"أبوظبي للكتاب".. نقلب الصفحة ونقرأ العالم
95 دولة و1500 فعالية تفتح نوافذ الحوار بين الثقافات وتضع الكتاب في قلب مشروع المعرفة والانفتاح
في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتزايد فيه مساحات الاختلاف بين البشر، تبدو الثقافة واحدة من أهم المساحات القادرة على جمع الإنسان بالإنسان، وعلى تحويل الاختلاف من مصدر للتباعد إلى فرصة للتعارف والحوار.
وتأتي الدورة الخامسة والثلاثون من معرض أبوظبي الدولي للكتاب لتقدم هذه الرسالة بصورة أكثر وضوحًا، تحت شعار بالغ الدلالة: «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم».
الانفتاح على الآخر
معرض أبوظبي الدولي للكتاب خلال الفترة من 13 إلى 18 سبتمبر 2026 في مركز أدنيك أبوظبي، تحت رعاية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، لم يعد مجرد مناسبة سنوية للاحتفاء بالكتاب، وإنما أصبح منصة عالمية تلتقي فيها الثقافات، وتتقاطع فيها الأفكار، وتتحول فيها المعرفة إلى لغة مشتركة بين الشعوب.
خلال دورته الحالية يستضيف المعرض عارضين من 95 دولة، ويقدم نحو 1500 فعالية، بمشاركة نخبة من الكتاب والمفكرين والأكاديميين وصناع المعرفة من مختلف أنحاء العالم. كما تشهد هذه الدورة المشاركة الأولى لسبع دول هي: كوسوفو، وكولومبيا، والأرجنتين، والإكوادور، وبيرو، وفنزويلا، وكوبا، بما يفتح نوافذ جديدة للتبادل الثقافي والمعرفي وهذه الأرقام لا تعكس فقط اتساع حجم المعرض، بل تكشف عن تحول أبوظبي إلى نقطة التقاء حقيقية للثقافات والحضارات.
فحين فتحت أبوظبي أبواب معرضها للكتاب أمام 95 دولة، فإنها لا تستقبل الكتب فقط، لكنها تستقبل تجارب إنسانية كاملة؛ تاريخًا وأدبًا وفكرًا وفنونًا وذاكرة وهوية، فالكتاب هنا ليس مجرد منتج ثقافي، وإنما وسيلة للتعرف إلى الآخر من خلال الرواية والشعر والفكر والترجمة والحوارات الثقافية يستطيع القارئ أن يرى العالم من أكثر من نافذة، وأن يكتشف أن خلف اختلاف اللغات والعادات والتقاليد إنسانًا يشترك مع الآخرين في كثير من الأحلام والأسئلة والطموحات.
ويأتى هنا أهمية الشعار الذي اختاره المعرض لدورته الخامسة والثلاثين: «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم»، فالمقصود ليس فقط أن نقلب صفحة كتاب، وإنما أن نقلب صفحات التجربة الإنسانية كلها، وأن نقرأ العالم بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة وأن نقرأ الآخر كما هو ليس كما نتصوره، وأن نكتشف أن الاختلاف الثقافي ليس جدارًا يفصل بين البشر، بل بابًا يمكن أن نعبر منه إلى معرفة أعمق بالإنسان.
ومن بين ما تتميّز به دولة الإمارات هو الانفتاح الذي تسعى إليه دوماً، مع صون الهوية الوطنية، وهذه واحدة من أهم سمات التجربة الإماراتية في المجال الثقافي: الانفتاح على العالم مع الاعتزاز بالهوية، فالإمارات لا تقدم الثقافة باعتبارها مجالًا مغلقًا على الذات، ولا ترى في التواصل مع الثقافات الأخرى تهديدًا للخصوصية الوطنية والعربية، على العكس، والثقافة الواثقة من جذورها هي الأقدر على الانفتاح، ولهذا فإن استقبال أبوظبي لعشرات الدول والثقافات في معرض واحد لا يأتي على حساب الثقافة العربية، بل يمنحها فرصة أكبر للحضور والحوار والتأثير فهي معادلة تقوم على أن نعرف أنفسنا جيدًا، والاعتزاز بتاريخنا ولغتنا وتراثنا، وفي الوقت نفسه نمد جسورنا إلى العالم وهذا هو جوهر الانفتاح الحقيقي الذي تسعى إليه دوماً دولة الإمارات.
اللغة العربية وثقافات العالم
وفي قلب هذا المشهد العالمي، تقف اللغة العربية حاضرة بقوة، فالاهتمام بالعربية في الإمارات لا يقتصر على الحفاظ عليها باعتبارها لغة التراث والتاريخ، وإنما يمتد إلى دعم حضورها في النشر والترجمة والتعليم والمحتوى الرقمي والإبداع المعاصر وتقود المؤسسات الثقافية الإماراتية جانبًا مهمًا من هذه الجهود، من خلال مشروعات وبرامج تستهدف دعم النشر العربي، وتعزيز حركة الترجمة، وتوسيع حضور المحتوى العربي عالميًا.
ومن أبرز هذه المبادرات برامج دعم حقوق النشر والترجمة، التي تسهم في نقل الأعمال العربية إلى لغات أخرى، وإثراء المكتبة العربية بأعمال مترجمة من مختلف ثقافات العالم.
وفي قلب هذا المشهد العالمي، تقف اللغة العربية حاضرة بقوة.
فالاهتمام بالعربية في الإمارات لا يقتصر على الحفاظ عليها باعتبارها لغة التراث والتاريخ، وإنما يمتد إلى دعم حضورها في النشر والترجمة والتعليم والمحتوى الرقمي والإبداع المعاصر،والتى تقود المؤسسات الثقافية الإماراتية جانبًا مهمًا من هذه الجهود، من خلال مشروعات وبرامج تستهدف دعم النشر العربي، وتعزيز حركة الترجمة، وتوسيع حضور المحتوى العربي عالميًا.
ولأننا في زمن تكثر فيه الدعوات إلى التسامح والحوار بين الثقافات، يصبح السؤال الحقيقي: كيف تتحول هذه القيم إلى ممارسة؟ وهنا تأتى الإجابة إنه عندما تستقبل الإمارة عارضين وكتابًا ومثقفين من عشرات الدول، وتمنحهم مساحة للحديث والتعبير والتعريف بثقافاتهم، فإنها تجعل من احترام الآخر ممارسة فعلية، وداخل معرض الكتاب تحديدًا، يصبح التنوع أمرًا طبيعيًا، فنجد اللغة العربية إلى جانب لغات العالم، والأدب العربي إلى جانب الآداب الأجنبية، كما نجد الفكر الشرقي إلى جانب الفكر الغربي، والتجارب المختلفة تلتقي في مكان واحد، دون أن يُطلب من أحد أن يتخلى عن هويته، وهنا تكمن قوة التجربة وأن احترام الآخر لا يعني أن نتخلى عن أنفسنا، كما أن الاعتزاز بالهوية لا يعني أن نغلق أبوابنا أمام العالم.
أهمية معرض أبوظبي للكتاب لا تقاس فقط بعدد الدول المشاركة والفعاليات والكتب وإنما بما يصنعه من وعي وحوار وأثر
في هذه الدورة تؤكد المشاركة الأولى لسبع دول هذا التوجه بوضوح، فانضمام كوسوفو وكولومبيا والأرجنتين والإكوادور وبيرو وفنزويلا وكوبا إلى المعرض يضيف مساحات جديدة للتبادل الثقافي، ويفتح أمام القارئ الإماراتي والعربي نوافذ على تجارب ربما لا تكون حاضرة بالقدر نفسه في المشهد الثقافي العربي. ويعتبر هذا أحد أدوار المعارض الدولية الكبرى: هو أن تجعل العالم أقرب وأن يسافر القارئ إلى كل هذه البلدان ويستطيع أن يلتقي بأدبها، وقد لا يعرف تفاصيل تاريخها، لكنّه يستطيع أن يقرأ عنها وقد لا يتحدث لغتها، لكنه يستطيع أن يصل إلى أفكار أبنائها عبر الترجمة، وهكذا يصبح الكتاب وسيلة للسفر دون طائرة.
إنتاج المعرفة وتكريم أصحابها
كما تكتسب الدورة الخامسة والثلاثون أهمية إضافية من ارتباط برنامجها بتوجهات عام الأسرة 2026 في دولة الإمارات، بما يعزز دور الثقافة والمعرفة في بناء الإنسان وترسيخ التماسك المجتمعي وإعداد الأجيال للمستقبل.
ويضم برنامج المعرض نحو 1500 فعالية تستهدف شرائح مختلفة من المجتمع، بما يؤكد أن الثقافة ليست شأنًا يخص النخبة وحدها، وإنما حق ومساحة مفتوحة أمام الجميع.
على مدار سنواته، تطور معرض أبوظبي الدولي للكتاب من فعالية لعرض الكتب إلى منصة متكاملة لصناعة المعرفة والنشر والترجمة والحوار الثقافي، والدورة الخامسة والثلاثون تؤكد هذا التحول، فالمعرض يجمع الناشرين، ويتيح تبادل حقوق النشر والترجمة، ويدعم حضور الكتاب العربي في الأسواق الدولية، ويقدم فرصًا للتواصل المهني بين العاملين في صناعة النشر، وبذلك لا يصبح المعرض مكانًا لبيع الكتاب فقط، وإنما جزءًا من منظومة أكبر لدعم الصناعات الثقافية والإبداعية.
ربما لا تحتاج الدول إلى القوة الاقتصادية أو السياسية وحدها لكي يكون لها حضور مؤثر في العالم فهناك قوة أخرى أكثر هدوءًا، لكنها أكثر بقاءً: القوة الثقافية والثقافة الإماراتية خلال السنوات الماضية أصبحت واحدة من أدوات الحضور الدولي للدولة، من خلال الجوائز والمهرجانات والمعارض ومشروعات الترجمة والنشر ودعم المبدعين.
كما تأتي جائزة الشيخ زايد للكتاب في مقدمة هذه المنظومة، حيث تقام مراسم تكريم الفائزين بدورتها العشرين ضمن فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، في لحظة تجمع بين الاحتفاء بالإنجاز الثقافي والاعتراف بقيمة الكتاب والمعرفة، وهكذا لا تكتفي أبوظبي باستقبال الثقافة العالمية، وإنما تسهم أيضًا في إنتاج المعرفة وتكريم أصحابها وتقديم الثقافة العربية إلى العالم.
مشروع ثقافي متكامل
في النهاية، ربما يكون أجمل ما في الدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب أنها تأتي بشعار يحمل في داخله مشروعًا ثقافيًا كاملًا:«لنقلب الصفحة ونقرأ العالم»، نقلب صفحة الخوف من الاختلاف، نقلب صفحة الانغلاق، نقلب صفحة الصور النمطية، ونفتح صفحة جديدة عنوانها المعرفة والحوار والاحترام.
فالكتاب يستطيع أن يجعلنا نعيش حياة لم نعشها، وأن نسافر إلى أماكن لم نزُرها، وأن نفهم أشخاصًا لم نلتقِ بهم، وأن نتعرف إلى ثقافات ربما كانت بعيدة عنا.
وأهمية معرض أبوظبي للكتاب لا تقاس فقط بعدد الدول المشاركة أو عدد الفعاليات أو أعداد الكتب التي تعرضها دور النشر، وإنما بما يصنعه من وعي، وما يخلقه من حوار، وما يتركه من أثر في الإنسان.
واستقبال أبوظبى في دورتها الخامسة والثلاثين عارضين من 95 دولة ونحو 1500 فعالية، لا تقدم للعالم معرضًا للكتاب فحسب، بل تقدم نموذجًا لما يمكن أن تفعله الثقافة عندما تصبح جزءًا من رؤية دولة ومشروع مجتمع لتكون العربية لغة تنفتح على العالم، والهوية جسرًا لا جدارًا، والاختلاف فرصة للتعارف، والكتاب بداية للحوار، وربما تكون الرسالة الأهم التي تخرج من أبوظبي اليوم هي أن العالم، مهما اختلفت لغاته وثقافاته، يستطيع أن يلتقي حول فكرة واحدة: هي أننا حين نقرأ بعضنا بعضًا، نفهم بعضنا بعضًا.