سنجار تدخل اختبار حصر السلاح

بغداد تدفع نحو تسليم سلاح الفصائل الإيزيدية ودمج المؤهلين منها في المؤسسات الأمنية، وتطالب المسلحين غير العراقيين بمغادرة المنطقة.
الأربعاء 2026/09/23
تسليم السلاح مقابل الدمج الأمني

بغداد – تنتقل خطة الحكومة العراقية لحصر السلاح إلى مرحلة أكثر حساسية مع دخول سنجار على خط التنفيذ، بعدما أعلنت بغداد تحركاً لإخضاع المنطقة بالكامل لسلطة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع ترتيبات لتسليم سلاح فصائل إيزيدية ودمج عناصر مؤهلين منها في الأجهزة الأمنية. ويأتي ذلك بعد سنوات بقيت فيها سنجار، الواقعة على الحدود مع سوريا وقريبة من تركيا، ساحة لتداخل القوات والفصائل المحلية والإقليمية.

وأعلن رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي في 11 سبتمبر بدء تسليم سلاح فصائل «مقاومة سنجار» للدولة، مؤكداً أن جبل سنجار سيخضع للسلطة الكاملة للحكومة الاتحادية ومؤسساتها الأمنية والإدارية. وقال مكتب رئيس الوزراء إن الترتيبات تشمل إنهاء تعدد مراكز القرار الأمني وضمان حقوق أفراد تلك التشكيلات ودمج المؤهلين منهم في المؤسسات الأمنية وفق الأطر القانونية.

وفي خطوة جديدة، قال قائد القوات البرية العراقية الفريق الركن قاسم المحمدي إن بغداد لن تسمح ببقاء أي مسلح خارج إطار القانون في سنجار، مطالباً المسلحين غير العراقيين بمغادرة المنطقة فوراً. وأوضح أن هناك خطة لاستيعاب العراقيين الموجودين في المنطقة ضمن التشكيلات الأمنية، إلى جانب العمل على تشكيل إدارة محلية تتولى إدارة شؤون السكان.

وتكشف هذه الإجراءات عن مسارين متوازيين. الأول يتعلق بالفصائل الإيزيدية العراقية، حيث يجري بحث انتقال عناصرها من العمل المسلح المستقل إلى المؤسسات الأمنية الرسمية. والثاني يتصل بالمقاتلين غير العراقيين، الذين تقول بغداد إن وجودهم لم يعد مقبولاً في منطقة تقع ضمن أراضي الدولة وسيادتها. وهذا الفصل مهم، لأن الحكومة لا تطرح العملية باعتبارها إقصاءً للمكون الإيزيدي، وإنما محاولة لإعادة تنظيم وضعه الأمني داخل مؤسسات الدولة مع إنهاء وجود التشكيلات الخارجة عن سلطتها.

ولا يمكن فصل القرار الحكومي عن اتفاق بغداد وأربيل بشأن سنجار الموقع عام 2020. فقد نص الاتفاق على أن تتولى الشرطة المحلية وأجهزة الأمن والاستخبارات مسؤولية الأمن داخل القضاء، وأن تُخرج جميع التشكيلات المسلحة من المنطقة، إلى جانب إنهاء وجود حزب العمال الكردستاني وتوابعه فيها. كما تضمن الاتفاق تشكيل قوة أمنية محلية قوامها 2500 عنصر والعمل على إعادة إعمار المنطقة وتهيئة الظروف لعودة النازحين.

لكن الاتفاق ظل متعثراً لسنوات، فيما بقي ملف الأمن أحد أبرز أسباب تأخر عودة سكان سنجار وإعادة إعمارها. وفي أغسطس الماضي، قال رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني إن تنفيذ اتفاق سنجار من شأنه تعزيز الأمن والاستقرار، معتبراً أن استمرار عدم تنفيذه يحمّل القوى الموجودة في المنطقة مسؤولية استمرار المشكلة، ودعا إلى خروج القوات العاملة خارج إطار القانون.

الحكومة لا تطرح العملية باعتبارها إقصاءً للمكون الإيزيدي، وإنما لإعادة تنظيم وضعه الأمني داخل مؤسسات الدولة مع إنهاء وجود التشكيلات الخارجة عن سلطتها

وتحمل سنجار أهمية تتجاوز بعدها المحلي. فالمنطقة تشرف على جزء حساس من الحدود العراقية السورية، وتمثل ممراً مهماً في شمال غرب العراق، بينما ارتبط وجود حزب العمال الكردستاني وتشكيلاته المحلية فيها منذ سنوات بالتوتر بين بغداد وأنقرة. ولذلك فإن فرض سيطرة الحكومة العراقية على سنجار لا يتعلق فقط بحصر السلاح، وإنما أيضاً بتثبيت سلطة الدولة على الحدود ومنع تحول المنطقة إلى مساحة نفوذ لقوى مسلحة متعددة.

وتأتي الخطوة كذلك ضمن حملة أوسع لحكومة الزيدي لإعادة ترتيب ملف السلاح في العراق. وتواجه الحكومة ضغوطاً لإنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، فيما ترفض فصائل عراقية قوية التخلي عن ما تصفه بـ«سلاح المقاومة». وقد أظهرت هذه المسألة حجم التحدي الذي تواجهه بغداد في تحويل مبدأ حصر السلاح إلى إجراءات عملية.

ومن هذه الزاوية، تمثل سنجار حالة مختلفة نسبياً. فالتفاهم الذي يجري الدفع نحوه يقوم على معادلة تسليم السلاح مقابل الدمج، بدلاً من تفكيك التشكيلات من دون توفير بديل لأفرادها. ويمكن لهذا النموذج أن يخفف المخاوف المحلية ويمنح الدولة فرصة لاستيعاب المسلحين العراقيين داخل منظومتها، لكنه يظل مشروطاً بقدرة بغداد على فرض قيادة أمنية موحدة ومنع عودة التشكيلات إلى العمل المستقل.

كما أن نجاح العملية قد يفتح الطريق أمام معالجة ملفات أخرى في سنجار، من الإدارة المحلية إلى إعادة الإعمار وعودة النازحين. فالاتفاقات السابقة ربطت الأمن بهذه الملفات بصورة مباشرة، باعتبار أن عودة الدولة لا تعني فقط نشر قواتها، وإنما أيضاً استعادة الخدمات وبناء إدارة محلية قادرة على إدارة المنطقة.

لكن الاختبار الأصعب سيكون في التنفيذ. فإعلان تسليم السلاح لا يساوي بالضرورة إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة، كما أن دمج أفرادها في الأجهزة الأمنية يحتاج إلى تدقيق قانوني وأمني، وتحديد واضح لسلسلة القيادة والاختصاصات. أما مطالبة المسلحين غير العراقيين بالمغادرة، فتفتح بدورها ملفاً إقليمياً حساساً يتعلق بوجود عناصر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني وتداخلاته مع الملفين السوري والتركي.

وبذلك تدخل سنجار اختباراً عملياً لشعار حصر السلاح بيد الدولة. فإذا نجحت بغداد في الجمع بين استعادة السيطرة الأمنية، ودمج العراقيين المؤهلين، وخروج المسلحين غير العراقيين، وإعادة بناء الإدارة المحلية، فقد تتحول المنطقة إلى نموذج لتطبيق سياسة أكثر اتساعاً في بقية البلاد. أما إذا تعثرت الترتيبات عند حدود تسليم السلاح أو عادت مراكز النفوذ المسلحة إلى الظهور، فقد تكشف سنجار مرة أخرى حدود قدرة الدولة العراقية على تحويل القرار السياسي إلى سيطرة ميدانية مستقرة.