الحرب الإقليمية تبطئ انتقال الشركات إلى الرياض

برنامج المقرات الإقليمية يتجاوز هدفه العددي، لكن شركات مالية تتردد في نقل مراكزها وسط ارتفاع المخاطر.
الجمعة 2026/09/25
المملكة أطلقت برنامج المقرات الإقليمية ضمن استراتيجية أوسع مرتبطة برؤية 2030

الرياض- لم تعد المنافسة بين الرياض ودبي على استقطاب مقار الشركات الدولية تجري فقط في إطار الحوافز والفرص الاقتصادية، إذ بدأت الحرب الإقليمية تضيف عاملا جديدا إلى حسابات المؤسسات العالمية التي تدرس نقل عملياتها إلى السعودية.

وبينما نجحت الرياض في جذب مئات الشركات إلى برنامج المقرات الإقليمية، يكشف تردد شركات مالية متخصصة أن الانتقال من فتح مكتب إلى نقل مركز إقليمي كامل يظل قرارا أكثر تعقيدا، خصوصا عندما تتزامن تكاليف الانتقال مع اضطراب الأسواق وارتفاع المخاطر الإقليمية.

وتكشف صحيفة «فايننشال تايمز» أن شركات استشارات مالية متخصصة في وول ستريت تواجه صعوبات في الالتزام بشروط برنامج المقرات الإقليمية السعودي، وتطالب السلطات بمرونة أكبر أو بإعفاءات تتناسب مع طبيعة أعمالها. وتتركز الاعتراضات خصوصا على شرط توظيف 15 موظفا بدوام كامل خلال عام من الحصول على الترخيص، بينهم موظفون في مواقع إدارية وقيادية، وهو ما تعتبره شركات صغيرة أو متخصصة عبئا لا يتناسب مع حجم عملياتها.

ويأتي ذلك فيما تحاول السعودية تحويل الرياض إلى مركز إقليمي للأعمال والمال، في منافسة مباشرة مع دبي. وأطلقت المملكة برنامج المقرات الإقليمية ضمن استراتيجية أوسع مرتبطة برؤية 2030، مع ربط بعض الأعمال والعقود الحكومية بوجود مقر إقليمي في المملكة.

◄ بينما تواصل المملكة بناء مركز مالي إقليمي ينافس دبي، أصبح استقرار المنطقة نفسه جزءا من المعادلة التي ستحدد مدى سرعة انتقال الشركات الدولية إلى العاصمة السعودية

وعلى المستوى الرقمي، تبدو حصيلة البرنامج إيجابية بالنسبة إلى الرياض. فقد أعلنت وزارة الاستثمار في أغسطس أن أكثر من 750 شركة انضمت إلى البرنامج، متجاوزة الهدف الأصلي البالغ 500 شركة بحلول عام 2030. كما حصل بنك «بي إن بي باريبا» على ترخيص لإنشاء مقر إقليمي في المملكة، في خطوة قدمتها الوزارة باعتبارها مؤشرا على استمرار توسع القطاع المالي العالمي في السعودية.

لكن العدد لا يعكس بالضرورة عمق التحول الذي تريده الرياض. فبعض المؤسسات المالية العالمية تستطيع فتح مكتب في العاصمة السعودية وتوسيع نشاطها هناك، من دون أن تنقل مركز إدارتها الإقليمي من دبي. وهذا ما يجعل قضية المقرات أكثر من مجرد منافسة على التراخيص؛ إنها محاولة لإعادة توزيع مراكز اتخاذ القرار والموظفين والعمليات المالية في المنطقة.

وتشير «فايننشال تايمز» إلى أن شركات مثل لازارد اختارت الرياض مقرا إقليميا، بينما لا تزال مؤسسات مالية أخرى، بينها موليس وروتشيلد وPJT Partners وإيفركور، تدير عملياتها الإقليمية من دبي رغم وجود مكاتب لها في العاصمة السعودية. ويكشف هذا التفاوت أن جاذبية السوق السعودية لا تعني تلقائيا أن الشركات مستعدة لإعادة بناء هياكلها الإقليمية بالكامل.

وتزداد حساسية القرار مع تغير البيئة الاقتصادية خلال العام الحالي. فقد تراجع نشاط أسواق المال وصفقات الاندماج والاستحواذ في السعودية خلال النصف الأول من العام، في وقت تواجه فيه الشركات المالية حسابات أكثر تحفظا بشأن توظيف موظفين إضافيين وتحمل تكاليف تشغيلية جديدة. ومع استمرار الحرب الإقليمية، أصبحت الشركات أكثر حذرا في اتخاذ قرارات تتطلب التزامات طويلة الأجل، حتى مع استمرارها في اعتبار السعودية سوقا رئيسية للنمو.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في برنامج الرياض: السعودية نجحت في جعل الشركات العالمية تأتي إليها، لكنها لم تحسم بعد مسألة جعلها تنقل مركزها الإقليمي بالكامل إليها. ففتح مكتب تجاري يمكن أن يستجيب للفرص المتزايدة داخل المملكة، بينما يعني المقر الإقليمي إعادة ترتيب للموظفين والإدارة والتكاليف والعلاقات مع الأسواق المجاورة.

وتدفع هذه المعادلة بعض الشركات إلى طلب استثناءات أو توضيحات من وزارة الاستثمار. ووفقا لـ«فايننشال تايمز»، جُمّد طلب إحدى الشركات، بينما تفكر أخرى في التخلي عن الترخيص، في حين تأمل مؤسسات مالية أن تتبنى السلطات نهجا أكثر مرونة في تطبيق الشروط.

◄ تؤكد مؤسسات معنية أن المملكة تظل سوقا مهمة، وأنها تريد توسيع وجودها فيها، لكن الخلاف يدور حول شكل هذا الوجود وحجمه وتكلفته

ولا يعني ذلك أن الشركات قررت الابتعاد عن السعودية. على العكس، تؤكد المؤسسات التي تحدثت إليها الصحيفة أن المملكة تظل سوقا مهمة، وأنها تريد توسيع وجودها فيها، لكن الخلاف يدور حول شكل هذا الوجود وحجمه وتكلفته. وهذه نقطة أساسية في قراءة المشهد، لأن التردد الحالي لا يبدو رفضا للسوق السعودية بقدر ما يعكس محاولة لمواءمة الاستثمار مع طبيعة النشاط وحجم المؤسسة.

وتأتي هذه النقاشات في وقت تواصل فيه الرياض تعزيز موقعها المالي. فالحكومة تعتبر استقطاب المقرات الإقليمية وسيلة لنقل المعرفة والمهارات وتوسيع القطاع الخاص، كما توفر للمستثمرين حوافز مرتبطة بإنشاء المكاتب الإقليمية. وتؤكد وزارة الاستثمار أن البرنامج جزء من بناء بيئة أعمال أكثر تنافسية وتنويع الاقتصاد بعيدا عن الاعتماد على النفط.

لكن الحرب الإقليمية تضيف إلى المنافسة بعدا جديدا. فالشركات الدولية لا تقيس فقط حجم السوق والحوافز الحكومية، وإنما تنظر أيضا إلى الاستقرار الإقليمي، وكلفة التأمين، وقدرة الموظفين الأجانب على الانتقال والعمل، ومدى استقرار النشاط المالي في بيئة تتعرض لتقلبات أمنية واقتصادية متسارعة.

وبذلك تختبر الحرب أحد الجوانب الأكثر حساسية في طموح الرياض الاقتصادي: هل تستطيع جذب الشركات بالأرقام، ثم إقناعها بتحويل وجودها من حضور تجاري إلى تمركز إقليمي دائم؟ فالنجاح العددي لبرنامج المقرات يمنح السعودية قاعدة قوية، لكن مطالبة بعض الشركات بتخفيف الشروط، يشير إلى أن المعركة على المقرات لم تحسم بعد.

وقد تدفع هذه التطورات الرياض إلى مراجعة بعض شروط البرنامج، خصوصا إذا أصبح الهدف ليس فقط زيادة عدد المقرات، وإنما ضمان استقرارها ونموها وقدرتها على إدارة الأعمال الإقليمية من المملكة. وفي المقابل، قد تحتاج الشركات إلى إعادة تقييم مواقعها مع تغير موازين السوق.

وفي النهاية، لا تبدو الحرب قد ألغت جاذبية الرياض، لكنها جعلت قرار الانتقال إليها أكثر كلفة وحذرا. وبينما تواصل المملكة بناء مركز مالي إقليمي ينافس دبي، أصبح استقرار المنطقة نفسه جزءا من المعادلة التي ستحدد مدى سرعة انتقال الشركات الدولية إلى العاصمة السعودية.