بغداد وأنقرة تعيدان ترتيب الوجود التركي في العراق

اتفاق على تسليم بعشيقة تدريجياً وبسط سلطة الدولة في سنجار بالتوازي مع دفع التعاون الاقتصادي وطريق التنمية.
الخميس 2026/09/24
الاتفاق يفتح الباب أمام إعادة ترتيب الملف الأمني

بغداد – يفتح الاتفاق العراقي–التركي بشأن معسكر بعشيقة–زليكان الباب أمام إعادة ترتيب ملف أمني ظل لسنوات أحد أكثر مصادر التوتر بين بغداد وأنقرة، لكنه يأتي هذه المرة ضمن تفاهم أوسع يربط الوجود العسكري التركي في شمال العراق بعودة سلطة الدولة الاتحادية في سنجار، وبالانتقال بالعلاقة بين البلدين نحو تعاون اقتصادي واستراتيجي أكثر اتساعاً.

واتفق رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال لقائهما في نيويورك الأربعاء، على أن تسلم القوات التركية معسكر بعشيقة–زليكان إلى الحكومة الاتحادية العراقية سيتم تدريجياً، وفق آلية وجدول زمني متفق عليهما. ولم يعلن الطرفان موعداً محدداً لبدء التسليم أو استكماله، ما يشير إلى أن العملية ستخضع لترتيبات أمنية وسياسية بين البلدين.

لكن أهمية الاتفاق لا تكمن في المعسكر وحده. فقد تزامن الإعلان عن تسليمه مع اتفاق بغداد وأنقرة على «بسط سلطة الدولة العراقية بالكامل في سنجار» وإنهاء وجود العناصر الأجنبية المسلحة المحظورة هناك. ولم يسمِّ البيان المشترك الجماعات التي يقصدها تحديداً، ما يترك الباب مفتوحاً أمام قراءة أوسع للترتيبات الأمنية المرتبطة بالمنطقة.

ومن هنا تبدو بعشيقة وسنجار نقطتين في معادلة أمنية واحدة، وإن كان البيان الرسمي لا يتحدث عن صفقة مقايضة مباشرة بين الملفين. فتركيا التي أبقت منذ عام 2015 على وجود عسكري في بعشيقة قرب الموصل، بحجة مواجهة تهديدات أمنية مرتبطة بالجماعات المسلحة، كانت تعتبر الوضع في سنجار ومحيطها جزءاً من حساباتها الأمنية في شمال العراق. وفي المقابل، ظل وجود القوات التركية في الأراضي العراقية محل اعتراض من بغداد التي طالبت في مراحل سابقة بانسحابها.

ويمنح التفاهم الجديد الحكومة العراقية فرصة لإعادة تقديم الملف باعتباره قضية سيادة الدولة، لا مجرد خلاف ثنائي مع تركيا. فعودة معسكر بعشيقة إلى الحكومة الاتحادية، بالتوازي مع تأكيد سلطة بغداد في سنجار، تعني نظرياً انتقال إدارة الملف الأمني في تلك المناطق إلى المؤسسات العراقية، مع استمرار التعاون الأمني بين البلدين بدلاً من بقاء الوجود العسكري التركي بوصفه الترتيب الأساسي.

وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر في ضوء ما اتفق عليه الزيدي وأردوغان بشأن «تعميق التعاون في المجال الأمني». فالتفاهم لا يضع نهاية للتنسيق الأمني العراقي–التركي، بل يعيد تحديد شكله. وبدلاً من أن يكون الوجود العسكري التركي في بعشيقة أحد عناوين العلاقة، يمكن أن يصبح التعاون بين الأجهزة والمؤسسات الرسمية هو الإطار الأبرز لمعالجة المخاوف الأمنية على جانبي الحدود.

أما سنجار، فتظل الاختبار الأصعب لهذا الترتيب. فالمنطقة الواقعة غرب محافظة نينوى تحمل إرثاً أمنياً وسياسياً معقداً، وتداخلت فيها خلال السنوات الماضية قوات وجماعات محلية وإقليمية مختلفة. ولذلك فإن إعلان بسط سلطة الدولة لا يعني بالضرورة أن عملية إخراج جميع العناصر المسلحة أو إعادة تنظيم الوضع الأمني ستتم بصورة فورية، بل يضع هدفاً سياسياً يحتاج إلى ترتيبات ميدانية وتنفيذ تدريجي.

إعادة صياغة العلاقة الأمنية بين بغداد وأنقرة على أساس: الدولة العراقية تستعيد تدريجياً مسؤولية الأرض، وتركيا تنتقل من وجود عسكري مباشر إلى تعاون أمني أكثر تنظيماً

وتعكس صياغة الاتفاق نفسها هذا المنطق التدريجي. فتركيا ستسلم بعشيقة وفق «الآلية والجدول الزمني المتفق عليهما»، بينما يتحدث الطرفان عن استعادة سلطة الدولة في سنجار وإنهاء وجود العناصر الأجنبية المسلحة. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة ستكون مهمة لتحديد طبيعة القوات التي ستتولى مسؤولية المناطق التي ينسحب منها الوجود التركي، وكيف ستتعامل بغداد مع التهديدات التي دفعت أنقرة إلى إبقاء قواتها هناك.

ولا ينفصل التحول الأمني عن المصالح الاقتصادية المتنامية بين البلدين. فقد اتفق الزيدي وأردوغان على توسيع التجارة والاستثمار، والتنفيذ الفوري للاتفاقات الموقعة، وتسريع المشاريع الاستراتيجية المشتركة، وفي مقدمتها مشروع «طريق التنمية».

ويحمل طريق التنمية أهمية خاصة بالنسبة إلى بغداد وأنقرة، باعتباره مشروعاً لربط ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق بشبكات النقل التركية والأسواق الأوروبية. وقد أنجز العراق وتركيا في سبتمبر الجاري المسودة النهائية لاتفاقية تنفيذ مشاريع البنية التحتية والنقل المرتبطة بالمشروع، بما يمهد للانتقال إلى مراحل التنفيذ التعاقدي.

وهنا تظهر محاولة نقل العلاقة العراقية–التركية من إدارة ملفات الخلاف إلى بناء مصالح مشتركة أوسع. فالأمن في نينوى وسنجار، وفق التفاهم الجديد، لا يبدو منفصلاً عن مستقبل التجارة والنقل والاستثمار. وكلما تقدم مشروع طريق التنمية، ازدادت الحاجة إلى بيئة أمنية مستقرة على امتداد مساره، وهو ما يجعل ضبط المناطق الشمالية جزءاً من المعادلة الاقتصادية أيضاً.

لكن هذا المسار يواجه تحديات تتجاوز العلاقة الثنائية. فمشروع طريق التنمية نفسه يرتبط بتعقيدات كردية–عراقية وتركية، بينها مسار الطريق في إقليم كردستان، والعلاقة بين بغداد وأربيل، والملف المرتبط بحزب العمال الكردستاني. وتشير تحليلات حديثة إلى أن هذه الملفات يمكن أن تؤثر في قابلية المشروع للتنفيذ، بما يجعل الاستقرار السياسي والأمني في شمال العراق عاملاً أساسياً في نجاحه.

وبذلك، يمكن قراءة اتفاق بعشيقة–سنجار باعتباره محاولة لإعادة صياغة العلاقة الأمنية بين بغداد وأنقرة على أساس مختلف: الدولة العراقية تستعيد تدريجياً مسؤولية الأرض، وتركيا تنتقل من وجود عسكري مباشر إلى تعاون أمني أكثر تنظيماً، فيما يدفع الطرفان باتجاه مصالح اقتصادية مشتركة أبرزها طريق التنمية.

لكن نجاح هذه المعادلة سيعتمد على التفاصيل التي لم يكشف عنها الاتفاق بعد، خصوصاً الجدول الزمني لتسليم بعشيقة، وترتيبات الأمن في سنجار، وطبيعة القوى التي ستتولى ملء أي فراغ أمني. لذلك فإن الإعلان يمثل بداية مسار جديد أكثر مما يمثل نهاية نهائية للملف.

1