مصر وسوريا: شراكة اقتصادية لبناء الثقة

القاهرة ودمشق تنقلان العلاقة إلى مسار الأعمال والاستثمار.. فهل يصبح الاقتصاد مدخلا لتقليص الشكوك السياسية؟
الثلاثاء 2026/09/22
تعزيز المصالح المتبادلة

دمشق – تحاول مصر وسوريا فتح مسار جديد في علاقاتهما يقوم على المصالح الاقتصادية، في خطوة تتجاوز الطابع البروتوكولي للاتصالات السياسية إلى بناء قنوات أكثر انتظاما بين الحكومتين وقطاعي الأعمال في البلدين.

ويأتي الاتفاق على عقد منتدى أعمال مشترك، بالتزامن مع بدء اجتماعات مجلس الأعمال المصري السوري، ليطرح الاقتصاد باعتباره مساحة يمكن من خلالها اختبار قدرة القاهرة ودمشق على بناء قدر من الثقة، في وقت لا تزال فيه العلاقة السياسية بحاجة إلى مزيد من التثبيت.

وجاءت الخطوة خلال الاجتماع الحكومي الثاني بين البلدين في دمشق، بمشاركة مسؤولين عن الاقتصاد والتجارة والاستثمار والطاقة والكهرباء والبترول والغاز والمناطق الحرة. واتفق الجانبان على آليات تنفيذية للتعاون في القطاعات ذات الأولوية، مع بحث تشكيل مجموعات عمل فنية، كما رحبا بانتهاء تشكيل مجلس الأعمال المشترك وعقد أولى جلساته، واتفقا على تنظيم منتدى أعمال لبحث الفرص التجارية والاستثمارية.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تمنح العلاقات المصرية السورية بعدا مؤسسيا. فمجلس الأعمال يمكن أن يوفر قناة اتصال مستمرة بين الشركات والجهات الاقتصادية، بينما يسمح المنتدى المرتقب بتوسيع دائرة المشاركين والبحث في فرص استثمارية محددة. وبين المؤسستين، تتحول العلاقة الاقتصادية من ملفات تطرح في اللقاءات الحكومية إلى مسار يمكن أن يستمر حتى عندما تتباين المواقف السياسية.

وكان الاجتماع الثاني امتدادا للاجتماع الحكومي الأول الذي عقد في القاهرة في أبريل الماضي، ما يشير إلى محاولة بناء عملية تراكمية للتعاون بدلا من الاكتفاء بخطوات منفردة. واللافت أن الاجتماعات لم تقتصر على التجارة والاستثمار، وإنما شملت الطاقة والكهرباء والبترول والغاز والمناطق الحرة، وهي قطاعات يمكن أن تصبح أكثر أهمية في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد السوري.

ومن هنا يمكن النظر إلى الاقتصاد باعتباره اختبارا للثقة أكثر من كونه بديلا عن السياسة. فالشركات تحتاج إلى وضوح في القواعد والإجراءات، والمستثمرون يحتاجون إلى بيئة مستقرة، فيما تتطلب مشاريع الطاقة والبنية التحتية والتصنيع والتجارة أفقا زمنيا أطول من عمر أي تفاهم سياسي عابر. وكلما توسعت المصالح المشتركة، أصبحت لدى الطرفين حوافز إضافية للحفاظ على قنوات الاتصال وإدارة الخلافات بدلا من تركها تتراكم.

ما بدأ في دمشق لا يمثل نهاية مرحلة من الشكوك، بقدر ما يمثل اختبارا لتحويل العلاقة الثنائية من إدارة التباينات إلى بناء مصالح مشتركة

لكن الطريق أمام هذه الشراكة ليس خاليا من التحديات. فالانتقال من الاتفاق على التعاون إلى تنفيذ مشاريع فعلية يحتاج إلى إجراءات قانونية ومصرفية وجمركية، وإلى قدرة المؤسسات السورية والمصرية على تحويل التفاهمات إلى فرص قابلة للاستثمار. كما أن طبيعة المرحلة السورية الانتقالية تجعل بعض الشركات أكثر حذرا في تقييم المخاطر، وهو ما يعني أن نجاح المنتدى لن يقاس بعدد المشاركين أو الاتفاقات المعلنة، وإنما بقدرته على إنتاج مشاريع واستثمارات قابلة للتنفيذ.

وتكتسب الطاقة أهمية خاصة في هذا السياق. فإدراج الكهرباء والبترول والغاز ضمن جدول الاجتماع يعكس اتساع نطاق البحث الاقتصادي، لكنه لا يعني أن مشاريع كبرى في هذه القطاعات قد أقرت بالفعل. والأرجح أن المرحلة الأولى ستتركز على تحديد مجالات التعاون وبناء مجموعات العمل والبحث في الإمكانات المتاحة، قبل الانتقال إلى اتفاقات أكثر تفصيلا. وهذا التدرج قد يكون ضروريا لتقليل المخاطر واختبار قدرة الطرفين على الوفاء بالتزاماتهما.

كما أن القطاع الخاص يمكن أن يؤدي دورا يتجاوز الاستثمار المباشر. فإعادة تنشيط التجارة وتسهيل حركة السلع والخدمات يمكن أن يصنع مصالح متبادلة أقل حساسية من الملفات السياسية. وإذا نجحت الشركات المصرية والسورية في بناء شبكات تعاون مستمرة، فقد تصبح المصالح الاقتصادية عاملا يساعد على تثبيت العلاقة الحكومية نفسها.

وتحمل استضافة دمشق للاجتماع الحكومي الثاني دلالة أخرى، من حيث انتقال التعاون إلى مرحلة أكثر انتظاما بعد اجتماع القاهرة الأول. لكن ذلك لا ينبغي أن يقرأ باعتباره تجاوزا كاملا لكل التحفظات السياسية، وإنما باعتباره مؤشرا إلى استعداد الجانبين لتوسيع مساحة التعامل في المجالات التي يمكن أن تحقق مصالح مشتركة.

وفي هذا السياق، تبدو الشراكة الاقتصادية أقرب إلى عملية اختبار تدريجية. فالقاهرة تحتاج إلى التأكد من أن انخراطها الاقتصادي يمكن أن يتطور في بيئة مستقرة، بينما تحتاج دمشق إلى جذب شركاء قادرين على المساهمة في إعادة تشغيل قطاعاتها الإنتاجية والخدمية. وبين الحاجتين يمكن أن تنشأ مساحة عملية للتعاون لا تتطلب بالضرورة حل جميع القضايا السياسية دفعة واحدة.

وقد يكون هذا هو الرهان الحقيقي للمنتدى المرتقب: ليس الإعلان عن شراكة اقتصادية مكتملة، وإنما إنشاء مصالح متبادلة تستطيع الصمود أمام الاختلافات. فإذا تحولت اجتماعات مجلس الأعمال إلى مشاريع واتفاقات تجارية واستثمارية، وإذا نجحت مجموعات العمل الفنية في معالجة العقبات، يمكن للاقتصاد أن يصبح تدريجيا جسرا لبناء الثقة.

أما إذا بقيت التفاهمات في حدود الاجتماعات والبيانات، فستظل الشراكة الاقتصادية عنوانا سياسيا أكثر منها مسارا عمليا. لذلك فإن ما بدأ في دمشق لا يمثل نهاية مرحلة من الشكوك، بقدر ما يمثل اختبارا لقدرة المصالح الاقتصادية على تقليصها، وتحويل العلاقة المصرية السورية من إدارة التباينات إلى بناء مصالح مشتركة.

1