات الدينية المباشرة، يقول سليم لـ”العرب” إن “استخدام الحوارات الدينية المباشرة قد يحول العمل إلى فيلم وعظي، كالأفلام التي تنتجها الكنيسة للنصح والإرشاد، فيفقد السينما بريقها كمنتج بصري في المقام الأول. بينما الاعتماد على الرمزية والصور الشعرية يجعل الفن السابع خالدا، ومؤثرا بدرجة أكبر في العقول والنفوس، ويمنحه قدرة هائلة على الوصول إلى جوهر الأديان ومعطياتها التي قد تخفى على البعض”.

ويلاحظ أن “الموسيقى تؤثر بشكل كبير على الوجدان، خاصة الدينية منها. لذا، استغل صناع الأفلام السينمائية تلك الميزة بشكل مبتكر لدغدغة المشاعر وتعميق الروحانيات. من يمكنه نسيان موسيقى فيلم ‘النذير’، من تأليف العبقري جيري جولد سميث، والتي نال عنها جائزة الأوسكار؟ مقطوعة ‘يحيا الشيطان’ باللاتينية، بكورالها العميق المخيف، بشكل يحاكي التراتيل الدينية، ولكن بطابع شيطاني مثير، مع ترديد مستمر في الخلفية لأصوات الهمس والصراخ المكتوم، مما عمق الصراع الدرامي ونقل الفيلم من مجرد عمل تجاري مرعب إلى تجربة سينمائية أكثر عمقا وبريقا”.

ويؤكد أن “الأبعاد الثقافية حاضرة بشكل ملموس في معظم الأفلام الدينية، حيث ساهمت السينما في تعزيز التفاهم بين الثقافات والتعرف على الأديان بشقيها: التقليدي المباشر والتفسيري الرمزي، وهو ما جعلها أشبه بالجسر الثقافي، مما ساهم في جعل الدين يتجاوز محيطه المحلي الضيق، وفتح الباب للعقول المستنيرة لمشاركة مخاوفها وتساؤلاتها الدينية دون رهبة مع الآخر. فمثلا الفيلم البريطاني ‘رجل لكل المواسم’، عبّر بدقة عن الحضارة الإنجليزية في القرن السادس عشر، ورسم صورة حقيقية لطبيعة الصراعات الثقافية والدينية من خلال شخصية السير توماس مور صاحب المبادئ الأخلاقية الرفيعة”.

ويقول في كتاب “الحبكة المقدسة: الدين في السينما الغربية”، “قدمت دراسة لكل فصل تناولت فيها المنظور الديني التقليدي لعنوان هذا الفصل، والرؤى الفلسفية والثقافية والرمزية لهذا البعد المحدد من الدين، وكذلك المناهج السينمائية التي اتبعها صناع الأفلام للتعبير عنه. اكتشفت أن السينما الدينية في الكثير من الأحيان لجأت إلى تغليف موضوعاتها بالطابع الكوميدي، إما لتخفيف حدة ثقل القضايا الدينية، أو كنوع من التقية خوفا من ردود فعل الأصوليين، مما حول الدين في بعض الأفلام إلى تسلية سطحية، بعيدة عن إثراء السرد بالتساؤلات المشبعة”.

تجاوز الحدود الثقافية

السينما استطاعت ترويض أدواتها لتعكس تفاصيل الأديان، وتلقي الضوء على الأفكار الفلسفية العميقة التي تطرحها
السينما استطاعت ترويض أدواتها لتعكس تفاصيل الأديان، وتلقي الضوء على الأفكار الفلسفية العميقة التي تطرحها

يعتقد سليم أن السينما أحيانا تمكنت من تقديم تجارب دينية تجاوزت الحدود الثقافية، وعبرت عن المضمون الروحاني بشكله العالمي، لا بصبغته المحلية، ومنها أفلام مثل “الوصايا العشر” و”نوح”، تلك الأعمال التي تناولت قصص الأنبياء موسى ونوح بشكلها الكلاسيكي المتعارف عليه، مع بعض الاختلافات الطفيفة المتعلقة بكل دين، تاركة تأثيرا كبيرا على العقول وبصمة على الروح لا تنسى.

وحول إسهام الفضاءات المصورة (مثل الطبيعة أو الأماكن الروحية) في تعزيز التجربة الدينية في الأفلام، يوضح “استخدم المخرجون بشكل مكثف الأديرة والكنائس للتعبير عن أعمق المشاعر الروحية، كما كانت هناك العديد من المناقشات الساخنة بداخلها، حول التصور المحافظ للدين والوجه الآخر المتمثل في طرح الرؤى التقدمية. في فيلم ‘اسم الوردة’، دارت أحداث العمل بداخل دير إيطالي في القرن الرابع عشر، لم يكن فقط مكانا للتعبد، بل مركزا للعلوم والترجمة والمعرفة، ناقش العمل الصراع الأزلي بين الإيمان الأعمى والعقل المتفتح، كما أظهر بوضوح تفاصيل الحياة اليومية للرهبان داخل الدير، واختلاف مسالكهم بين شخص ملتزم بالتعاليم الدينية الحرفية وآخر يميل للتأويل بما يتماشى مع العصر الذي يحيونه”.

ويعتقد أن السينما الغربية أمام تحديات جسيمة في وقتنا الراهن، فعليها محاولة استكشاف ديانات أقل تمثيلا، بعمق يضاهي ما تمثلته في تفسير الرؤى المسيحية، كما يمكنها مناقشة قضايا معاصرة مثل: الهجرة (كصراع ديني/ إنساني)، التكنولوجيا الحديثة (كتحد روحي)، وصياغتها لأفلام تستكشف بها الإيمان في لحظات الكوارث أو إيمان ما بعد الأزمات. كما يمكن للسينما استغلال الإمكانيات الحديثة الهائلة للواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، ومحاكاة الطقوس والشعائر الدينية بشكل يسهل على المشاهدين تجربتها والوصول إلى أعماقها الروحية.

ويختم أسعد سليم حديثه مع “العرب” مؤكدا أن كتابه الحبكة المقدسة يعمل على إثارة الأذهان وإعمال العقول، وفتح النوافذ لمشاركة التساؤلات بشقيها البديهي الفطري والفلسفي الرمزي، داعيا الجميع إلى التفكير حول كل الأمور الروحية بلا خوف أو خجل. لقد ولدنا لنسأل ونتعلم، وطالما ظل باب التساؤلات مشرعا على مصرعيه، سنكون حينها أمة حية مشرقة تتطلع إلى المستقبل بآمال ضخمة يمكن تحقيقها إذا تجاوزنا خلافاتنا وقبلنا اختلافاتنا.

13