الصومال: واشنطن تمنح القوات الأفريقية مهلة عام
مقديشو - منحت الولايات المتحدة بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال عاما إضافيا قبل إنهاء دعم الأمم المتحدة للقوة، في خطوة تبدو للوهلة الأولى محاولة لتفادي انتقال مفاجئ، لكنها تضع في الوقت نفسه الحكومة الصومالية وشركاءها أمام اختبار صعب لإعادة بناء منظومة الدعم الأمني قبل انتهاء المهلة. فواشنطن لم تتراجع عن قرارها الأساسي، وإنما اختارت أن تجعل الخروج تدريجيا بدلا من أن يأتي في صورة قطع سريع للدعم.
وأظهرت مذكرة دبلوماسية أميركية اطلعت عليها رويترز أن الولايات المتحدة مستعدة لدعم خفض تدريجي للقوات على مدى 12 شهرا، يعقبه مباشرة إنهاء أعمال مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال. ويعني ذلك أن العد التنازلي الذي كان مقررا أن يبدأ مع نهاية ديسمبر المقبل أُرجئ إلى يناير، لتدخل البعثة عاما إضافيا من الترتيبات قبل انتهاء المظلة الأممية التي تعتمد عليها في جوانب أساسية من عملها.
ولا يتعلق الأمر بتمويل عمليات عسكرية فحسب. فبعثة الاتحاد الأفريقي تعتمد على مكتب الأمم المتحدة في خدمات لوجستية حيوية، من الغذاء والمياه والوقود إلى الرعاية الطبية ونقل القوات. ولذلك فإن إنهاء الدعم لا يطرح سؤالا حول حجم القوات فقط، بل حول قدرة القوة على الاستمرار في الانتشار والعمل في بيئة أمنية ما زالت حركة الشباب تمثل فيها تهديدا رئيسيا.
تقول واشنطن إنها لن تمول أو تدعم مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال، الذي تبلغ ميزانيته الإجمالية نحو 500 مليون دولار
وتمنح المهلة الجديدة مقديشو والاتحاد الأفريقي فرصة لتجنب صدمة أمنية محتملة، لكنها في المقابل تجعل العام المقبل فترة تفاوض وضغط متواصل. فبدلا من مواجهة انتهاء الدعم خلال أشهر قليلة، أصبح لدى الأطراف المعنية وقت أطول للبحث عن ممولين جدد، وإعادة توزيع الأعباء، وتحديد حجم القوة التي يمكن الإبقاء عليها، وربط ذلك بقدرات القوات الصومالية على تولي مسؤوليات أمنية أكبر.
وتقول واشنطن إنها لن تمول أو تدعم مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال، الذي تبلغ ميزانيته الإجمالية نحو 500 مليون دولار. ومن المنتظر أن تناقش مداولات مجلس الأمن في ديسمبر الإجراءات والجداول الزمنية الخاصة بخفض القوات، ما يعني أن مستقبل البعثة سيصبح جزءا من نقاش أوسع حول المسؤولية الدولية عن أمن الصومال.
وتشير هذه التطورات إلى أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل تمويل الترتيبات الحالية، بل كيف يمكن إدارة انتقال المسؤولية من دون إحداث فجوة بين انسحاب الدعم الخارجي وقدرة المؤسسات الصومالية على ملء الفراغ.
وهنا تكمن أهمية العام الإضافي. فإذا تمكنت مقديشو وشركاؤها من استخدامه لتوسيع قدرات القوات الحكومية وتأمين مصادر بديلة للدعم، فقد يصبح الخفض التدريجي جزءا من انتقال منظم. أما إذا انتهت المهلة من دون ترتيبات بديلة، فإن المشكلة التي جرى تأجيلها ستعود بصورة أكبر، وقد تجد البعثة نفسها أمام موارد أقل ومهام أمنية لم تتراجع بالوتيرة نفسها.
وتتجاوز تداعيات القرار حدود الصومال. فالبلاد تقع عند تقاطع خليج عدن والمحيط الهندي والبحر الأحمر، في منطقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة أكثر حساسية بالنسبة إلى حركة التجارة والطاقة والأمن البحري. ولهذا فإن استقرار الصومال لا ينفصل عن حسابات أمنية إقليمية أوسع، خصوصا في ظل استمرار التهديدات التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
وحذر محللون، بحسب رويترز، من أن إضعاف قوات الاتحاد الأفريقي يمكن أن يقوض الحكومة الصومالية ويفاقم الاضطرابات السياسية في المنطقة المطلة على البحر الأحمر. وهذه المخاوف لا تعني أن تراجع الدعم سيقود بالضرورة إلى انهيار أمني، لكنها تبرز حساسية التوقيت، في وقت لم تستكمل فيه المؤسسات الأمنية الصومالية بعد عملية الانتقال الكامل إلى تحمل أعباء مكافحة حركة الشباب.
كما أن أي تغيير في حجم القوة الأفريقية أو قدرتها على الانتشار يمكن أن يؤثر في الحسابات الأمنية للحركة المسلحة، التي تخوض منذ سنوات مواجهة مع الحكومة وتستفيد من نقاط الضعف في المناطق التي لا تتمتع فيها الدولة بحضور أمني قوي.
إضعاف قوات الاتحاد الأفريقي يمكن أن يقوض الحكومة الصومالية ويفاقم الاضطرابات السياسية في المنطقة المطلة على البحر الأحمر
وتعكس الخطوة الأميركية أيضا توجها أوسع لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو مراجعة الالتزامات الخارجية وتقليص الأعباء التي تتحملها الولايات المتحدة في المؤسسات والعمليات الدولية. ومن ثم فإن منح عام إضافي لا يبدو عودة إلى سياسة الدعم السابقة، بل محاولة لإدارة الانسحاب ضمن إطار زمني يمنح الشركاء فرصة للتكيف.
وهذا التفصيل مهم بالنسبة إلى الصومال، لأن الاعتماد على تمديد جديد للدعم الأميركي قد لا يكون خيارا متاحا. الرسالة الأميركية، كما تعكسها المذكرة، هي أن مرحلة الدعم الحالي تقترب من نهايتها، وأن على الأطراف الأخرى الاستعداد لتحمل مسؤوليات أكبر.
وقد تفتح المهلة الباب أمام الاتحاد الأفريقي للبحث عن مساهمات جديدة من الدول الأعضاء أو شركاء دوليين، فيما تستطيع الحكومة الصومالية التركيز على بناء قوات وطنية قادرة تدريجيا على تولي مهام كانت تعتمد فيها على القوة الأفريقية.
لكن هذه العملية ليست سهلة. فالبديل لا يحتاج إلى أموال فقط، وإنما إلى منظومة متكاملة من الإمداد والنقل والوقود والخدمات الطبية والتجهيزات، فضلا عن ضمان استمرار العمليات خلال فترة الانتقال. ولذلك فإن نجاح العام الإضافي سيتوقف على ما إذا كان سيُستخدم لبناء ترتيبات بديلة فعلية، أم سيصبح مجرد تأجيل لموعد الأزمة.
في النهاية، لا تقدم واشنطن للبعثة ضمانة بالبقاء، وإنما تمنحها وقتا إضافيا للاستعداد لما بعد الدعم الأممي. وبينما يخفف القرار خطر الخروج المفاجئ، فإنه يضع الصومال أمام حقيقة أكثر وضوحا: المظلة الأمنية التي اعتمدت عليها مقديشو وحلفاؤها لسنوات تتجه إلى التقلص، والعام المقبل سيكون فرصة لإعادة ترتيبها قبل أن يصبح الفراغ خيارا مفروضا بحكم انتهاء المهلة.