حرب إيران تربك ترامب: التصعيد أم الاتفاق؟

العودة إلى التصعيد العسكري أو الدفع نحو اتفاق، كلاهما يحمل كلفة ومخاطر تجعل الوصول إلى نهاية واضحة للحرب أكثر تعقيداً.
الجمعة 2026/09/18
التصعيد أم الاتفاق؟

واشنطن- لم تعد معضلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تحديد ما إذا كان قادراً على ضرب إيران مجدداً، بل في تحديد ما الذي يمكن أن تحققه ضربة جديدة، وكيف يمكن إنهاء الحرب بعدها. فبعد أكثر من ستة أشهر على بدء المواجهة، عاد ترامب للحديث عن اقتراب “منعطف حاسم”، وقال إنه أمام قرار بشأن استئناف هجمات واسعة على إيران، بينما يؤكد في الوقت نفسه وجود اتصالات مباشرة مع طهران وأن الإيرانيين ما زالوا يرغبون في التوصل إلى اتفاق.

هذا التناقض الظاهري بين التهديد العسكري والانفتاح على التفاوض يعكس مأزقاً أوسع. فالحرب التي كان يفترض أن تحقق أهدافاً محددة خلال فترة قصيرة تحولت إلى مواجهة طويلة، فيما لم تعد واشنطن تتعامل فقط مع البرنامج النووي الإيراني، وإنما مع أمن الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، وأسعار الطاقة، وحماية الحلفاء، ومستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. وتقول رويترز إن الحرب دخلت شهرها السابع وسط حالة من الجمود، مع استمرار إيران في تعطيل حركة النفط عبر مضيق هرمز، وتنامي الضغوط الإقليمية بعد تقدم الحوثيين في منطقة البحر الأحمر.

الخيار العسكري لا يزال مطروحاً بقوة. ترامب نفسه قال إنه يقترب من قرار بشأن استئناف هجمات واسعة بهدف إنهاء الحرب، فيما أمر مع وزير الدفاع بيت هيغسيث بإبقاء القوات الأميركية في الشرق الأوسط عند مستوياتها الحالية حتى نهاية العام، بما يسمح لها بالبقاء جاهزة لاحتمال العودة إلى عمليات قتالية واسعة.

لكن العودة إلى الحرب ليست مجرد قرار بإطلاق موجة جديدة من الضربات. السؤال الأصعب هو ما إذا كانت واشنطن تستطيع تحقيق نتيجة سياسية تتجاوز التأثير العسكري المباشر. فقد أظهرت الأشهر الماضية أن إضعاف القدرات الإيرانية لا يعني بالضرورة إنهاء قدرة طهران على الرد أو منعها من استخدام أدوات إقليمية للضغط على المصالح الأميركية وحلفائها.

السؤال المهم: كيف يمكن استخدام الضغط العسكري والاقتصادي للوصول إلى اتفاق، من دون أن يؤدي الضغط إلى حرب جديدة

وتشير رويترز إلى أن البرنامج النووي الإيراني لم يختف رغم الضربات الأميركية، وأن خبراء يرون أن الهجمات ألحقت به أضراراً كبيرة وأخّرته، لكنها لم تحسم بصورة نهائية مستقبل القدرات النووية الإيرانية. وهذا يترك الباب مفتوحاً أمام جولة أخرى من المواجهة إذا لم يترافق الضغط العسكري مع ترتيبات سياسية تضع قيوداً قابلة للتحقق على البرنامج النووي.

كما أن التصعيد يحمل مشكلة إضافية لترامب تتعلق بالحلفاء الخليجيين. فقد أبدت السعودية وقطر في أغسطس مخاوف من أن تؤدي عملية أميركية واسعة إلى رد إيراني يستهدف منشآت النفط والغاز في المنطقة، وهو ما دفع ترامب في ذلك الوقت إلى تأجيل استئناف العمليات الكبرى. ويستعد الرئيس الأميركي الآن للاستماع مباشرة إلى قادة دول الخليج خلال اجتماع مرتقب على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، في محاولة لمعرفة موقفهم من المرحلة المقبلة.

وبذلك، فإن أي قرار بالتصعيد لا يتعلق فقط بالعلاقة بين واشنطن وطهران، وإنما أيضاً بقدرة الإدارة الأميركية على إدارة تداعيات الحرب على حلفائها وعلى أسواق الطاقة والممرات البحرية.

الاتفاق.. ولكن بأي شروط؟

في المقابل، يبدو الاتفاق أكثر تعقيداً من مجرد إعلان وقف إطلاق النار. فواشنطن تحتاج، إذا اختارت المسار الدبلوماسي، إلى اتفاق يبرر سياسياً وعملياً إنهاء الحرب، ويجيب عن الملفات التي فجرت المواجهة أصلاً: البرنامج النووي، القدرات الصاروخية، النفوذ الإقليمي، أمن الملاحة، والعلاقة بين إيران والقوى المسلحة المتحالفة معها.

وهنا تكمن صعوبة أخرى. فإيران التي تحملت أشهراً من الضربات والضغوط الاقتصادية قد لا تدخل إلى طاولة التفاوض من موقع الاستسلام، في حين أن الإدارة الأميركية تحتاج إلى صيغة تستطيع تقديمها داخلياً باعتبارها نتيجة للضغط العسكري والاقتصادي، لا تراجعاً عنه.

ويبدو أن واشنطن تدرك أن المفاوضات لا يمكن أن تنفصل عن ترتيبات أوسع للمنطقة. فقد بدأت الإدارة الأميركية بالفعل في إعداد تصور لمرحلة ما بعد الحرب، يقوم وفق Axios على احتواء إيران إقليمياً وتوسيع مسار تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول المنطقة. ولا يزال هذا التصور في مراحله الأولى، لكنه يكشف أن واشنطن بدأت التفكير في “اليوم التالي” حتى قبل حسم كيفية إنهاء الحرب.

◄ التصعيد قد يمنح واشنطن قدرة أكبر على الضغط، لكنه قد يفتح جبهة أوسع يصعب ضبطها

هرمز والبحر الأحمر يعقدان المعادلة

المشكلة أن الحرب لم تعد محصورة في الأراضي الإيرانية. مضيق هرمز تحول إلى أحد أبرز ساحات الصراع، فيما أضاف التطور في البحر الأحمر وباب المندب بعداً جديداً للمواجهة.

وتقول رويترز إن تقدم الحوثيين على الساحل اليمني وسيطرتهم على مناطق وجزر عند مدخل باب المندب منح إيران، بحسب تقييمات نقلتها الوكالة، ورقة إضافية للتأثير في حركة النفط العالمية، في وقت تواجه فيه واشنطن أصلاً تحديات في حماية الملاحة عبر هرمز.

وهذا يجعل إنهاء الحرب أكثر صعوبة. فحتى إذا نجحت واشنطن وطهران في التوصل إلى تفاهم بشأن الملف النووي، فإن بقاء أزمات الملاحة والطاقة والهجمات الإقليمية من دون معالجة قد يعني أن الحرب تنتهي على الورق بينما تستمر تداعياتها الأمنية والاقتصادية.

واللافت أن واشنطن فتحت في الوقت نفسه قنوات اتصال مع الحوثيين في سلطنة عمان، بحسب رويترز، في مؤشر إلى أن الإدارة الأميركية باتت تتعامل مع ساحات متعددة بالتوازي، لا مع إيران وحدها.

كلفة الحرب تضيق هامش المناورة

هناك أيضاً عامل عسكري واقتصادي لا يمكن تجاهله. فقد أشار تقرير المفتش العام لوزارة الحرب الأميركية حول عملية “إبيك فيوري” إلى استمرار أعمال المراجعة والرقابة على العملية الأميركية ضد إيران، بينما تحدثت تقارير عن الاستنزاف الذي أصاب مخزونات الذخائر الأميركية نتيجة العمليات الطويلة.

أي قرار بالتصعيد لا يتعلق فقط بالعلاقة بين واشنطن وطهران، وإنما أيضاً بقدرة الإدارة الأميركية على إدارة تداعيات الحرب على حلفائها وعلى أسواق الطاقة والممرات البحرية

وفي موازاة ذلك، ارتفعت أسعار الطاقة، فيما ظلت حركة الملاحة في هرمز أقل من مستويات ما قبل الحرب. وتقول رويترز إن استمرار المواجهة تسبب في تداعيات اقتصادية على حلفاء واشنطن وفي ارتفاع أسعار الوقود، ما يضيف بعداً داخلياً إلى القرار العسكري الأميركي.

لذلك، فإن استمرار الحرب ليس بلا كلفة بالنسبة إلى واشنطن، كما أن إنهاءها عبر اتفاق يحتاج إلى صيغة لا تبدو كتراجع عن الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأميركية.

ترامب يبحث عن نهاية لا عن جولة جديدة

لهذا تبدو تصريحات ترامب الأخيرة أكثر أهمية من مجرد تهديد جديد لإيران. فهو يتحدث عن احتمال “القضاء” على النظام الإيراني عسكرياً، لكنه يقول في الوقت نفسه إن الحرب قد تقترب من نهايتها وإن هناك اتصالاً مباشراً مع طهران. كما أنه يستعد للقاء قادة الخليج لسماع موقفهم من الخطوة التالية.

المفارقة أن التصعيد قد يمنح واشنطن قدرة أكبر على الضغط، لكنه قد يفتح جبهة أوسع يصعب ضبطها. والاتفاق قد يوفر مخرجاً من الحرب، لكنه يحتاج إلى تنازلات وضمانات وترتيبات إقليمية لا تبدو سهلة بعد أشهر من القتال.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يواجه ترامب ليس ببساطة: التصعيد أم الاتفاق؟ بل كيف يمكن استخدام الضغط العسكري والاقتصادي للوصول إلى اتفاق، من دون أن يؤدي الضغط إلى حرب جديدة، وكيف يمكن إبرام اتفاق من دون أن يبدو كأنه تراجع عن أهداف الحرب.

وتزداد أهمية هذا السؤال مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية في نوفمبر، ومع وجود استحقاق انتخابي إسرائيلي في أكتوبر. وبينما تواصل الإدارة إعداد تصور لمرحلة ما بعد الحرب، يبقى الغموض قائماً بشأن توقيت القرار الأميركي وشكل النهاية التي تريدها واشنطن.

في المحصلة، تبدو حرب إيران وقد نقلت ترامب من معادلة “الضربة ثم النهاية” إلى معادلة أكثر تعقيداً: ضربة لم تحسم الحرب، واتفاق لا يزال يحتاج إلى شروط صعبة، ومنطقة باتت ساحاتها مترابطة من هرمز إلى باب المندب. ولذلك فإن اختبار المرحلة المقبلة لن يكون في قدرة واشنطن على التصعيد، وهي قدرة تملكها، ولا في قدرتها على التفاوض، وهي قدرة مفتوحة، وإنما في قدرتها على تحويل أحد المسارين إلى نهاية سياسية قابلة للاستمرار.