400 ألف تجربة على ريديت تحت مجهر الذكاء الاصطناعي
واشنطن- كشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة عن قدرة الذكاء الاصطناعي على استخراج إشارات صحية من تجارب المستخدمين على الإنترنت، بعدما استخدم الفريق تقنيات تحليل متقدمة لفحص أكثر من 400 ألف منشور على منصة "ريديت"، بحثاً عن الأعراض التي ناقشها مستخدمو أدوية إنقاص الوزن.
وشملت الدراسة منشورات كتبها نحو 70 ألف مستخدم على مدى أكثر من خمس سنوات، وركزت على أدوية شائعة لإنقاص الوزن وعلاج السكري، من بينها سيماجلوتيد وتيرزيباتيد، بهدف رصد أنماط الأعراض التي قد لا تظهر بسهولة في طرق جمع البيانات الصحية التقليدية.
وأتاح هذا الكم الهائل من المحادثات للباحثين فرصة لرصد أنماط صحية تظهر في تجارب المستخدمين اليومية.
واعتمد الفريق على الذكاء الاصطناعي لمعالجة الطريقة المتنوعة التي يصف بها الأشخاص أعراضهم، إذ يمكن للمستخدمين التعبير عن المشكلة الصحية نفسها بكلمات مختلفة تماماً، وهو ما يجعل تصنيفها ومقارنتها على نطاق واسع مهمة معقدة.
وأظهر التحليل أن الأعراض الهضمية كانت من بين أكثر الشكاوى انتشاراً، وهو ما يتوافق مع بعض الآثار الجانبية المعروفة لهذه الأدوية.
لكن اللافت كان ظهور مجموعة أخرى من الأعراض التي تحدث عنها المستخدمون بصورة متكررة، بينها اضطرابات الدورة الشهرية والنزيف بين فترات الحيض والشعور بالقشعريرة أو الحرارة المفاجئة.
كما برز الإرهاق بصورة واضحة في المحادثات التي حللها الباحثون، ليظهر باعتباره واحداً من أكثر الأعراض التي ناقشها المستخدمون، رغم أن حضوره قد يكون أقل وضوحاً في بعض التجارب السريرية أو أنظمة الإبلاغ التقليدية عن الآثار الجانبية.
◄ الفريق اعتمد على الذكاء الاصطناعي لمعالجة الطريقة المتنوعة التي يصف بها الأشخاص أعراضهم، إذ يمكن للمستخدمين التعبير عن المشكلة الصحية نفسها بكلمات مختلفة تماماً
وتضمنت النتائج إشارات إلى تغيرات في درجة حرارة الجسم، مثل الشعور بالبرد والقشعريرة والهبات الساخنة، إلى جانب أعراض أخرى وصفها المستخدمون أثناء تناول أدوية إنقاص الوزن.
ويرى الباحثون أن هذه الإشارات لا تمثل دليلاً على أن الأدوية هي السبب المباشر فيها، لكنها قد توفر نقاطاً تستحق مزيداً من البحث العلمي.
وتكمن أهمية الدراسة في أن التجارب السريرية، رغم بقائها المعيار الأساسي لتقييم سلامة الأدوية، تحتاج عادة إلى وقت طويل وتخضع لشروط محددة عند اختيار المشاركين وجمع البيانات.
أما منصات التواصل الاجتماعي فتسمح برصد تجارب أعداد كبيرة من الأشخاص في وقت أقرب إلى الواقع اليومي.
ويمنح الذكاء الاصطناعي الباحثين قدرة أكبر على التعامل مع هذا الحجم من البيانات، وتحويل آلاف المحادثات غير المنظمة إلى مجموعات من الأعراض والأنماط القابلة للدراسة.
وبهذه الطريقة يمكن أن تتحول المنشورات التي تبدو للوهلة الأولى مجرد تجارب شخصية إلى مصدر لرصد إشارات صحية مبكرة.
مع ذلك، شدد الباحثون على ضرورة التعامل بحذر مع هذه النتائج، لأن مستخدمي "ريديت" لا يمثلون جميع مستخدمي أدوية إنقاص الوزن.
كما أن طبيعة المنصة تجعل البيانات مرتبطة بخصائص مستخدميها، ولذلك لا يمكن اعتبار ما يظهر فيها صورة كاملة عن التجربة الصحية لجميع المرضى.
ولا تثبت الدراسة أن اضطرابات الدورة الشهرية أو التغيرات في الإحساس بدرجة الحرارة أو الإرهاق ناتجة مباشرة عن أدوية إنقاص الوزن، وإنما تكشف عن تكرار هذه الأعراض في روايات المستخدمين. ويحتاج الأمر إلى دراسات سريرية مستقلة للتأكد من وجود علاقة سببية وتحديد حجمها ومدى انتشارها.
ويرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في توسيع نطاق التحليل ليشمل منصات أخرى ومجتمعات مختلفة، بما يساعد على معرفة ما إذا كانت الأنماط نفسها تظهر خارج "ريديت" وبين مستخدمين من دول وشرائح سكانية متنوعة.
وإذا نجحت هذه المقاربة، يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة مساندة لرصد إشارات صحية جديدة بسرعة، من دون أن يحل محل التجارب السريرية أو التقييم الطبي المتخصص.