ضغط العمل يستنزف النساء

دراسة تونسية تكشف حجم الإجهاد المهني وتفتح سؤالاً أوسع حول تأثير بيئة العمل على الصحة النفسية للنساء.
الاثنين 2026/09/14
إجهاد مهني وعزلة اجتماعية

تونس- كشفت دراسة علمية حديثة في تونس عن حجم لافت من التوتر المهني وانعكاساته على جودة حياة النساء العاملات في القطاع الخاص، في نتائج تضع الصحة النفسية في قلب النقاش حول ظروف العمل وتوازن الحياة المهنية والخاصة. ورغم أن الدراسة اقتصرت على عينة من النساء العاملات في مؤسسات خاصة بولاية سوسة، فإن نتائجها تفتح باباً أوسع للنظر في ظاهرة تتجاوز الحدود التونسية، وتتعلق بالكلفة النفسية والاجتماعية التي يمكن أن تفرضها بيئات العمل الحديثة على النساء.

وأجريت الدراسة بين مايو 2018 وديسمبر 2019 وشملت 1042 امرأة عاملة في مؤسسات منخرطة في مجمع طب الشغل بولاية سوسة. وأظهرت أن 14.4 في المئة من المشاركات يعانين من إجهاد مهني مرتفع، بينما بلغت نسبة اللواتي يجمعن بين الإجهاد المهني والعزلة الاجتماعية 11.3 في المئة. والأكثر لفتاً أن الدراسة سجلت تدهوراً في جودة الحياة النفسية لدى 86.8 في المئة من المشاركات، بما يعكس اتساع الفجوة بين مجرد وجود وظيفة وبين قدرة المرأة على الحفاظ على مستوى صحي من الرفاه النفسي أثناء العمل.

ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجمها داخل العينة التونسية فقط، وإنما في أنها تعيد طرح سؤال عالمي حول العلاقة بين العمل والصحة النفسية. فقد أصبح الضغط المهني جزءاً متزايداً من الحياة اليومية للموظفين، نتيجة ارتفاع متطلبات الإنتاجية، وسرعة وتيرة العمل، وعدم وضوح الحدود بين ساعات العمل والوقت الخاص، فضلاً عن الخوف من فقدان الوظيفة في قطاعات تواجه تحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة.

لكن النساء يواجهن في كثير من البيئات المهنية طبقة إضافية من الضغوط. فدخول المرأة إلى سوق العمل لم يؤد دائماً إلى اختفاء الأعباء التقليدية المرتبطة بالأسرة والرعاية المنزلية، وإنما أضاف في حالات كثيرة مسؤوليات مهنية إلى مسؤوليات أسرية مستمرة. وهكذا يمكن أن تجد المرأة نفسها مطالبة بتحقيق الكفاءة والإنتاجية في مكان العمل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أدوار أسرية واجتماعية لا تزال موزعة بصورة غير متكافئة.

وتشير الأدبيات الدولية حول الصحة المهنية إلى أن المشكلة لا ترتبط بعدد ساعات العمل وحده. فالشعور بعدم السيطرة على المهام، وضعف الدعم من الإدارة والزملاء، وانعدام الأمان الوظيفي، والتمييز والتحرش، وعدم القدرة على تحقيق التوازن بين العمل والحياة الخاصة، كلها عوامل يمكن أن تجعل بيئة العمل مصدراً دائماً للضغط النفسي.

لم تعد جودة الوظيفة تقاس بالراتب فقط، وإنما أيضاً بما تتركه في حياة العامل من صحة نفسية وجسدية وقدرة على الحفاظ على علاقاته وحياته الخاصة

وتزداد المشكلة تعقيداً عندما يتحول الضغط المؤقت إلى حالة مزمنة. فالإجهاد المهني المستمر لا يبقى محصوراً في ساعات الدوام، بل يمكن أن ينتقل إلى الحياة الخاصة، مؤثراً في النوم والعلاقات الأسرية والمزاج والقدرة على الاسترخاء. ومع الوقت، قد تصبح المرأة موجودة جسدياً في حياتها الخاصة، لكنها تظل ذهنياً مرتبطة بمتطلبات العمل ومشكلاته.

وتقدم الدراسة التونسية مؤشراً مهماً في هذا السياق عندما تربط بين الإجهاد المهني والعزلة الاجتماعية. فالمشكلة لا تتوقف عند الشعور بالتعب أو الضغط، وإنما قد تمتد إلى تقلص شبكة العلاقات والدعم الاجتماعي. وكلما فقد العامل أو العاملة القدرة على الفصل بين الحياة المهنية والخاصة، أصبح الحصول على الدعم النفسي والاجتماعي أكثر صعوبة.

كما أن تأثير التوتر لا يقتصر على الصحة النفسية. فقد سجلت الدراسة متوسطاً للصحة الجسدية المدركة بلغ 38.83 نقطة، مقابل 43.19 نقطة للصحة النفسية، وهي مستويات أدنى من النطاق الذي اعتبرته الدراسة طبيعياً. وهذا يعكس العلاقة المتداخلة بين الصحة النفسية والجسدية؛ فالضغط المستمر يمكن أن يظهر في صورة اضطرابات النوم والإرهاق وآلام مختلفة وتراجع القدرة على أداء المهام اليومية.

وتطرح هذه النتائج مسؤولية تتجاوز الفرد. ففي كثير من الأحيان يجري التعامل مع الضغط المهني باعتباره مشكلة شخصية، ويُطلب من الموظف أن يتعلم كيفية تحمل الضغط أو إدارته. غير أن بيئة العمل نفسها قد تكون جزءاً من المشكلة، ولذلك فإن معالجة الظاهرة تحتاج إلى مراجعة تنظيم العمل، لا الاكتفاء بدعوة العاملين إلى تحسين قدرتهم الفردية على التكيف.

وتتجه الممارسات الحديثة في إدارة الموارد البشرية بصورة متزايدة إلى إدخال الصحة النفسية ضمن سياسات المؤسسات، من خلال توفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتحسين التواصل داخل فرق العمل، والحد من ساعات العمل المفرطة، وإتاحة قدر أكبر من المرونة، ووضع آليات واضحة للتعامل مع التمييز والتحرش والنزاعات المهنية.

وبالنسبة إلى النساء تحديداً، تبدو الحاجة أكبر إلى سياسات تساعد على تحقيق توازن فعلي بين العمل والحياة الخاصة، لا أن يبقى هذا التوازن مسؤولية فردية تقع بالكامل على عاتق المرأة. فمرونة ساعات العمل، وإجازات الأمومة والرعاية، ودعم المؤسسات للموظفات، وتوزيع أكثر عدالة لمسؤوليات الأسرة، كلها عناصر يمكن أن تخفف من الضغوط المتراكمة.

وتكشف التجربة التونسية في النهاية عن قضية أوسع: لم تعد جودة الوظيفة تقاس بالراتب والاستقرار فقط، وإنما أيضاً بما تتركه في حياة العامل من صحة نفسية وجسدية وقدرة على الحفاظ على علاقاته وحياته الخاصة. وإذا كانت النساء قد قطعن شوطاً كبيراً في الوصول إلى سوق العمل، فإن التحدي التالي يتمثل في ضمان ألا يتحول هذا الحضور إلى مصدر دائم للاستنزاف النفسي.

ومن هنا تصبح نتائج الدراسة التونسية أكثر من مجرد أرقام تخص عينة محددة في سوسة. إنها تذكير بأن نجاح سياسات تشغيل النساء لا يقاس بعدد النساء الموجودات في أماكن العمل فقط، وإنما أيضاً بقدرتهن على العمل من دون أن يدفعن صحتهن النفسية والجسدية ثمناً لذلك.