من دهون الخدين إلى ترميم العظام والقرنية
موسكو- تتحول دهون الخدين من مجرد نسيج يرتبط بشكل الوجه إلى مصدر واعد لخلايا جذعية قد تدخل مستقبلًا في إصلاح الأنسجة وإعادة بناء بعض المناطق المتضررة من الوجه والفكين.
ويتركز الاهتمام العلمي على ما يعرف بالخلايا الجذعية المشتقة من وسادة الدهون الخدية، لما تمتلكه من خصائص تجعلها مرشحة لتطبيقات في الطب التجديدي.
وسادة الدهون الخدية، المعروفة باسم كتل “بيش” الدهنية، هي تجمعات طبيعية من النسيج الدهني تقع في الطبقات العميقة من الخدين.
ويحتوي هذا النسيج على خلايا جذعية وسيطة يمكنها التكاثر والتمايز إلى أنواع مختلفة من الخلايا استجابة للبيئة والإشارات الحيوية المحيطة بها.
وتكمن أهمية هذه الخلايا في قدرتها المحتملة على المساهمة في تكوين أنسجة جديدة، خصوصًا الأنسجة العظمية.
فقد أظهرت تجارب مخبرية أن الخلايا الجذعية المستخلصة من وسادة الدهون الخدية قادرة على التمايز نحو خلايا شبيهة بخلايا العظم، مع إنتاج مكونات مرتبطة بتكوين النسيج العظمي.
◄ خلايا وسادة الدهون الخدية تمتلك إمكانات حقيقية في مجال ترميم العظام، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة تسمح باعتبارها بديلًا شاملًا للطرق التقليدية
هذا الجانب دفع الباحثين إلى دراسة استخدامها في علاج عيوب عظام الفك والوجه، وهي مناطق تحتاج في بعض الحالات إلى ترقيع عظمي أو إجراءات ترميمية معقدة.
وتمثل الاستفادة من نسيج موجود أصلًا في منطقة الوجه احتمالًا لتقليل الحاجة إلى أخذ كميات أكبر من العظم من مناطق أخرى في الجسم.
وفي هذا السياق، توصل باحثون في معهد أبحاث اللمفولوجيا السريرية والتجريبية التابع لمعهد علم الخلايا وعلم الوراثة في فرع سيبيريا للأكاديمية الروسية للعلوم إلى نتائج لافتة بعد دراسة خصائص الخلايا الجذعية المستخرجة من كتل “بيش” الدهنية.
وأظهرت التجارب أن هذه الخلايا قد تمتلك قدرة على الحد من تكوّن بعض الخلايا المرتبطة بتشكّل الندبات بعد إصابات القرنية، وهي نتيجة تفتح مسارًا بحثيًا مختلفًا عن استخدام هذه الخلايا في ترميم العظام، وتطرح احتمال توظيفها مستقبلًا في دعم عملية التئام أنسجة العين.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن إصابات القرنية قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى تكوّن نسيج ندبي يؤثر في شفافية القرنية ووظيفتها البصرية.
ولذلك يدرس الباحثون ما إذا كان التأثير البيولوجي للخلايا الجذعية المشتقة من الدهون الخدية يمكن أن يساعد في الحد من الاستجابة التليفية وتحسين بيئة ترميم الأنسجة.
ولا يعني ذلك أن هذه الخلايا أصبحت علاجًا معتمدًا لإصابات القرنية، إذ ما تزال النتائج في إطار البحث العلمي، وتحتاج إلى دراسات إضافية لتحديد آلية تأثيرها بدقة، ومدى قدرتها على العمل بأمان وفاعلية داخل أنسجة العين.
وفي مراجعة منهجية حديثة شملت الدراسات البشرية المتاحة حتى سبتمبر 2025، وجد الباحثون ست دراسات سريرية فقط، بينها تجربة عشوائية، بإجمالي 49 مريضًا استخدمت فيها الخلايا الجذعية المشتقة من وسادة الدهون الخدية لإعادة بناء عيوب عظمية في منطقة الوجه والفكين.
وأظهرت الدراسات نتائج سريرية وشعاعية إيجابية، مع وجود دلائل نسيجية على تكوّن عظم جديد في بعض الحالات.
لكن هذه النتائج لا تعني أن التقنية أصبحت علاجًا قياسيًا، فعدد المرضى الذين شملتهم الدراسات لا يزال محدودًا، كما تختلف طرق استخراج الخلايا وتحضيرها واستخدامها من دراسة إلى أخرى.
وسادة الدهون الخدية، المعروفة باسم كتل "بيش" الدهنية، هي تجمعات طبيعية من النسيج الدهني تقع في الطبقات العميقة من الخدين
ولذلك تبرز الحاجة إلى تجارب سريرية أكبر لتحديد مدى فعاليتها، والكميات المناسبة، وأفضل طرق دمجها مع المواد المستخدمة في ترميم الأنسجة والعظام.
وتتميز وسادة الدهون الخدية أيضًا بميزة أخرى تهم الباحثين؛ إذ تشير الأدلة إلى أن الخلايا المستخلصة منها قد تمتلك خصائص مرتبطة بتكوين العظم وتكوين الأوعية الدموية، وهو ما يمكن أن يدعم عملية ترميم الأنسجة.
كما أن موقع هذه الدهون يجعل الوصول إليها ممكنًا خلال بعض الإجراءات الجراحية مقارنة بمصادر أخرى للخلايا الجذعية.
ولا يقتصر الاهتمام العلمي بالخلايا الجذعية المشتقة من الدهون على إعادة بناء العظام. فقد بحثت دراسات أخرى في تأثيرها المحتمل على تكوين الأنسجة وإعادة تشكيلها، بينما تتجه أبحاث جديدة إلى دراسة قدرتها على تعديل الاستجابات الالتهابية والتليفية التي تعيق أحيانًا عملية التئام الأنسجة.
وتبرز هنا نقطة طبية مهمة، وهي ضرورة الفصل بين الإمكانات البحثية لهذه الخلايا وبين الادعاءات التجارية المتعلقة بتجديد الوجه أو مكافحة الشيخوخة.
فوجود خلايا جذعية في دهون الخد لا يعني تلقائيًا أن استخدامها يمكن أن يعيد الشباب للوجه أو يعالج الأمراض، كما أن التطبيقات العلاجية تحتاج إلى إثبات فعاليتها وسلامتها من خلال دراسات سريرية دقيقة.
ويحاول الباحثون حاليًا فهم الظروف التي تجعل هذه الخلايا أكثر قدرة على البقاء والتكاثر والتمايز بعد استخدامها في الأنسجة المصابة. وتبقى عملية التحكم في سلوك الخلايا داخل الجسم من أهم التحديات، إلى جانب تحديد الجرعات المناسبة ومراقبة الاستجابة المناعية واحتمالات المضاعفات.
وبالنسبة إلى جراحة الفم والوجه والفكين، تبدو الصورة العلمية أكثر وضوحًا نسبيًا؛ إذ تشير الأدلة الحالية إلى أن خلايا وسادة الدهون الخدية تمتلك إمكانات حقيقية في مجال ترميم العظام، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة تسمح باعتبارها بديلًا شاملًا للطرق التقليدية.
وفي المقابل، تمنح نتائج أبحاث القرنية اتجاهًا جديدًا لدراسة هذه الخلايا خارج نطاق ترميم العظام.