الشرطة النسائية.. توسيع دور السوريات في أمن الوطن
دمشق- شهدت سوريا خلال الأشهر الماضية تحولاً ملحوظاً في صورة قوى الأمن الداخلي، حيث أصبحت النساء يرتدين الزي الرسمي ويحملن السلاح في مواقع سياحية ومراكز تدريبية، في مشهد كان نادراً قبل سنوات قليلة.
ولم يعد الأمر مقتصراً على مشاركات رمزية أو إدارية محدودة، بل تحول إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى توسيع حضور السوريات في العمل الشرطي والأمني. جاءت هذه السياسة ضمن جهود إعادة بناء المؤسسات الأمنية بعد التحرير، مع التركيز على تحديثها وتكييفها مع متطلبات المرحلة الجديدة.
وفي 14 مارس 2026، افتتح وزير الداخلية أنس خطاب معهد الشرطة النسائية في مدينة التل بريف دمشق، معلناً أنه مركز متخصص لإعداد وتأهيل الكوادر النسائية للعمل في مختلف الاختصاصات الأمنية والشرطية.
وأكد الوزير أن تجهيز المعهد وإعداد مناهجه استغرق نحو عام من العمل المتواصل، بهدف توفير بيئة تدريبية حديثة تواكب المعايير المهنية وتحترم الخصوصية المجتمعية. وصف خطاب المرأة السورية بأنها شريكة لا غنى عنها في حفظ الأمن العام، مشيراً إلى أن الوزارة أولت هذا الملف أولوية منذ اليوم الأول بعد التحرير.
وتولت العميد هدى محمود سرجاوي إدارة المعهد، مؤكدة أن إنشاؤه يندرج ضمن رؤية وطنية لتطوير العمل الشرطي وتحديثه. يشمل المنهج العلوم الشرطية والقانونية، والتدريب البدني والعسكري، والمهارات الميدانية، بالإضافة إلى وحدات متخصصة في حماية الأسرة والطفل ومواجهة العنف المجتمعي. يستوعب المعهد حالياً نحو 200 متدربة في كل دورة مدتها أربعة أشهر، وسط إقبال كبير تجاوز 15 ألف طلب في الدفعة الأولى.
وسبق افتتاح المعهد خطوة عملية تمثلت في فتح باب الانتساب إلى الشرطة السياحية في أواخر 2025. اشترطت الوزارة على المتقدمات أن يكنّ بين 18 و26 عاماً، حاصلات على الشهادة الثانوية، حسنات السيرة، متقنات لغة أجنبية واحدة على الأقل، وأن لا يقل طولهن عن 160 سم.
وظهرت الشرطيات السياحيات في مواقع سياحية ومعارض، مثل معرض دمشق الدولي، حيث أسهم حضورهن في تسهيل تفتيش النساء وتقديم التوجيه للزوار، مما عزز الشعور بالراحة والأمان لدى السياح. أوضحت مديرة المعهد أن الأولوية أُعطيت للشرطة السياحية لتكون جاهزة بحلول موسم السياحة الصيفي، على أن تتوسع المشاركة لاحقاً إلى باقي أقسام الوزارة.
في أبريل 2026، بدأت الدفعة الأولى من المنتسبات تدريبها الفعلي، الذي يجمع بين التأهيل العسكري والبدني المكثف والدراسة القانونية والشرطية ومهارات التواصل والانضباط.
وأكدت الوزارة أن هذه الدفعة تجسد استراتيجيتها في رفد الوحدات المختلفة بكوادر نسائية مؤهلة قادرة على المساهمة في حفظ الأمن والنظام العام. كما شهد المعهد دمج بعض الضابطات المنشقات عن النظام السابق، بعد تقييم حالاتهن، واعتمادهن كمدربات في بعض الحالات.
ويحمل توسيع دور النساء أبعاداً أمنية ومجتمعية متعددة. من الناحية الأمنية، يسهم وجود الشرطيات في التعامل مع قضايا تتطلب حضوراً نسائياً، مثل حالات العنف الأسري وتفتيش النساء والأطفال، مما يحسن جودة الخدمة الأمنية ويقلل من الحواجز الثقافية. كما يعزز الثقة العامة في المؤسسة الأمنية، خاصة في المناطق السياحية والمجتمعات المحافظة. أما اجتماعياً، فيُنظر إلى هذه الخطوة كوسيلة لتمكين المرأة وبناء ثقتها بنفسها، وإشراكها في بناء الدولة بعد سنوات الحرب. أشارت بعض التقارير إلى أن المتقدمات يأتين من خلفيات متنوعة: محاسبات، أرامل حرب، نساء شاركن في الثورة، وأخريات يسعين إلى فرصة عمل مستقرة.
لا يخلو المسار من تحديات. يواجه المجتمع السوري بعض التحفظات التقليدية حول عمل المرأة في المجالات الأمنية، خاصة تلك التي تتطلب حمل السلاح والعمل الميداني.
وظهرت تعليقات على وسائل التواصل تشكك في ملاءمة الدور أو تطالب بمراعاة الحجاب والخصوصية. كما أن شروط العمر والطول والشهادة قد تحد من مشاركة فئات أوسع، مثل الأرامل الأكبر سناً أو زوجات الشهداء. ومع ذلك، أكدت القيادات الأمنية أن التوجيهات تحمي الحريات الشخصية، وأن التوسع سيشمل تدريجياً احتياجات البلاد المختلفة.
يأتي هذا التوجه في سياق أوسع لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية. في شمال شرق سوريا، كانت وحدات حماية المرأة قد لعبت دوراً قتالياً بارزاً ضد تنظيم داعش، وتجري حالياً نقاشات حول إمكانية اندماج بعض عناصرها في وزارة الداخلية ضمن قوات المهام الخاصة، بعد استبعاد خيار الاندماج في الجيش كتشكيل نسائي مستقل.
ويرى مراقبون أن نجاح الشرطة النسائية في المناطق الخاضعة لسيطرة دمشق قد يفتح الباب أمام نماذج أكثر تنوعاً لمشاركة المرأة في الأمن.
يمثل توسيع دور السوريات في الشرطة أكثر من مجرد زيادة أرقام. إنه اختبار لقدرة الدولة الجديدة على بناء مؤسسات شاملة تحترم التنوع الاجتماعي وتستجيب لاحتياجات الأمن المجتمعي.
وإذا نجحت البرامج التدريبية في تخريج كوادر محترفة، وتمكنت الوزارة من توسيع الانتشار الجغرافي والوظيفي دون إثارة انقسامات مجتمعية، فقد يصبح هذا النموذج ركيزة في تعزيز الاستقرار والثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية.
ورغم أن الطريق لا يزال في بدايته، لكن الخطوات المتسارعة منذ أواخر 2025 حتى صيف 2026 تشير إلى إرادة واضحة في جعل المرأة شريكة حقيقية في حماية الوطن، لا مجرد حضور رمزي.