«المعرض الصيفي» في مسقط.. الفن العُماني يفتح نوافذ على العالم

تجارب تشكيلية محلية وعالمية تستلهم الطبيعة والذاكرة والتراث العُماني في حوار بصري عابر للحدود
الاثنين 2026/08/10
نوافذ استثنائية لاكتشاف سلطنة عمان

مسقط- تستضيف صالة «ستال للفنون» بمسقط فعاليات «المعرض الصيفي السنوي» في نسخته الجديدة، وهو حدث فني وثقافي رائد يجمع تحت سقف واحد تجارب إبداعية لنخبة من أبرز الفنانين العُمانيين، إلى جانب كوكبة من الفنانين العالميين كضيوف، ليسجل بذلك حضورًا متجددًا في الأجندة الثقافية بسلطنة عُمان.

ويأتي تنظيم هذا المعرض، الذي تستمر أعماله حتى 20 أغسطس الجاري، امتدادًا لتقليد سنوي راسخ بدأته الصالة منذ عام 2015، ليصبح بمرور الوقت منصة استراتيجية لتقديم الفنون البصرية العُمانية والتعريف بها، مع دمج الرؤى العالمية المعاصرة، بهدف صياغة حوار إبداعي عابر للحدود، وتكريس مكانة سلطنة عُمان مركزًا للتبادل الثقافي والحضاري بين الشعوب.

استلهام طبيعة عُمان

يمثل المعرض في نسخته الحالية أرشيفًا حيًا يوثق تطور المفاهيم الفنية والتقنيات والأعمال التشكيلية التي تعكس وجهات نظر معاصرة وجديدة حول سلطنة عُمان؛ إذ يتيح للمجتمع الإبداعي فرصة استكشاف التحولات الجمالية والاجتماعية عبر عين الفن، ليسهم في إثراء الحصيلة المعرفية والبصرية للمهتمين بالحركة التشكيلية المحلية والإقليمية.

ويتضمن المعرض أعمالًا إبداعية لتسعة من الفنانين العُمانيين الذين يمتلكون بصمات واضحة في مسيرة الفن التشكيلي العُماني، وهم: عفراء آل سعيد، وأنور سونيا، وحسن مير، وعدنان الرئيسي، وجمعة الحارثي، ومحمد مهدي اللواتي، وإدريس الهوتي، وحسين عبيد، إلى جانب حضور الإرث الفني للراحل موسى عمر.

ويستضيف المعرض كذلك ثلاثة فنانين عالميين قدموا رؤاهم البصرية الخاصة، وهم: أفسانه مصلحي، وتاريني أغاروال، وجانين والتر.

تمثل المناظر الطبيعية والتقاليد الثقافية لسلطنة عُمان المحور المركزي والملهم للأعمال الفنية المعروضة هذا العام؛ حيث سعى كل فنان مشارك إلى تفسير هذا الموضوع بأسلوبه الفردي، مستخدمًا خامات وتقنيات ومقاربات فنية متنوعة تراوحت بين المدارس الواقعية والتعبيرية والانطباعية والحروفية.

وفي هذا السياق، استلهمت عفراء آل سعيد في أعمالها الفنية الهوية والذاكرة والمشهد الحضري، وذلك من خلال فن الكولاج. ومن أبرز أعمالها «إيقاع الأرض والبحر»، وهو عمل يجسد التناغم والانسجام العميق بين الناس وبيئتهم الطبيعية في سلطنة عُمان. وحمل عملها الثاني اسم «بلدنا»، وهو لوحة كولاج متعددة الطبقات تبرز سلطنة عُمان: أرضها وشعبها وهويتها المتطورة. فيما اعتمد العمل الثالث «ذكريات معاد تدويرها» على إعادة التدوير لتوثيق واستحضار ذكريات ولقطات من سلطنة عُمان، ودمج الخامات التقليدية والحديثة.

وبرزت سلسلة لوحات المناظر الطبيعية الانطباعية للفنان أنور سونيا، التي استلهم تفاصيلها الجمالية من ولايات نخل ومنح وصور. وجاءت هذه اللوحات نتاجًا لجلسات رسم حية ومباشرة قام بها الفنان في ربيع عام 2026 لمراقبة ودراسة تضاريس هذه الأماكن، مستلهمًا عوالمها الجوية وأشكالها الطبيعية وتفاعلات الضوء فيها.

ووثقت ريشة الفنان سونيا أيضًا المشاهدات الحية للفنون العُمانية التقليدية التي تؤدى في الهواء الطلق، مما أضفى بُعدًا حركيًا وتراثيًا على لوحاته المعبرة عن البيئة العُمانية.

وقدم الفنان إدريس الهوتي مقاربة فنية مغايرة من خلال توظيف الخط العربي لمنح شوارع وأزقة منطقة «مطرح القديمة» لغة بصرية خاصة؛ حيث تتدفق الحروف والخطوط عبر جدران المنازل القديمة، حاملة بين طياتها ذكريات وحكايات الأشخاص الذين بنوا تلك البيوت وعاشوا فيها، في محاولة فنية جادة لتوثيق الذاكرة المكانية وحفظ الإرث الإنساني للمنطقة.

ويركز الفنان محمد مهدي اللواتي في عمله الفني «سلام 2» على استغلال طاقات الخط البصري والتعبيري، حيث تتحول الحروف من مجرد أداة للقراءة إلى تكوين جمالي يعبر عن قيم التناغم والسلام الداخلي والكوني.

ويتخصص الفنان جمعة الحارثي في إعادة إحياء المفردات البصرية التراثية والتاريخية العُمانية، حيث يدمج في أسلوبه بين الرسم والنحت، مستلهمًا نقوش ورموز أسقف حصن جبرين التاريخي والأبواب العتيقة لولاية نزوى العريقة.

ويستحضر حسن مير الذكريات والأساطير العُمانية في هذه اللوحة التشكيلية التي أنجزها عام 2003، والتي تُعرض في «ستال غاليري» للمرة الأولى.

نظرة استرجاعية ثاقبة

يمثل المعرض للسياح والزوار من خارج سلطنة عُمان نافذة استثنائية لاكتشاف المناظر الطبيعية العُمانية والأماكن التاريخية والعمارة التقليدية وتفاصيل الحياة اليومية بأسلوب فني عميق لا تتيحه أدلة السفر التقليدية.

ويقدم المعرض بالنسبة إلى المجتمع المحلي نظرة ثاقبة واسترجاعية لتاريخ عُمان ومراحل تحولها الحضاري والمعماري والمجتمعي، لتُروى بلغة الفن البصري المعاصر.

كما يتيح للفنانين تبادل الأفكار والخبرات، ومناقشة المفاهيم الفنية الجديدة، وبدء التخطيط للمعارض المستقبلية.

ويعد المعرض، في إطار مسؤوليته المجتمعية ونشر الثقافة البصرية، موردًا علميًا ومعرفيًا مهمًا للباحثين والطلاب والأكاديميين والمجموعات المدرسية؛ إذ تستثمر صالة «ستال للفنون» فترة الإجازة الصيفية للمؤسسات التعليمية في تقديم جولات تعليمية وإرشادية متخصصة، تسعى إلى نقل عملية تعلم الفنون من الغرف الصفية المغلقة إلى الفضاءات الفنية المفتوحة.