هل أصبحت أوكرانيا مختبرا للمسيّرات الأميركية؟
واشنطن – لم تعد أهمية أوكرانيا بالنسبة إلى صناعة المسيّرات الغربية مرتبطة فقط بما يمكن أن تنتجه مصانعها من طائرات مسيّرة، بل بما راكمته الحرب من خبرة في تصميمها واختبارها وتعديلها وإدخالها إلى الخدمة تحت ظروف قتالية تتغير بوتيرة سريعة. وهذا ما يفتح سؤالا يتجاوز التعاون الدفاعي التقليدي بين الولايات المتحدة وأوكرانيا: هل تتحول كييف إلى مختبر ميداني لصناعة المسيّرات الأميركية؟
السؤال لا ينطلق من فراغ. فقد وقعت الولايات المتحدة وأوكرانيا مذكرة نوايا محدودة بشأن اختبار المسيّرات، بينما لا يزال الاتفاق الأوسع الذي جرى تداوله بين الجانبين بحاجة إلى إطار أكثر اتساعا للتعاون في الابتكار والإنتاج والتكتيكات. وترى ناشونال إنتريست أن القيمة الأساسية التي يمكن أن تقدمها كييف لواشنطن لا تكمن في بيع المسيّرات وحدها، وإنما في إتاحة الوصول إلى دورة التعلم الميداني التي نشأت خلال الحرب مع روسيا.
وتكمن أهمية هذه الدورة في السرعة. ففي البيئة الأوكرانية، تبدأ العملية من الوحدات الموجودة في الجبهة التي تحدد مشكلة أو ثغرة، ثم ينتقل الأمر إلى المهندسين لإجراء تعديلات، قبل أن تعود النسخة الجديدة إلى خطوط الإنتاج ثم إلى الميدان لاختبارها تحت النار. وإذا نجحت، يجري توسيع استخدامها، وإذا ظهرت ثغرة جديدة تبدأ دورة أخرى من التعديل والاختبار.
هذه العملية تجعل الحرب الأوكرانية أقرب إلى مختبر مفتوح للتكنولوجيا العسكرية. فالمسيّرة التي تبدو فعالة اليوم يمكن أن تصبح أقل فاعلية بعد أسابيع، بعدما يطور الطرف الآخر وسائل للتشويش عليها أو اكتشافها أو إسقاطها. لذلك لا تكمن القيمة في امتلاك نموذج ناجح فقط، وإنما في امتلاك القدرة على إنتاج النموذج التالي بسرعة.
وتظهر أهمية هذه الخبرة بصورة أوضح في حرب المسيّرات التي أصبحت أحد أبرز ميادين التنافس بين روسيا وأوكرانيا. فروسيا نفسها أنشأت مركز «روبيكون» للمسيّرات في أغسطس 2024، وبحسب ناشونال إنتريست وصل عدد العاملين فيه إلى نحو خمسة آلاف بحلول ربيع 2026، في محاولة لنسخ الابتكارات الأوكرانية وتطوير أنظمة جديدة.
وبذلك لا تتنافس موسكو وكييف على عدد المسيّرات فقط، بل على سرعة التعلم والتكيف. وكلما تغيرت التكنولوجيا أو ظهرت وسيلة جديدة للتشويش أو الاعتراض، أصبحت القدرة على تحويل الدرس الميداني إلى تعديل صناعي عاملا حاسما في المعركة.
لا تشتري واشنطن مسيّرات من كييف فحسب، بل على أن تستفيد من المعرفة التي تنتجها الحرب لتحويل تلك المعرفة إلى منتجات واسعة الانتشار
هذا الجانب هو ما يصعب على واشنطن إنتاجه في مختبرات ومراكز أبحاث بعيدة عن الحرب. فالولايات المتحدة تملك قاعدة صناعية وتكنولوجية ضخمة وقدرة كبيرة على تمويل الأبحاث والإنتاج بكميات واسعة، لكنها لا تستطيع ببساطة إعادة إنتاج البيئة القتالية التي تختبر فيها هذه الأنظمة بصورة يومية.
وتقدم أوكرانيا في المقابل بيئة اختبار قاسية، حيث لا تخضع المسيّرات لتجارب نظرية فقط، بل تواجه التشويش والدفاعات الجوية والتغير السريع في تكتيكات الخصم. وفي سبتمبر الجاري، أعلنت كييف اختبار سلاح جديد لاعتراض المسيّرات، وقال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إن السلاح تمكن من إسقاط مسيّرة «شاهد»، مع الإقرار بالحاجة إلى مزيد من التطوير التقني. كما قالت أوكرانيا إن قواتها اعترضت 93 في المئة من المسيّرات الروسية خلال إحدى الليالي، في مؤشر على حجم الخبرة المتراكمة في مجال الدفاع المضاد للمسيّرات.
لكن التجربة الأوكرانية لا تتوقف عند الدفاع. فالمسيّرات الهجومية أصبحت جزءا مركزيا من العمليات، فيما يتطور سباق جديد حول المسيّرات الأسرع، والأنظمة القادرة على العمل في ظروف التشويش، والمسيّرات المعترضة منخفضة الكلفة التي يمكن استخدامها بأعداد كبيرة.
ومن هنا يمكن فهم التحول الجاري في العلاقة الأميركية الأوكرانية. فالمعادلة المحتملة لا تقوم على أن تشتري واشنطن مسيّرات من كييف فحسب، بل على أن تستفيد الصناعة الأميركية من المعرفة التي تنتجها الحرب الأوكرانية، ثم تستخدم قدرتها الصناعية لتحويل تلك المعرفة إلى منتجات واسعة الانتشار.
وتوجد بالفعل مؤشرات على انتقال التعاون من الفكرة إلى التصنيع. ففي يوليو، أعلنت شركة «إف-درونز» الأوكرانية إتمام تسليم ألفي مسيّرة هجومية من طراز F10 إلى الجانب الأميركي ضمن المرحلة الأولى من برنامج «Drone Dominance»، في أول عملية تصدير رسمية لمسيّرات قتالية أوكرانية مكتملة الصنع إلى الولايات المتحدة بحسب الشركة.
وقبل ذلك، أعلنت ولاية أوهايو وشركة JobsOhio اختيار شركة Ukrainian Defense Drones، الممثلة لشركة F-Drones الأوكرانية في الولايات المتحدة، للمنطقة الشمالية الغربية من الولاية لإقامة مركز أميركي للتجميع والتصنيع. ويتوقع المشروع استحداث ما لا يقل عن 300 وظيفة، مع التركيز على مسيّرات منظور الشخص الأول والأنظمة غير المأهولة والتدريب والاختبار.
وتكشف هذه الخطوة عن اتجاه أكثر تعقيدا من مجرد نقل مصنع أو منتج. فالشركة الأوكرانية تدخل السوق الأميركية، بينما تستفيد واشنطن من نظام دفاعي تم اختباره في حرب حقيقية، وتسعى في الوقت نفسه إلى توطين جزء من الإنتاج داخل الولايات المتحدة.
غير أن تحويل هذه التجربة إلى شراكة مستدامة يواجه تحديات قانونية وصناعية وسياسية. فالحصول على المسيّرة لا يعني بالضرورة الحصول على الخبرة التي تجعلها فعالة. وتحتاج الولايات المتحدة، وفقا للمقترح الذي قدمه كاتبا ناشونال إنتريست جون درينان وماكسيم سكريبشينكو، إلى إطار مؤسسي دائم يشمل تنسيقا مشتركا، وتمويلا متعدد السنوات، وتسريع إجراءات التراخيص والعقود ونقل التكنولوجيا والمعلومات المصنفة.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستشتري مسيّرات أوكرانية، وإنما ما إذا كانت ستبني معها منظومة دائمة للتعلم من الحرب
والأهم أن العلاقة المقترحة لا ينبغي أن تكون في اتجاه واحد. فأوكرانيا تحتاج إلى رأس المال الأميركي، وقدرات البحث والتطوير، وسلاسل التوريد والإنتاج الضخمة، بينما تحتاج الولايات المتحدة إلى الوصول إلى منظومة الابتكار الأوكرانية وما تنتجه يوميا من دروس ميدانية.
وهنا تبرز معادلة مختلفة: «صنّع في أميركا، اختبر وأثبت الكفاءة في أوكرانيا». وهي صيغة تجعل الميدان جزءا من دورة الإنتاج وليس مجرد مكان لتلقي السلاح.
وتكتسب هذه الفكرة وزنا أكبر مع توسع استخدام المسيّرات خارج الحرب الأوكرانية. فقد بدأت كييف في نقل جزء من خبرتها في اعتراض المسيّرات إلى دول أخرى، بينها دول في الشرق الأوسط واجهت هجمات بمسيّرات إيرانية الصنع، بحسب رويترز.
لكن تحويل أوكرانيا إلى «مختبر» لا يعني أن كل ابتكار أوكراني صالح تلقائيا للسوق الأميركية، ولا أن الخبرة القتالية تحل محل الاختبارات الصناعية والعقائد العسكرية التقليدية. كما أن الحرب نفسها تتغير بسرعة، بما يجعل بعض الدروس قصيرة العمر. التحدي بالنسبة إلى واشنطن هو بناء آلية قادرة على التقاط الدرس قبل أن يصبح قديما، ثم تحويله إلى منتج أو عقيدة أو نظام يمكن استخدامه على نطاق واسع.
في المقابل، بالنسبة إلى كييف، يمثل هذا التعاون فرصة لتحويل خبرتها القتالية إلى أصل صناعي وتكنولوجي طويل الأمد. فبدلا من أن تكون أوكرانيا مجرد متلق للأسلحة الغربية، يمكن أن تصبح أيضا مصدرا للمعرفة التي تدخل في تطوير الجيل المقبل من الأسلحة غير المأهولة.
وهكذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستشتري مسيّرات أوكرانية، وإنما ما إذا كانت ستبني معها منظومة دائمة للتعلم من الحرب. فالقيمة التي راكمتها كييف خلال سنوات القتال ليست في نموذج مسيّرة بعينه، وإنما في قدرتها على اكتشاف ما يحتاجه الميدان وتحويله بسرعة إلى تقنية جديدة.
وإذا نجحت واشنطن وكييف في بناء هذه المنظومة، فقد تتحول الحرب الأوكرانية من مجرد ساحة لاختبار الأسلحة إلى مصدر مستمر لتطويرها. عندها لن تكون أوكرانيا مجرد سوق للمسيّرات الأميركية أو موردا لبعض مكوناتها، بل جزءا من دورة الابتكار نفسها، حيث تنتقل المعلومة من الجبهة إلى المصنع، ثم تعود إلى الجبهة في صورة سلاح جديد.