سمنة طلاب الأردن: المدرسة جزء من المشكلة

ثلث المراهقين يعانون زيادة الوزن أو السمنة.. وعمّان تشدد الرقابة على المقاصف وتعيد الاعتبار لحصص الرياضة
الثلاثاء 2026/09/15
السمنة تهدد نمط حياة المراهقين

عمان – لم تعد السمنة بين طلبة المدارس في الأردن مجرد مسألة مرتبطة بعادات غذائية منزلية أو بخيارات فردية للمراهقين، بعدما أظهر مسح صحي أن نحو ثلث الطلبة بين 13 و17 عامًا يعانون زيادة الوزن أو السمنة. والأكثر دلالة أن المشكلة تتزامن مع ضعف واضح في النشاط البدني داخل المدرسة، ما يضع البيئة المدرسية نفسها أمام اختبار صحي يتجاوز مهمة التعليم التقليدية. فحين يكون الطعام غير الصحي متاحًا في المقصف، وحصص الرياضة قابلة للتعطيل أو الاستبدال، ولا يمارس سوى عدد محدود من الطلبة النشاط البدني المطلوب، تصبح المدرسة جزءًا من المشكلة التي يفترض أن تساعد على حلها.

وكشف وزير الصحة الأردني إبراهيم البدور، مساء الأحد، أن 32.9 بالمئة من طلبة المدارس يعانون زيادة الوزن أو السمنة، استنادًا إلى نتائج المسح العالمي للصحة المدرسية في الأردن، الذي أعدته وزارتا الصحة والتربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، بدعم من منظمة الصحة العالمية.

وتوزعت النسبة بين 20.8 بالمئة من الطلبة الذين يعانون زيادة الوزن و12.1 بالمئة ممن يعانون السمنة، وهي أرقام تمنح المشكلة بعدًا يتجاوز الحالات الفردية، خصوصًا أن الحديث يتعلق بمراهقين تتشكل خلال هذه المرحلة عاداتهم الغذائية ونمط حياتهم الذي قد يستمر معهم إلى مرحلة البلوغ.

لكن الجانب الأكثر إثارة في نتائج المسح يتعلق بالنشاط البدني. فقد أظهرت البيانات أن 12 بالمئة فقط من الطلبة يمارسون نشاطًا بدنيًا لأكثر من 60 دقيقة يوميًا خلال أيام الأسبوع، بينما لم يشارك 31.5 بالمئة منهم في حصص الرياضة المدرسية.

وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة واضحة: في الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة إلى الحركة والنشاط لمواجهة زيادة الوزن، لا يحصل معظم الطلبة على الحد الأدنى من النشاط البدني الموصى به. وهو ما يجعل المدرسة ساحة أساسية لأي سياسة تريد معالجة الظاهرة، لا مجرد مكان لرصد نتائجها.

وتبدو وزارة الصحة الأردنية مدركة لهذا البعد، إذ وجهت إلى وزارة التربية اشتراطات صحية وقوائم بالأغذية والمشروبات المسموح والممنوع بيعها في المقاصف المدرسية، في محاولة لإعادة تنظيم البيئة الغذائية التي يتعرض لها الطلبة يوميًا.

وتشمل الأصناف الممنوعة الشيبس الذي يحتوي على منكهات ومواد مصنعة، والمشروبات الغازية ومشروبات الطاقة، إلى جانب المشروبات والعصائر المحضرة يدويًا أو التي تحتوي على أصباغ. كما دعت الوزارة إلى تفعيل لجان الرقابة وتنفيذ جولات دورية في المدارس الحكومية والخاصة للتحقق من الالتزام بالقواعد الجديدة.

المشكلة تتزامن مع ضعف واضح في النشاط البدني داخل المدرسة، ما يضع البيئة المدرسية نفسها أمام اختبار صحي يتجاوز مهمة التعليم التقليدية

ولا تبدو هذه الإجراءات تفصيلًا إداريًا صغيرًا، بالنظر إلى أن المقصف المدرسي يمثل بالنسبة إلى كثير من الطلبة مصدرًا يوميًا للوجبات الخفيفة والمشروبات. وبالتالي فإن تغيير ما يعرضه المقصف يمكن أن يؤثر، ولو تدريجيًا، في الاختيارات الغذائية لقطاع واسع من الأطفال والمراهقين.

غير أن ضبط المقصف وحده لن يكون كافيًا إذا بقي النشاط الرياضي في موقع هامشي داخل اليوم الدراسي. ولذلك دعت وزارة الصحة إلى تفعيل حصص التربية الرياضية بانتظام وعدم استبدالها بحصص دراسية أخرى، إلى جانب إدراج تمارين حركية في الطابور الصباحي وفترات الاستراحة، وتوسيع مشاركة الطلبة في الأنشطة الرياضية.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن النشاط البدني لدى الأطفال والمراهقين يرتبط بفوائد تتجاوز التحكم في الوزن، إذ يسهم في تحسين اللياقة وصحة العظام والصحة النفسية، ما يجعل تعزيز الحركة جزءًا من الوقاية الصحية الشاملة وليس مجرد وسيلة لمحاربة السمنة.

ويكتسب هذا التوجه أهمية أكبر مع بدء العام الدراسي 2026-2027 في الأردن، حيث توجه نحو 2.2 مليون طالب وطالبة إلى المدارس في مختلف أنحاء المملكة. فكل تغيير في البيئة الغذائية أو الرياضية للمدرسة يمكن أن يصل إلى شريحة واسعة من المجتمع، ويمنح المؤسسات التعليمية دورًا مباشرًا في تشكيل سلوك صحي لدى جيل كامل.

لكن نجاح المقاربة الجديدة سيظل مرتبطًا بقدرة المدارس على تطبيقها فعليًا، وبمدى تعاون الأسر، فضلًا عن توفير بدائل غذائية ورياضية جذابة للطلبة. فحظر المشروبات الغازية أو بعض أنواع الأغذية قد يحد من التعرض لها داخل المدرسة، لكنه لا يمنعها خارجها، كما أن إلزام المدارس بحصص الرياضة لا يعني بالضرورة أن المراهق سيصبح أكثر نشاطًا في حياته اليومية.

ومن هنا تبدو معركة الأردن مع سمنة الطلبة أوسع من تعديل قائمة الممنوعات في المقصف. إنها محاولة لإعادة تعريف المدرسة باعتبارها بيئة صحية متكاملة، لا فضاءً للتعليم فقط. فالطالب الذي يتعلم أهمية الغذاء الصحي والنشاط البدني داخل المدرسة يحتاج إلى أن يجد البيئة نفسها تشجعه على تطبيق ما يتعلمه.

وتضع نتائج المسح الأردن أمام حقيقة يصعب تجاهلها: السمنة بين المراهقين ليست مشكلة أجسام تتغير، وإنما مشكلة نمط حياة يتشكل. وإذا كانت المدرسة جزءًا من هذا النمط، فإن إصلاحها يصبح جزءًا أساسيًا من الحل.