تونس تعدّل قانون المخدرات لمواجهة الجريمة المنظمة

مكافحة الظاهرة تتطلب مقاربة مزدوجة تقوم على "ضرب العرض وخفض الطلب".
الاثنين 2026/09/14
تحديات متداخلة تهدد نواة المجتمع

تونس- تعتزم تونس تعديل قانون المخدرات رقم 52 لسنة 1992، الذي ظل معمولاً به لأكثر من ثلاثة عقود، في خطوة تهدف إلى تعزيز أدوات مكافحة التهريب وتفكيك شبكات الجريمة المنظمة التي تشهد تنامياً ملحوظاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
ويأتي هذا التوجه في ظل استغلال الجماعات الإجرامية لتكنولوجيات الاتصال الحديثة، ما يجعل الآليات القانونية التقليدية غير كافية لمواجهة التحديات الراهنة.

وأعلن رئيس مصلحة مكافحة المخدرات بإدارة الشرطة العدلية بالقرجاني، محمد علي الشعيبي، أن وزارة الداخلية بصدد العمل على تعديل هذا القانون، مشيراً إلى أن التطور الذي شهدته جريمة المخدرات يفرض تحديث الإطار التشريعي.

وأوضح الشعيبي أن المطالب تتركز على إدخال آليات جديدة تساعد على تفكيك الشبكات، مثل اعتماد طرق تحرٍ خاصة تشمل اعتراض الاتصالات والاختراق، مؤكداً أن هذه الأدوات يجب أن يؤطرها القانون بدقة في ظل استغلال المجرمين للتكنولوجيات الحديثة.

يذكر أن آخر تعديل جزئي للقانون جرى عام 2017، ومنح القضاة سلطة تقديرية في تطبيق ظروف التخفيف المنصوص عليها في الفصل 53 من المجلة الجزائية في بعض قضايا الاستهلاك الشخصي. قبل ذلك، كان القانون يمنع النزول بالعقوبة عن سنة سجناً نافذة حتى على المستهلكين المبتدئين، ما أثار انتقادات حقوقية واسعة اعتبرت أنه أدى إلى تدمير مستقبل أعداد كبيرة من الشبان الذين زلت بهم القدم مرة واحدة.

أما اليوم، فيبقى التركيز على تشديد العقوبات بحق المروجين والمهربين، مع تطوير أدوات التحقيق لمواجهة الشبكات المنظمة.
ويحتل موقع تونس الجغرافي مكانة محورية في مسارات التهريب. وبوصفها دولة متوسطية في شمال أفريقيا وقريبة من أوروبا، تتوسط البلاد مسارات كبرى لنقل مختلف أنواع المواد المخدرة بحراً وجواً وبراً.

وأكد الشعيبي أن كميات كبيرة من الكوكايين وأقراص الإكستازي تدخل عبر الحدود مع ليبيا، التي تحولت منذ 2011، بسبب تردي الأوضاع الأمنية، إلى منطقة تخزين لمختلف المواد، بما فيها الكوكايين والهيروين والأقراص المخدرة، خاصة في المناطق التي تسيطر عليها ميليشيات مسلحة.

وتنسجم هذه المعطيات مع تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الصادر في يناير 2025 تحت عنوان "ديناميكيات الاتجار بالمخدرات في ليبيا وفي أنحاء شمال أفريقيا: الاتجاهات والآثار"، الذي أشار إلى الارتباط الوثيق بين الاتجار بالمخدرات والسياق الأمني في ليبيا، وتنامي دورها كمحطة عبور نحو أسواق المنطقة.

أما أقراص الإكستازي، فتُروج بشكل أساسي في العلب والملاهي الليلية، نظراً لطبيعة تونس كبلد سياحي وشبابي. وفيما يخص أقراص "ليريكا" (الاسم التجاري لمادة البريغابالين المستخدمة طبياً لعلاج آلام الأعصاب والصرع واضطرابات القلق)، فإنها تُهرب من الهند مروراً بتركيا والجزائر وليبيا قبل وصولها إلى تونس.

ويحذر المسؤولون من أن مرور ملايين الأقراص عبر البلاد يخلق سوقاً استهلاكية محلية قائمة بذاتها، حيث يبقى جزء كبير منها داخل الأراضي التونسية.

ولا تشهد تونس زراعة أو إنتاجاً أو تصنيعاً محلياً للمواد المخدرة؛ فكل ما يدخل البلاد يأتي عبر التهريب. ويشارك في هذه الشبكات تونسيون يعملون في نقل البضائع بين أوروبا وتونس، إضافة إلى أفراد من جاليات أفريقية مقيمة في البلاد.

وأشار الشعيبي إلى أن ظاهرة المخدرات أصبحت جريمة منظمة بامتياز، خاصة في فرنسا والفضاء الأوروبي، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في حجم ضبطيات الكوكايين خلال السنوات الخمس الأخيرة.

وتفاقم ظاهرة الأقراص المخدرة بشكل خاص. ففي عام 2020 لم تتجاوز الضبطيات نحو 60 ألف قرص، قبل أن تشهد قفزة كبيرة. وفي سبتمبر 2025، أحبطت السلطات في ميناء رادس شحنة تضم نحو 12 مليون قرص من نوع البريغابالين داخل حاوية قادمة من بلد أوروبي، في أكبر عملية من نوعها في تاريخ البلاد.

وكانت الشحنة موجهة للترويج في الوسط المدرسي واستهداف الفئات الشبابية، ما دفع المسؤولين إلى التأكيد على أن استهداف المؤسسات التربوية يهدف إلى "ضرب نواة المجتمع"، وأن وزارة الداخلية تعمل على تأمين هذه المؤسسات ومحيطها.

وتعكس الأرقام الرسمية حجم التحدي. وارتفع عدد قضايا المخدرات من أكثر من خمسة آلاف قضية في 2020 إلى أكثر من 15 ألفاً في 2025، بينما قفز عدد الموقوفين (مروجين ومهربين ومستهلكين) من نحو عشرة آلاف إلى أكثر من 27 ألفاً خلال الفترة نفسها. ويؤكد الشعيبي أن مكافحة الظاهرة تتطلب مقاربة مزدوجة تقوم على "ضرب العرض وخفض الطلب". فالأول من مهام أجهزة الأمن وحماية الحدود وإنفاذ القانون، بينما الثاني يحتاج إلى جهد تشاركي يبدأ من الأسرة ويمر بالمؤسسات التربوية ووسائل الإعلام ومختلف هياكل المجتمع لتعزيز الوعي بمخاطر المخدرات.

وفي هذا الإطار، شرعت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن منذ 10 سبتمبر 2026 في تنفيذ المرحلة الأولى من برنامج وطني اتصالي للوقاية الشبكية من مخاطر المخدرات، بالتعاون مع الوزارات الأخرى ومؤسسات الإعلام العمومي والمنظمات والجمعيات. ويشدد المسؤولون على أن القانون سيُطبق على كل من يقع تحت طائلته مهما كانت صفته أو مكانته الاجتماعية، بما في ذلك العاملون في مؤسسات الدولة.

ويأتي التعديل المقترح في وقت تواجه فيه تونس تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية متداخلة. فالجريمة المنظمة عبر الحدود تستغل الثغرات الأمنية في الجوار والتطور التكنولوجي، بينما يؤثر انتشار المخدرات، خاصة بين الشباب، على النسيج الاجتماعي والاقتصادي.

ويرى مراقبون أن نجاح التعديلات مرهون بتحقيق توازن دقيق: تشديد الأدوات الاستخباراتية والتحقيقية لمواجهة الشبكات الدولية، مع الحفاظ على ضمانات حقوق الإنسان وتجنب العودة إلى العقوبات الجامدة التي طالت المستهلكين البسطاء سابقاً.