أحمد سعد الفنان الفرفوش

الفنان نجح بذكاء شديد في إحياء فن المونولوج مبتعدا عن الأغنية العاطفية ليغوص بالأغنيات الكوميدية الملامسة للمزاج الباحث عن الفرح.
الأربعاء 2026/06/10
مونولوجست الأغنية العربية

في أحد تصريحاته الصحفية القديمة، سئل الفنان المصري أحمد سعد عن سر تحول ذوقه الفني بعد سنوات من تقديم أغانٍ تميل في أغلبها للطابع الجدي والحزين والتي يمكن اعتبارها ذات ثقل فني مقارنة بما يقدمه اليوم، فكان رده أنه قدم لسنوات أغاني جيدة من وجهة نظره لكنها لم تحقق النجاح الذي كان يحلم به، لذلك قرر أن “ينزل” إلى مستوى الأغاني التي يحبها الجمهور، ليقدم له ما يحب سماعه، وربما بعد فترة يعيد “رفع الجمهور” إلى المستوى الذي يريده هو مستقبلا، ويسمعه فنا أعمق أو أكثر جودة.

بتأمل تجربته بين الماضي والحاضر، ندرك جيدا طبيعة صوت الفنان ومساحات موهبته الفنية التي يمكنها أن “تُسمع” الجمهور وتمتعه.

ومنذ أيام خرج علينا الفنان بألبوم غنائي جديد لا يشبه أحدا غيره، أطلق عليه عنوان “الألبوم الفرفوش“، وحمل أغاني كوميدية، منها “خبر عاجل” و“كوتي” و“ورد” و“جوزها“، والتي جاءت انعكاسا لـ“الفنان الفرفوش” إن جاز التعبير. أغان ذات حكايات كوميدية، تكشف عن موهبة كبيرة لدى الفنان، تجعله أقرب لفنان المونولوج أو المونولوجست.

ولتفهم عزيزي القارئ من هو المونولوجست، تذكر معي إسماعيل يس ومحمد شكوكو، أحد أشهر من قدم المونولوج في الفن العربي، الأول يعد رائد المونولوج الفكاهي الأبرز في الوطن العربي، تميز بأداء سريع وإيقاع لا يُضاهى وقدّم مئات المونولوجات، أما الثاني فعُرف بـ“أراجوز” الفن المصري، واشتهر بمونولوجاته الشعبية والفكاهية التي تحمل طابعا اجتماعيا بسيطا، وإن كان المسرح والسينما أرضا خصبة تنبت فيها حكايات هؤلاء، فإن الموسيقى والفيديو كليب هما مساحة أحمد سعد ليحكي حكاياته الكوميدية ويعبر عن لسان حال الكثيرين بكلمات فكاهية وشعبية بسيطة.

بين الماضي والحاضر، يظل “المونولوجست” أحد أكثر الفنانين تميزا وقدرة على لمس قلوب الجماهير، وأكثرهم قربا من الشعب، قد يقلل البعض من مواهبهم ويلمس فيها تفاهة لا تطاق، لكنها موهبة استثنائية ليس من السهل أن يمتلكها أي أحد، فالمونولوجست ليس مجرد مغن أو مؤد، بل هو حكواتي ساخر، وممثل قدير، وناقد اجتماعي يمتلك مهارة فائقة في تحويل تفاصيل الحياة اليومية وهمومها إلى لوحات ضاحكة تبث البهجة وتنتزع الابتسامة.

يتطلب هذا الفن حضورا ذهنيا متوقدا، وكاريزما طاغية، وقدرة على التلاعب بنبرات الصوت وتعبيرات الوجه لتوصيل الفكرة بأبسط الطرق وأعمقها أثرا.

وفي الساحة الغنائية المعاصرة، تجلت روح المونولوجست بأبهى صورها المتجددة في “الألبوم الفرفوش“. نجح سعد في إعادة إحياء هذا القالب الفني بذكاء شديد، مبتعدا عن النمط التقليدي للأغنية العاطفية ليغوص في عالم الأغنيات المضحكة، الهزلية، والكوميدية التي تلامس المزاج العام للجمهور الباحث عن الفرح والمرح والهروب من ضغوط الحياة.

هذا الأمر ليس جديدا على الفنان، فقد سبق أن قدم أغنيات عديدة أظهرت موهبته، منها “اختياراتي“، لكن ما جعل تجربته الأخيرة فريدة ومتقاطعة تماما مع مفهوم المونولوجست، هو أنها جاءت مجمعة في فترة زمنية واحدة ولم يكتف فيها بتقديم الكلمة الطريفة واللحن الراقص والمبهج فقط، بل اختار أن يجسد هذه الأغنيات. لقد قام بتصويرها على شكل فيديو كليبات معبرة وقصصية، لعب هو شخصيا دور البطولة فيها. تحول سعد في هذه الكليبات إلى ممثل كوميدي بارع، يستعرض مواقف حياتية ورغبات نفسية وأمنيات قد تشبه أمنيات الكثيرين، بقالب ساخر، مستخدما تعبيرات وجهه وحركاته الاستعراضية ليوصل الرسالة الغنائية.

قدم أحمد سعد من خلال “الألبوم الفرفوش” لوحة فنية متكاملة اعتمدت في جوهرها على مفارقات هزلية ومواقف كوميدية، ليعيد إلى الأذهان العصر الذهبي للمونولوجست الذي يناقش قضايا المجتمع أو مشاعر الإنسان بروح مرحة وخفيفة الظل. هذه القدرة العالية على الدمج بين الطرب والكوميديا والتمثيل تؤكد أن فن المونولوجست لم يندثر، بل يتشكل من جديد بأدوات عصرية، وأن أحمد سعد استطاع بجرأته وموهبته المتفردة أن يكون “مونولوجست” الأغنية الحديثة، وربما لو منحت له الفرصة قد يكون “مونولجست” المسرح أو السينما العربية الحديثة.

12