أبعاد "تحفظ" حكومة الدبيبة على اجتماع تونس لآلية التشاور الثلاثي

الاجتماع مخصص لمناقشة جهود دول الجوار ودعم الحل السياسي.
الثلاثاء 2026/01/27
مشاورات في غياب الطرف الليبي

آلية التشاور الثلاثي حول ليبيا إطار تنسيقي إقليمي يضم وزراء خارجية تونس ومصر والجزائر، وتهدف إلى تنسيق جهود هذه الدول لدعم الاستقرار في ليبيا وإيجاد حل سياسي للأزمة الليبية، ولا تشترط مشاركة طرف ليبي سواء من حكومة الغرب أو حكومة الشرق.

في خطوة وُصفت بالمفاجئة، في توقيتها ودلالاتها السياسية، أعربت الحكومة الليبية برئاسة عبدالحميد الدبيبة عن “تحفظها” على الاجتماعات التي تتعلق بالشأن الليبي دون مشاركة الدولة الليبية، وذلك على خلفية الاجتماع الذي تستضيفه تونس لآلية التشاور الثلاثي بين تونس ومصر والجزائر لدعم استقرار ليبيا، بحضور حنّا تيتيه، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. 

ولا يمكن النظر إلى هذا الموقف الذي عبرت عنه وزارة الخارجية والتعاون الدولي بحكومة الدبيبة خارج إطار ما يشهده الملف الليبي من تطورات بدأت تفرض سياقات مُتشعبة لمعادلات جديدة تتداخل فيها عدة عوامل إقليمية ودولية أملتها حسابات لا تخلو من أجندات خفية غير مُنفصلة عن محاولات إبعاد ليبيا عن محيطها المغاربي والعربي والأفريقي. 

وقالت خارجية حكومة الدبيبة في بيان نشرته مساء الأحد في صفحتها الرسمية على شبكة فيسبوك إنها “تُعرب عن تحفظها على عقد أي اجتماعات أو مشاورات تتناول الشأن الليبي دون مشاركة الدولة الليبية مُمثلة بوزارة خارجيتها، وذلك على خلفية الاجتماع التشاوري الثلاثي المُزمع عقده في تونس بمشاركة تونس ومصر والجزائر، وبحضور المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا”. 

وأضافت أن ليبيا “إذ تُؤكد تقديرها العميق للعلاقات الأخوية والتاريخية التي تربطها بدول الجوار، فإنها تُشدد على أن أي مباحثات أو ترتيبات أو مشاورات تتعلق بليبيا يجب أن تتم بمشاركة مباشرة من الدولة الليبية عبر وزارة خارجيتها، باعتبارها الجهة الرسمية المعنية والأصيلة بكل ما يتصل بمستقبل ليبيا السياسي وأمنها واستقرارها”. 

وأكدت في المقابل أن ليبيا “تُرحب بأي جهد إقليمي أو دولي صادق يهدف إلى دعم مسار الحل السياسي، شريطة احترام سيادة الدولة الليبية، وقرارها الوطني المستقل، والالتزام بمبدأ الشراكة وعدم تجاوز المؤسسات الوطنية الليبية المُختصة في القضايا ذات الصلة”. 

ويأتي هذا التحفظ قبل ساعات من انطلاق أعمال الاجتماع التي بدأت الاثنين بتونس العاصمة لآلية التشاور الثلاثي على مستوى وزراء خارجية الدول الثلاث، أي تونس ومصر والجزائر، لبحث مستجدات الأوضاع في ليبيا، ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار، والحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، بما يُلبي تطلعات الشعب الليبي نحو الأمن والاستقرار والتنمية في ليبيا وبالمنطقة”. 

وتُشارك في هذا الاجتماع حنّا تيتيه، المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بحسب وزارة الخارجية التونسية التي قالت إن هذا الاجتماع التشاوري الثلاثي سيُخصّص للتداول في الجهود التي تبذلها دول الجوار الثلاث، تونس ومصر والجزائر، بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، لدعم مسار الحوار الليبي-الليبي، والدفع نحو حل سياسي توافقي وشامل يضمن سيادة ليبيا ووحدتها. 

وآلية التشاور الثلاثي حول ليبيا هي إطار تنسيقي إقليمي يضم وزراء خارجية تونس ومصر والجزائر، وتهدف إلى تنسيق جهود هذه الدول لدعم الاستقرار في ليبيا وإيجاد حل سياسي للأزمة الليبية، وتعمل على الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، وضمان أن يكون الحل ليبيّا خالصا ونابعا من إرادة الشعب الليبي وحده، وذلك من خلال دعم العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة.

كمال بن يونس: الدول الثلاث هي العمق الجيواستراتيجي لليبيا

هشام الحاجي: لا يمكن فصل الموقف الليبي عن صراع المحاور داخل المنطقة

كما تهدف أيضا إلى منع المزيد من التشرذم والانقسام في ليبيا، وإلى تهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات متزامنة في ليبيا كخطوة نحو استعادة الاستقرار والأمن الإقليمي، بالإضافة إلى رفض أي تدخل خارجي في الشؤون الليبية، حيث عقدت اجتماعها الأول في عام 2017، ثم توقفت بعد ذلك في عام 2019، قبل أن تُستأنف اجتماعاتها مجددا في مايو 2025. 

وتُعقد اجتماعات هذه الآلية بشكل دوري في عواصم الدول الثلاث، حيث سبق لها أن اجتمعت في الجزائر ومصر، دون أن “تتحفظ” حكومة الدبيبة عليها، مثلما فعلت مع اجتماع تونس، الأمر الذي فرض إيقاعه بقوة بغض النظر عن حججه وذرائعه، واستدلالاته المتعددة التي اختلطت فيها جملة من الحسابات السياسية ليست مُنفصلة التوازنات الإقليمية في علاقة بتطورات الملف الليبي. 

وفي تعليق على اجتماع تونس التشاوري اعتبر كمال بن يونس، الأكاديمي التونسي والخبير في الشؤون الدولية، أن ”هذا الاجتماع الوزاري الثلاثي يمكن أن يدعم الجهود التي تبذلها منذ مدة أطراف عديدة داخل ليبيا وفي المنطقة وكذلك داخل الأمم المتحدة تمهيدا للتوافق على آليات واضحة لتنظيم انتخابات عامة برلمانية ورئاسية واختيار حكومة موحدة تنهي الأزمة السياسية التي انفجرت قبل نحو 15 عاما”. 

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “هذا الاجتماع الجديد الذي تحضره رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ليس بديلا عن مسارات الحوار الليبي – الليبي، بل يمكن أن يدعمها باعتبار البلدان الثلاثة هي العمق الجيواستراتيجي لليبيا، وقاعدة تقاطع المصالح تفترض زيادة التنسيق والمشاورات الدبلوماسية والسياسية خدمة للأولويات المشتركة سياسيا وأمنيا واقتصاديا”. 

وأكد أنه “في هذه المرحلة التي تشهد متغيرات سريعة إقليميا ودوليا تتأكد الحاجة إلى تفعيل قرارات سابقة اتخذتها السلطات في ليبيا وفي دول جوارها من أجل مُعالجة كل الأزمات عبر الآليات السياسية والقانونية، وإنجاح احتواء سيناريوهات دفع منطقة شمال أفريقيا نحو حروب بالوكالة وأزمات مماثلة لتلك التي تعصف بالكثير من الدول الأفريقية والعربية والإسلامية”. 

إلى جانب ذلك لم يتردد الخبير التونسي هشام الحاجي، نائب رئيس المركز المغاربي للبحوث والدراسات، في القول في تصريح خص به “العرب” إن” التحفظ الذي عبرت عنه وزارة خارجية حكومة الدبيبة، هو موقف منطقي وتكمن أهميته في أنه مُستجد، ويؤشر على تفاعل حكومة الدبيبة مع هذه المستجدات بطريقة جديدة”. 

وأعرب عن اعتقاده في أنه “لا يمكن متابعة الشأن الليبي دون مشاركة من يمثل الليبيين، حيث يبدو أن حكومة الدبيبة التي غضت الطرف في مناسبة سابقة عن هذا الغياب قد اعتبرت أن الوقت قد حان للتعبير عن تحفظها”، ثم أضاف “في تقديري لا يمكن فصل الموقف الليبي عن العلاقات ‘الفاترة’ منذ مدة بين حكومة طرابلس وتونس من ناحية وعن صراع المحاور داخل المنطقة من ناحية أخرى”. 

ولفت إلى “الدور التركي الراغب فعليا في الاستئثار بليبيا وإبعادها عن تونس ومصر والجزائر”، مُشيرا في نفس الوقت إلى أن “تواجد كبير مستشاري دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس هذه الأيام في العاصمة الليبية طرابلس قد يكون لحضور علاقة بهذا الموقف”، وذلك في إشارة إلى “التحفظ ” الليبي المذكور. 

وبعيدا عن هذا الموقف وذاك، فإن “تحفظ” حكومة الدبيبة على اجتماع تونس لآلية التشاور الثلاثي بين تونس ومصر والجزائر، سيرسم في قادم الأيام تداعيات سياسية من السابق التكهن بأبعدها، لكنها لن تتجاوز في مضمونها معادلات الصراع الليبي – الليبي، بحساباته المُتعددة. 

2