اجتماع رؤساء الأركان: هل بدأ تفعيل اتفاق مكة؟
الرياض- يدخل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مرحلة مختلفة مع التحضير لاجتماع عاجل لرؤساء أركان الدول الثلاث، في خطوة تأتي بينما تتعرض السعودية لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة من جماعة الحوثيين في اليمن. ولا يعني الإعلان أن الاتفاق دخل بالفعل مرحلة التنفيذ العسكري، لكنه يضع مبدأ الدفاع المشترك أمام أول اختبار عملي منذ توقيعه في أغسطس الماضي.
وأعلنت الرياض أن وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان بحثوا في نيويورك ترتيبات عقد اجتماع عاجل لرؤساء أركان الدول الثلاث، بهدف بحث سبل مساندة المملكة في إطار اتفاق مكة.
ويأتي ذلك بعد هجمات استهدفت مواقع داخل السعودية، بينها محاولات لاستهداف مناطق ومنشآت مدنية واقتصادية. وقالت السلطات السعودية، الخميس، إنها اعترضت ستة صواريخ باليستية أطلقت باتجاه المملكة، فيما أعلن الحوثيون شن هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة على أهداف سعودية.
وتكتسب الخطوة أهميتها من طبيعة الاتفاق الذي وقعه قادة السعودية وتركيا وباكستان في مكة في 7 أغسطس. وينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوما عليها جميعا، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع الجماعي بين الأطراف.
لكن الصياغة الحالية للاتفاق لا تعني بالضرورة أن أي هجوم سيؤدي بصورة آلية إلى إرسال قوات أو إلى مشاركة عسكرية مباشرة من بقية الأطراف. فالإعلان الأخير يتحدث عن بحث سبل مساندة السعودية، من دون تحديد شكل هذه المساندة أو توقيت الاجتماع العسكري أو مخرجاته المحتملة. وهذه النقطة تجعل اجتماع رؤساء الأركان أكثر أهمية من الناحية العملية، لأنه قد يوضح كيف يمكن تحويل الالتزام السياسي والأمني إلى آليات تعاون قابلة للتنفيذ.
الاجتماع المرتقب سيختبر مدى إذا كان اتفاق مكة سيبقى إطارا للتنسيق الاستراتيجي أم يتحول إلى آلية أمنية أكثر نشاطا
وكانت الدول الثلاث قد بدأت بالفعل في بناء الإطار المؤسسي للاتفاق. ففي 31 أغسطس، عقدت في إسطنبول أولى اجتماعات اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية، بمشاركة وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان. وناقشت الدول آنذاك تعزيز القدرات الدفاعية، وزيادة قابلية العمل المشترك بين القوات المسلحة، والتعاون في الصناعات الدفاعية، إلى جانب وضع آليات تنسيق دائمة للاتفاق.
وبذلك يأتي الاجتماع المرتقب في ظرف مختلف عن اجتماع أغسطس. ففي ذلك الوقت كان التركيز منصبا على تأسيس الهياكل واللجان وتحديد مجالات التعاون، بينما تواجه السعودية الآن هجمات عابرة للحدود، ما يفرض على الدول الثلاث الانتقال من الحديث عن الردع الجماعي إلى بحث كيفية التعامل مع تهديد فعلي يستهدف إحدى الدول الموقعة.
وتبدو الهجمات الحوثية العامل المباشر في هذا الاختبار. فقد تصاعدت خلال سبتمبر الهجمات من اليمن باتجاه الأراضي السعودية، بالتزامن مع اشتداد القتال داخل اليمن. وأعلنت الرياض مرارا اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة، بينما اتسعت دائرة الأهداف التي يقول الحوثيون إنهم يستهدفونها لتشمل مواقع ومنشآت مرتبطة بالطاقة. وتزامن التصعيد مع تأكيد سعودي على حق المملكة في الدفاع عن أمنها، فيما شدد وزراء خارجية الدول الثلاث على هذا الحق استنادا إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، يفتح اجتماع رؤساء الأركان سؤالا حول طبيعة الدفاع المشترك الذي تقصده الدول الثلاث. فقد تكون المساندة في صورة ترتيبات دفاعية أو تبادل معلومات وخبرات أو تعزيز قدرات الحماية الجوية أو أشكال أخرى من التعاون العسكري، لكن أيا من هذه الخيارات لم يُعلن رسميا حتى الآن. ولذلك فإن ربط الاجتماع تلقائيا بقرار تركي أو باكستاني بالمشاركة المباشرة في القتال سيكون سابقا لأوانه.
وتكتسب المواقف السابقة أهمية في قراءة هذا المسار. فقد قال وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف في وقت سابق من سبتمبر إن اتفاق مكة قد يصبح عمليا إذا امتدت الهجمات من اليمن إلى الأراضي السعودية، مؤكدا التزام بلاده ببنود الاتفاق عند الحاجة. لكن آليات التنفيذ التفصيلية بقيت غير معلنة.
كما أن الاجتماع يأتي بالتزامن مع تحركات دفاعية أخرى لحماية المنشآت السعودية. ووفقا للجزيرة، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن باريس سترسل عسكريين ورادارات وأنظمة دفاع لحماية منشأة ينبع، مع تأكيد أن المهمة دفاعية وليست للمشاركة في القتال.
لذلك، فإن أهمية اجتماع رؤساء الأركان لا تكمن فقط في انعقاده، بل في ما سيكشفه عن حدود اتفاق مكة وآليات عمله. فالاتفاق انتقل خلال أسابيع من توقيع سياسي في مكة إلى بناء مؤسسات ولجان مشتركة، ثم وجد نفسه أمام هجمات تستهدف إحدى الدول الثلاث. وبينما لا توجد حتى الآن إشارة رسمية إلى قرار بتوسيع نطاق الحرب أو نشر قوات تركية وباكستانية، فإن الاجتماع المرتقب سيختبر مدى قدرة الاتفاق على توفير مظلة دفاعية عملية للسعودية، وما إذا كان سيبقى إطارا للتنسيق الاستراتيجي أم يتحول إلى آلية أمنية أكثر نشاطا.