أزمة الكهرباء والوقود تكشف مأزق "ليبيا النفطية"
طرابلس - لم تعد أزمة الكهرباء والوقود في ليبيا مجرد مشكلة موسمية ترتبط بارتفاع درجات الحرارة، بعدما تحولت خلال الصيف الحالي إلى عبء يطال قطاعات واسعة من الحياة اليومية والنشاط الاقتصادي. فموجات الحر رفعت الطلب على الكهرباء وشغّلت أجهزة التكييف إلى أقصى طاقتها، لكن الضغط الاستثنائي كشف في الوقت نفسه هشاشة شبكة تعاني منذ سنوات من تقادم البنية التحتية ونقص إمدادات الغاز واضطراب قطاع الوقود. وفي بلد نفطي يمتلك أكبر احتياطيات مؤكدة من الخام في شمال أفريقيا، بات انقطاع الكهرباء ونقص الديزل وطوابير محطات الوقود وجهًا آخر لأزمة أعمق في إدارة موارد الطاقة.
وتقدم تجربة أصحاب الأعمال صورة مباشرة عن حجم الكلفة. فنسيم العكاري، الذي يدير سلسلة مطاعم في طرابلس، يقول إن خسائره بسبب انقطاعات الكهرباء بلغت نحو 40 ألف دولار خلال بضعة أشهر، بعدما اضطر إلى تشغيل مولدات خاصة وشراء الديزل من السوق السوداء للحفاظ على مخزون الأغذية وتشغيل مطاعمه. وفي منطقة قصر بن غشير جنوب طرابلس، يمكن أن يمتد انقطاع التيار إلى 36 ساعة، بما يرفع فاتورة تشغيل المولدات إلى نحو 10 آلاف دينار، أي قرابة 1600 دولار يوميًا.
ولا تقف تداعيات الانقطاع عند أصحاب المطاعم والمتاجر. ففي بنغازي، يقول سفيان بوشعالة، مدير محل حلويات عائلي، إن انقطاع الكهرباء دفع الشركة إلى تسريح موظفين وإغلاق المحل أحيانا لأيام. وفي قطاع المياه، أدى انقطاع شامل للتيار إلى توقف إمدادات من مشروع النهر الصناعي العظيم، وهو أحد أهم مصادر المياه في ليبيا، بما يكشف أن أزمة الكهرباء يمكن أن تنتقل بسرعة إلى خدمات أساسية أخرى.
وتأتي موجات الحر في مقدمة العوامل المباشرة التي فجرت الأزمة الحالية. فقد أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة استخدام أجهزة التكييف، وبالتالي رفع الأحمال على شبكة الكهرباء. لكن الباحث جلال حرشاوي يرى أن الأمر يتعلق بتضافر عوامل عدة، بينها تراجع إنتاج الغاز الطبيعي، ما دفع بعض محطات الكهرباء إلى استخدام الوقود، في وقت تتعرض فيه إمدادات الوقود نفسها لضغوط بسبب التهريب.
وهنا تظهر المفارقة الليبية بأوضح صورها. فالبلاد ليست دولة تفتقر إلى موارد الطاقة، بل دولة نفطية كبيرة تعتمد في الوقت نفسه بدرجة كبيرة على استيراد المنتجات النفطية المكررة التي تبيعها بأسعار مدعومة. وبدل أن تتحول الوفرة النفطية إلى شبكة كهرباء مستقرة وسوق وقود منتظم، أصبح الدعم الواسع والاختلالات في منظومة التوزيع بيئة تسمح بتسرب جزء من المنتجات إلى السوق السوداء وخارج البلاد.
ما لم تتحول معالجة الكهرباء والوقود من استجابة موسمية للأعطال والطوابير إلى إصلاح طويل الأمد للبنية التحتية والمؤسسات وسوق الوقود، فإن كل موجة حر جديدة ستعيد طرح السؤال نفسه
وتقدر منظمة «ذا سنتري» أن تهريب الوقود يكلف ليبيا مليارات الدولارات سنويا، فيما خلصت تقديراتها إلى أن أكثر من نصف الوقود المستورد يمكن أن تستنزفه شبكات إجرامية. وتكشف هذه الأرقام، إذا صحت، أن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية الوقود التي تدخل البلاد، وإنما بقدرة المؤسسات على ضمان وصوله إلى المستهلكين بالسعر الرسمي.
ويزيد تقادم البنية التحتية من صعوبة معالجة الأزمة. فقد دمرت الحرب التي شهدتها طرابلس عام 2014 تسعة صهاريج تخزين في العاصمة، ولم تتم إعادة تأهيلها حتى الآن، وفقا لمسؤول في شركة البريقة لتسويق النفط. كما أن المصافي الليبية، رغم قدرتها النظرية على معالجة مئات آلاف البراميل يوميا، تعمل بمستويات أقل بكثير من طاقتها، ما يترك البلاد أكثر اعتمادا على الواردات لتغطية احتياجات السوق المحلية.
ولا تنفصل هذه المشكلات عن الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات. فالبلاد ما زالت منقسمة بين سلطات متنافسة في الشرق والغرب، فيما يظل قطاع الطاقة أحد أكثر المجالات حساسية لهذا الانقسام. وتصبح إدارة الكهرباء والوقود بذلك جزءا من مشكلة أوسع تتعلق بقدرة مؤسسات الدولة على اتخاذ قرارات موحدة وإدارة الموارد وتطوير البنية التحتية على أساس طويل الأمد.
وتأتي التطورات الأمنية الأخيرة لتضيف ضغطا جديدا. فقد تعرض مجمع نفطي في الزاوية، التي تضم المصفاة الرئيسية في البلاد وتقع غرب طرابلس، لهجوم بطائرة مسيرة الشهر الماضي، في وقت تعاني فيه سوق الوقود أصلًا من اختناقات. كما قال مسؤول في شركة البريقة إن الاضطرابات في مسارات الشحن عبر مضيق هرمز أدت إلى تأخير بعض شحنات الوقود بما يصل إلى 12 يوما، ما يوضح كيف يمكن للأزمات الإقليمية أن تنتقل إلى السوق الليبية رغم أن البلاد منتجة للنفط.
وهذا البعد الخارجي مهم، لكنه لا يفسر وحده الأزمة. فليبيا تنتج النفط بكميات كبيرة، إلا أن إنتاج الخام لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة متكاملة لإنتاج الكهرباء وتكرير الوقود وتخزينه وتوزيعه بكفاءة. وكلما زادت هشاشة هذه الحلقات، أصبحت البلاد أكثر تعرضا لتقلبات الأسواق العالمية وأزمات النقل والشحن.
ويبدو أن المواطن والشركات الصغيرة والمتوسطة يدفعون الثمن الأكبر لهذه الاختلالات. فصاحب المطعم الذي يشتري الديزل بأسعار السوق السوداء لا يستطيع تحميل كامل الكلفة على المستهلك من دون خسارة زبائنه، وصاحب المتجر الذي يغلق أبوابه بسبب انقطاع الكهرباء يخسر الإيرادات والعمال في الوقت نفسه. وهكذا تتحول أزمة الطاقة من ملف حكومي إلى تكلفة اقتصادية يومية تضغط على الأسعار وفرص العمل واستمرارية الأنشطة التجارية.
وتحاول السلطات وشركة البريقة تخفيف الاختناقات من خلال إجراءات مؤقتة، بينها إنشاء محطة وقود متنقلة ووضع سقف للكميات المسموح بها لكل مركبة. لكن استمرار طوابير الانتظار لساعات يشير إلى أن الحلول الطارئة لا تعالج أصل المشكلة.
وتكشف أزمة الصيف الحالي، في النهاية، أن المشكلة الليبية ليست نقصا في النفط بقدر ما هي أزمة في تحويل موارد الطاقة إلى خدمات مستقرة. فالحرارة كشفت ضعف شبكة الكهرباء، ونقص الكهرباء كشف هشاشة قطاع المياه، ونقص الديزل كشف اضطراب منظومة التوزيع، بينما كشف تهريب الوقود وقصور المصافي والبنية التحتية عن تكلفة مؤسسات منقسمة ومنظومة دعم يصعب ضبطها.
وبذلك تصبح المفارقة أكثر وضوحا: ليبيا لا تعاني من ندرة الطاقة، وإنما من صعوبة إدارة وفرتها. وما لم تتحول معالجة الكهرباء والوقود من استجابة موسمية للأعطال والطوابير إلى إصلاح طويل الأمد للبنية التحتية والمؤسسات وسوق الوقود، فإن كل موجة حر جديدة ستعيد طرح السؤال نفسه: كيف يمكن لبلد نفطي أن يبقى عاجزا عن توفير أبسط احتياجات الطاقة لسكانه؟