ارتباك باكستاني: حلف مكة دفاعي لكن دون حرب
إسلام أباد – يضع التصعيد الحوثي ضد السعودية اتفاق مكة الدفاعي بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة أمام أول اختبار فعلي، ويكشف في الوقت نفسه عن مساحة غموض في الموقف الباكستاني بشأن معنى الالتزام الذي يفترض أن يوفره الاتفاق. فبينما تؤكد إسلام آباد أن الاتفاق يقوم على الردع الجماعي والدفاع عن الدول الثلاث، تتجنب تحديد طبيعة المساعدة التي يمكن أن تقدمها للسعودية إذا استمرت الهجمات، وتقول إن آليات التفعيل تندرج ضمن التفاصيل العملياتية والأمنية التي لا تكشف عنها الدول عادة.
وجاء أحدث توضيح باكستاني على لسان المدير العام للعلاقات العامة في الجيش، الليفتنانت جنرال أحمد شريف تشودري، الذي قال في مقابلة مع «العربية الإنجليزية» إن اتفاق مكة «دفاعي» ولا يحمل أي طموحات إقليمية أو طبيعة هجومية، وإن هدفه هو تحقيق الردع الجماعي. لكنه عندما سئل عن كيفية استجابة الدول الثلاث إذا تعرضت إحداها لهجوم، رفض تحديد آليات التنفيذ، قائلاً إن الأمر يعود إلى الدول الثلاث وإن التفاصيل تدخل في التصنيف العملياتي والأمني.
المفارقة أن هذا التوضيح يأتي بينما تتعرض السعودية لهجمات متواصلة من الحوثيين، طالت مدناً ومنشآت حيوية ومنشآت للطاقة، فيما أعلنت الرياض اليوم اعتراض مسيّرة قالت إنها أطلقت من جانب الحوثيين قرب مكة، وهو ما نفاه الحوثيون. ومع استمرار التصعيد، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كان الاتفاق دفاعياً ويقوم على الردع الجماعي، فأين تبدأ الالتزامات العسكرية ومتى تتحول من مفهوم سياسي إلى استجابة عملية؟
كانت إسلام آباد قد قدمت في وقت سابق رسالة أكثر وضوحاً. فقد قال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف إن تعرض السعودية لعدوان غير مبرر أو امتداد الحرب اليمنية إلى أراضي المملكة يمكن أن يجعل اتفاق مكة عملياً، مؤكداً أن ذلك يجب ألا يكون موضع شك. لكن وزارة الخارجية الباكستانية قالت بعد ذلك إنه لم تجر مناقشة أي رد عسكري في إطار الاتفاق على الهجمات الحوثية، وإن باكستان ملتزمة بالاتفاق لكنها لا تبحث في الوقت الراهن إجراءات عسكرية.
وهكذا ظهرت ثلاث طبقات في الخطاب الباكستاني: التزام بالدفاع المشترك، وإشارة إلى احتمال تفعيل الاتفاق إذا امتد العدوان إلى السعودية، ثم تحفظ عن أي حديث عن استجابة عسكرية محددة. ولم يبدد تصريح قائد العلاقات العامة في الجيش هذا الغموض، بل نقله إلى مستوى آخر حين أكد أن طريقة تنفيذ الالتزامات من اختصاص الدول الثلاث وأن تفاصيلها غير معلنة.
وقد يكون هذا الغموض مقصوداً في حد ذاته. فالاتفاق لا يشترط بالضرورة، وفق ما هو معلن، أن تكون الاستجابة لهجوم على عضو في صورة حرب مفتوحة أو إرسال قوات إلى ساحة المعركة. فالتحالفات الدفاعية يمكن أن تتضمن أشكالاً متعددة من المساعدة، تبدأ بالمعلومات والاستخبارات والدفاع الجوي والتسليح، ولا تنتهي بالانتشار العسكري المباشر. لكن المشكلة بالنسبة إلى اتفاق مكة أن هذه الحدود لم تتضح علناً بعد، في وقت أصبح فيه أحد أطرافه، السعودية، تحت هجوم فعلي.
وتشير قراءات متخصصة إلى أن الاتفاق لا يحدد علناً حتى الآن عتبات التدخل أو قواعد الاشتباك أو الآليات التي تنتقل بها الدول الثلاث من التشاور إلى المساعدة العسكرية. كما أن تركيا وباكستان لم تعلنا تفعيل الاتفاق في مواجهة الهجمات الحوثية، رغم تصاعدها.
ويبدو أن باكستان تحاول الحفاظ على توازن دقيق. فمن جهة، ترتبط بعلاقة أمنية عميقة مع السعودية، ولديها وجود عسكري وتعاون دفاعي طويل الأمد مع المملكة، ولا تستطيع تجاهل تهديد يستهدف أمنها. ومن جهة أخرى، لا تبدو إسلام آباد راغبة في الانخراط مباشرة في حرب اليمن أو في مواجهة مفتوحة مع الحوثيين وإيران، خصوصاً أن موقعها الجغرافي يجعلها أكثر حساسية تجاه أي توسع للحرب في المنطقة.
الاتفاق لا يحدد علناً حتى الآن عتبات التدخل أو قواعد الاشتباك أو الآليات التي تنتقل بها الدول الثلاث من التشاور إلى المساعدة العسكرية
لذلك قد يكون الفرق مهماً بين الدفاع عن السعودية والدخول في الحرب السعودية ضد الحوثيين. فباكستان يمكن أن ترى أن حماية الأراضي السعودية ومنشآتها ومجالها الجوي تدخل في صلب التزامها الدفاعي، بينما لا يعني ذلك بالضرورة إرسال قوات إلى اليمن أو المشاركة في عمليات هجومية ضد الحوثيين.
وهذا التمييز قد يكون هو المخرج الذي تبحث عنه إسلام آباد للحفاظ على الاتفاق من دون تحويله إلى التزام بحرب مفتوحة. فبدلاً من نقل المعركة إلى اليمن، يمكن أن تتجه المساعدة إلى تعزيز الدفاع الجوي السعودي، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وتوفير المعدات أو الطائرات والقدرات التقنية، وربما المساهمة في حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية.
كما أن باكستان تحاول إبقاء الاتفاق بعيداً عن صورة المحور العسكري الموجه ضد دولة بعينها. فقد شدد تشودري على أن الاتفاق لا يستهدف أي دولة ولا يحمل طموحات إقليمية، وأن علاقات الدول الثلاث مع قوى وتكتلات أخرى ستستمر بصورة مستقلة. وقال إن الاتفاق يمكن أن يستوعب شركاء جدد يؤمنون بالسلام والاستقرار وعدم العدوان وعدم التدخل والردع الجماعي.
وتكشف هذه اللغة أن إسلام آباد تريد للاتفاق أن يكون مظلة ردع أكثر من كونه تحالف حرب. فالغرض الأساسي من التحالفات الدفاعية هو أحياناً منع الخصم من اختبارها، وليس بالضرورة خوض الحرب في كل مرة يقع فيها هجوم. لكن نجاح هذا المنطق يتوقف على وضوح الالتزامات، لأن الغموض المفرط قد يضعف الردع بدلاً من تعزيزه.
وهنا تكمن أولى مشكلات اتفاق مكة. فإذا كانت السعودية تواجه تهديداً عسكرياً متصاعداً، بينما يظل شريكاها في الاتفاق خارج الحرب، فإن الرياض ستحتاج إلى معرفة حدود ما يمكن أن تحصل عليه من الحلفاء قبل أن تراهن على الاتفاق باعتباره جزءاً من منظومتها الأمنية.
في المقابل، لا يعني عدم مشاركة باكستان عسكرياً حتى الآن أن الاتفاق فقد قيمته. فالتحالف حديث العهد، ولم تكتمل بعد آلياته ومؤسساته، كما أن اللجوء إلى الدبلوماسية والردع والمساعدة الدفاعية يمكن أن يكون جزءاً من مفهوم الأمن الجماعي الذي صاغته الدول الثلاث.
لكن الحرب الحوثية تضع هذا المفهوم أمام اختبار لم يكن نظرياً. فالسؤال لم يعد فقط ماذا يقول اتفاق مكة، وإنما ماذا يعني عندما تتعرض السعودية فعلاً للهجوم؟
حتى الآن، الإجابة الباكستانية تقول إن الاتفاق دفاعي، وإن الردع جماعي، وإن الالتزامات قائمة، لكن كيفية ترجمة ذلك إلى عمل عسكري تبقى في المنطقة المغلقة من الاتفاق. وبين «الدفاع المشترك» و«المشاركة في الحرب» تحاول إسلام آباد رسم مساحة ثالثة: دعم السعودية وحمايتها من دون أن تصبح طرفاً مباشراً في حرب اليمن.
وقد يكون نجاح هذا التوازن هو الاختبار الحقيقي لباكستان، أكثر من اختبار الاتفاق نفسه. فالمملكة تحتاج إلى حلفاء قادرين على تحويل الردع إلى حماية، بينما تحتاج إسلام آباد إلى الحفاظ على التزاماتها من دون الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة. وبين المصلحتين يبقى حلف مكة أمام السؤال الأصعب: هل يكفي أن يكون دفاعياً كي يكون رادعاً، أم أن الردع يحتاج في لحظة الاختبار إلى أن يثبت كيف سيقاتل؟