المغرب: الأصالة والمعاصرة يتصدر والائتلاف يختبر تماسكه

نتائج الانتخابات تعيد توزيع موازين القوى داخل الأغلبية وتفتح مشاورات تشكيل الحكومة وسط تراجع المشاركة
الخميس 2026/09/24
انخفاض ملحوظ بنسبة المشاركة

الرباط – أعادت الانتخابات البرلمانية المغربية رسم خريطة القوى داخل البرلمان، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بحصوله على 97 مقعدا من أصل 395، متقدما على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا والاستقلال بـ65 مقعدا، في نتيجة تضع الائتلاف الحكومي الحالي أمام اختبار جديد يتعلق بشكل الأغلبية المقبلة وتوازناتها.

وأعلن وزير الداخلية المغربي عبدالوافي لفتيت النتائج الأولية الرسمية فجر الخميس، فيما بلغت نسبة المشاركة 38.02 بالمئة، مقارنة بنحو 50 بالمئة في انتخابات 2021. كما حل حزب العدالة والتنمية في المرتبة الرابعة بـ54 مقعدا، في عودة لافتة إلى المشهد البرلماني بعد أن حصل على 13 مقعدا فقط في انتخابات 2021.

ولا تعني صدارة الأصالة والمعاصرة أن الحزب يستطيع تشكيل الحكومة منفردا، إذ يحتاج أي ائتلاف إلى 198 مقعدا على الأقل لضمان الأغلبية في مجلس النواب. ووفقا للفصل 47 من الدستور، يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، على أساس نتائجها، بينما يقترح رئيس الحكومة أعضاءها.

وتكمن المفارقة الأساسية في أن الأحزاب الثلاثة التي شكلت الحكومة الحالية، وهي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، حصلت مجتمعة على 228 مقعدا، ما يعني أن الأغلبية العددية ما زالت متاحة داخل التركيبة نفسها، لكن توزيع المقاعد بينها تغير بصورة واضحة. فقد تقدم الأصالة والمعاصرة إلى المركز الأول، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار من 102 مقعد في 2021 إلى 66، والاستقلال من 81 إلى 65، وفقا للنتائج المعلنة.

وهذا التغيير يجعل مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة مختلفة عن تلك التي أعقبت انتخابات 2021. ففي حين كان التجمع الوطني للأحرار هو الحزب الأول آنذاك، أصبح الأصالة والمعاصرة الآن صاحب الكتلة الأكبر، بما يمنحه موقعا دستوريا وسياسيا مختلفا في بداية مرحلة المشاورات.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الائتلاف السابق سينتهي. فالأرقام تسمح، من الناحية الحسابية، باستمرار الأحزاب الثلاثة في أغلبية حكومية، كما أن تجربتها في إدارة الحكومة خلال السنوات الماضية توفر أساسا سياسيا يمكن البناء عليه. لكن حجم التغير داخل الائتلاف يفرض إعادة بحث توزيع الحقائب والأولويات وطبيعة التوازن بين مكوناته.

تقدم الأصالة والمعاصرة إلى المركز الأول، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار من 102 مقعد في 2021 إلى 66، والاستقلال من 81 إلى 65

وتضيف عودة العدالة والتنمية بـ54 مقعدا عنصرا جديدا إلى المشهد. فالحزب الذي تصدر انتخابات 2011 و2016 تعرض لتراجع كبير في 2021، قبل أن يستعيد في الانتخابات الحالية موقعا برلمانيا أكثر أهمية. ولا تعني هذه العودة تلقائيا انتقاله إلى المعارضة أو الأغلبية، لكنها تمنحه وزنا أكبر في البرلمان المقبل مقارنة بالدورة السابقة، وتعيده إلى دائرة القوى التي لا يمكن تجاهل حضورها عند قراءة المشهد السياسي.

وفي المقابل، يبرز انخفاض المشاركة باعتباره أحد أهم معطيات الانتخابات. فقد بلغت النسبة 38.02 بالمئة، بعدما كانت نحو 50 بالمئة في انتخابات 2021. وتأتي هذه النتيجة في سياق سبق أن رصدت فيه تقارير صحفية حالة من العزوف والتشكيك لدى قطاعات من الشباب، على خلفية البطالة وصعوبة الوصول إلى فرص اقتصادية وخدمات عامة أفضل. وكانت هذه الملفات حاضرة بقوة في الحملات الانتخابية للأحزاب.

ويضع ذلك الحكومة المقبلة أمام معادلة مزدوجة: استكمال المشاريع الاقتصادية الكبرى، وفي الوقت نفسه التعامل مع قضايا اجتماعية يمكن أن تؤثر في علاقة المواطنين بالأحزاب والمؤسسات. ويأتي تنظيم المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لكأس العالم 2030 في مقدمة المشاريع الكبرى التي ستفرض على الحكومة المقبلة تسريع تنفيذ عدد من الاستثمارات والبنى التحتية.

كما أن تركيبة البرلمان الجديدة ستختبر قدرة الأحزاب على تحويل النتائج الانتخابية إلى برنامج حكومي متماسك. فالتحدي لن يكون فقط في جمع العدد المطلوب من المقاعد، وإنما في الاتفاق على الأولويات الاقتصادية والاجتماعية وتوزيع المسؤوليات داخل الأغلبية.

ومن هذه الزاوية، تبدو الانتخابات المغربية قد غيرت مركز الثقل داخل الأغلبية أكثر مما غيرت مبدأ استمرارها. فالأصالة والمعاصرة خرج متصدرا، بينما يحتفظ شركاؤه السابقون بكتلة كافية لاستمرار التحالف من الناحية العددية. أما السؤال السياسي فيتعلق بكيفية ترجمة هذا التغيير إلى شكل الحكومة المقبلة.

وتبدأ المرحلة المقبلة إذن من نتيجة واضحة لكنها لا تقدم وحدها إجابة كاملة: الأصالة والمعاصرة هو الحزب الأول، لكنه يحتاج إلى شركاء لتشكيل الأغلبية. وفي المقابل، يستطيع الائتلاف السابق، إذا حافظ على مكوناته الثلاثة، تجاوز عتبة الأغلبية، لكن بعد إعادة ترتيب موازينه الداخلية.

وبين صدارة حزب وتراجع آخر وعودة قوة حزبية إلى البرلمان، تبدو مشاورات ما بعد الانتخابات اختبارا لقدرة النظام الحزبي المغربي على إنتاج أغلبية مستقرة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استعادة اهتمام الناخبين، خصوصا الشباب. وهنا قد يكون التحدي الأبرز للحكومة المقبلة ليس فقط من يشكلها، وإنما كيف تستعيد ثقة من لم يجدوا سببا كافيا للذهاب إلى صناديق الاقتراع.