أربيل ليست ساحة نفوذ لأحد
لم تعد الاعتداءات التي تتعرض لها أربيل مجرد أحداث أمنية عابرة يمكن وضعها في سياق الصراع الإقليمي الدائر. فعندما تصل الطائرات المسيّرة إلى مقار المسؤولين في عاصمة إقليم كردستان، فإن المسألة تتجاوز استهداف موقع أو شخصية، لتصبح اختباراً لسيادة العراق، وقدرته على حماية أراضيه، ومنع تحويل مدنه إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.
الهجوم على أربيل ليس مقبولاً، أياً كانت الذريعة التي يحاول البعض تقديمها لتبريره. أربيل مدينة عراقية، وحكومة إقليم كردستان جزء من النظام الدستوري العراقي، والخلاف السياسي بين بغداد وأربيل لا يمنح أي دولة مجاورة حق التعامل مع الأراضي العراقية باعتبارها مجالاً مفتوحاً لتصفية الحسابات أو فرض الإرادة السياسية بالقوة. والأخطر من الاعتداء نفسه أن يتحول النفوذ الإقليمي إلى وصاية على القرار العراقي.
أربيل ليست ساحة نفوذ لأحد فهي مدينة عراقية محمية بالدستور واستهدافها بالصواريخ والمسيّرات انتهاك مباشر لسيادة العراق ومساس بأمنه الوطني الشامل
من الخطأ أن يُصوَّر الدفاع عن أربيل وكأنه دعوة إلى مواجهة مع إيران أو عداء للشعب الإيراني. العراق، بحكم الجغرافيا والتاريخ، يحتاج إلى علاقات مستقرة ومحترمة مع جيرانه، وإيران دولة جارة تربطها بالعراق مصالح وشراكات وروابط تاريخية. لكن احترام الجوار لا يعني القبول بالتدخل في الشؤون الداخلية، ولا يعني أن تصبح الحدود العراقية مفتوحة أمام الضربات العسكرية أو الطائرات المسيّرة أو الضغوط السياسية. العلاقات بين الدول تُبنى على الاحترام المتبادل، وليس على فرض الإرادة بالقوة. وحكومة إقليم كردستان ليست مطالبة بأن تكون طرفاً في حروب الآخرين. وقد أكدت في مناسبات عديدة رفض استخدام أراضي الإقليم منصة لشن هجمات على دول الجوار. وهذا الموقف ينبغي أن يُحترم، لا أن يُقابل بالهجمات. إذا كانت هناك مخاوف أمنية حقيقية تتعلق بجماعات أو تنظيمات موجودة في الإقليم، فإن الطريق الطبيعي لمعالجتها هو الحوار مع الحكومة العراقية وحكومة الإقليم، واستخدام القنوات الدبلوماسية والقانونية، لا إطلاق الصواريخ والمسيّرات على مدينة عراقية.
ثمة رواية تتكرر باستمرار وتحاول تحميل أربيل مسؤولية التوتر، وكأن الإقليم هو الذي اختار أن يكون ساحة للصراع. لكن السؤال الحقيقي يجب أن يكون مختلفاً: لماذا يُسمح لقوة خارجية بأن تعاقب مدينة عراقية لأنها لا تتفق مع سياساتها؟ وإذا كانت هناك مشكلة أمنية أو سياسية مع جماعات معينة، فهناك حكومة عراقية في بغداد، وهناك مؤسسات دستورية، وقنوات دبلوماسية، وأطر قانونية يمكن اللجوء إليها. أما استخدام القوة العسكرية عبر الحدود، فهو لا يحل المشكلة؛ بل يضرب مفهوم الدولة نفسه. لقد دفع العراق ثمناً باهظاً نتيجة تحويل أراضيه إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية. ومن المؤلم أن يستمر هذا الواقع حتى اليوم، وكأن العراق لم يتعلم من عقود طويلة من الحروب والتدخلات الخارجية.
أربيل، مثل بقية مدن العراق، تحتاج إلى الأمن والاستقرار والاستثمار والتنمية. اقتصاد الإقليم لا يستطيع أن ينمو في ظل أجواء دائمة من التهديد، كما أن استمرار الهجمات ينعكس على التجارة والاستثمار وحركة الناس وثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين. والنتيجة أن مدينة تحاول بناء اقتصاد حديث، واستقطاب الاستثمار، وتطوير مؤسساتها، تجد نفسها مضطرة إلى دفع ثمن صراعات لا تريدها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أربيل التي تحاول حماية استقرارها واقتصادها تجد نفسها عالقة في صراع أكبر منها. لكن مسؤولية منع ذلك لا تقع على أربيل وحدها. إنها مسؤولية الدولة العراقية أولاً، ومسؤولية المجتمع الدولي أيضاً.
قد يختلف العراقيون حول شكل العلاقة بين بغداد وأربيل، وحول الصلاحيات الدستورية، والنفط والميزانية والأمن والسياسة الخارجية. وهذه كلها قضايا عراقية مشروعة يمكن ويجب حلها داخل الإطار الدستوري. لكن الخلاف الداخلي لا يبرر التدخل الخارجي. فالسيادة العراقية ليست ملكاً لبغداد وحدها، كما أنها ليست ملكاً لأربيل وحدها. إنها ملك للعراق كله. عندما تُستهدف أربيل، فإن بغداد أيضاً معنية، والبصرة والموصل والنجف وكربلاء وكل المدن العراقية معنية. لأن السماح بانتهاك سيادة جزء من العراق يضعف سيادة العراق بأكمله. ولهذا فإن المطلوب ليس أن تقف بغداد إلى جانب أربيل في مواجهة طرف خارجي فحسب، بل أن تتعامل مع أمن الإقليم باعتباره جزءاً من الأمن الوطني العراقي.
الدفاع عن أربيل ليس قضية كردية ضيقة، بل دفاع عن فكرة العراق الموحد حيث السيادة لا تتجزأ وأمن المدن جميعها مسؤولية الدولة والمجتمع الدولي
العراق لا يحتاج إلى أن يكون تابعاً لإيران، كما لا يحتاج إلى أن يكون تابعاً لأي قوة إقليمية أو دولية أخرى. مصلحة العراق أن تكون له علاقات متوازنة مع الجميع، وأن يقرر العراقيون وحدهم ما يخدم مصالح بلادهم. وهذه ليست دعوة إلى القطيعة مع إيران، ولا إلى الاصطفاف مع الولايات المتحدة أو غيرها. إنها دعوة إلى قاعدة بسيطة ينبغي ألا تكون موضع خلاف: العراق للعراقيين، وقراره للعراقيين، وأرضه ليست ساحة مفتوحة لحروب الآخرين. ومن حق العراق أن يحافظ على علاقات جيدة مع إيران، ومن حقه في الوقت نفسه أن يرفض أي اعتداء على أراضيه. ولا يوجد تناقض بين الأمرين. بل إن احترام سيادة العراق هو الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه أي علاقة عراقية ـ إيرانية مستقرة وطويلة الأمد.
لقد عانى العراق طويلاً من أن يكون أرضاً لتصفية الحسابات بين الآخرين. مرة باسم الحرب على الإرهاب، ومرة باسم الأمن القومي، ومرة باسم الصراع الإقليمي، وفي كل مرة كان العراقيون هم الذين يدفعون الثمن. آن الأوان لأن تتغير هذه المعادلة. أربيل ليست ساحة نفوذ لأحد. وهي ليست منصة لحرب ضد إيران، وليست قاعدة لأي دولة أخرى، وليست هدفاً مشروعاً لمجرد وجود خلافات سياسية أو أمنية مع أطراف داخلها. إن الدفاع عن أربيل ليس قضية كردية ضيقة، ولا هو موقف معادٍ لإيران. إنه دفاع عن فكرة العراق نفسه: دولة لها حدود وسيادة ومؤسسات، ولا يجوز لأي قوة خارجية أن تمنح نفسها حق تحديد من يعيش بأمان داخلها ومن يُستهدف بالصواريخ والمسيّرات. وإذا كانت هناك خلافات بين أربيل وطهران، أو بين أي طرف عراقي وإيران، فإن مكان حلها هو الحوار والدبلوماسية، وعبر الدولة العراقية ومؤسساتها، لا فوق سماء العراق.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من الحروب بالوكالة، ولا إلى قوى خارجية تقرر نيابة عن أبنائه مستقبلهم. أربيل عراقية، وأمنها من أمن العراق، وسيادتها من سيادته. ومن يريد عراقاً مستقراً فعليه أن يدافع عن بغداد وأربيل والبصرة والنجف والموصل بالطريقة نفسها: باعتبارها مدناً عراقية، لا ساحات نفوذ إقليمية. أما تحويل أربيل إلى ساحة مفتوحة للضغط والتهديد، فهو في النهاية ليس استهدافاً لحكومة إقليم كردستان وحدها، وإنما انتهاك لسيادة العراق وإضعاف للدولة العراقية ورسالة خطيرة إلى كل العراقيين بأن حدود بلادهم يمكن اختراقها متى شاءت القوى المتصارعة. أربيل لا تحتاج إلى حرب جديدة. العراق لا يحتاج إلى وصاية جديدة. والمنطقة كلها لا تحتاج إلى ساحة جديدة للصراع. ما تحتاجه أربيل، وما يحتاجه العراق، هو أن يُحترم حقهما في الأمن والسيادة والاستقرار. فحين تُستهدف أربيل، تُستهدف سيادة العراق.