إيران تتحدى فتح هرمز بالقوة

موجة استهداف للسفن تقابل المساعي الأميركية لإعادة الملاحة.. وطهران تراهن على إبقاء كلفة العبور مرتفعة
الأربعاء 2026/09/09
صراع السيطرة على هرمز

طهران – لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تعطل بفعل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما تحول إلى ساحة مواجهة حول سؤال أكثر تعقيداً: من يملك حق تحديد ما إذا كان المضيق مفتوحاً أم مغلقاً؟

ففي الوقت الذي تصر فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن المضيق ما زال مفتوحاً، وتعمل على إعادة حركة السفن عبره بالقوة البحرية، تواصل إيران إرسال رسالة معاكسة من خلال استهداف السفن والتهديد بإقامة مناطق بحرية محظورة، في محاولة لإثبات أن الإعلان الأميركي عن «فتح» هرمز لا يعني بالضرورة عودة الملاحة إلى طبيعتها.

وذكرت وسائل إعلام ‌إيرانية رسمية أن الحرس الثوري أعلن في بيان اليوم الأربعاء أنه هاجم سفينتين أمريكيتين وثماني ناقلات نفط في الخليج؛ وذلك ردا على ما وصفه بهجوم أمريكي استهدف خمس ناقلات نفط إيرانية.

كما ‌ذكر الحرس الثوري ‌أنه هاجم عشر سفن أخرى ‌كانت تحاول عبور منطقة في مضيق هرمز وصفها بأنها “محظورة وغير آمنة”.

وتكشف موجة الاستهداف الجديدة للسفن عن انتقال المواجهة إلى مرحلة مختلفة؛ فبعدما كان المضيق ورقة ضغط استراتيجية في الحرب، باتت الملاحة نفسها هدفاً مباشراً للصراع.

وتراهن واشنطن على أن التفوق البحري الأميركي يمكن أن يحول دون استمرار إغلاق هرمز أو تعطيل حركة التجارة عبره. ولذلك فإن وجود السفن الحربية الأميركية في المنطقة لا يحمل وظيفة عسكرية فقط، وإنما يهدف أيضاً إلى خلق واقع جديد تقول من خلاله واشنطن إن السفن التجارية تستطيع المرور رغم التهديدات الإيرانية.

لكن المشكلة أن «فتح» المضيق من الناحية العسكرية لا يعني بالضرورة عودة الملاحة إلى طبيعتها.

فحتى إذا استطاعت البحرية الأميركية حماية بعض السفن، فإن شركات الشحن وشركات التأمين وأطقم السفن هي التي تتخذ في النهاية قرار المخاطرة بالعبور. وإذا بقي احتمال الاستهداف أو الألغام أو الاحتجاز قائماً، فإن المضيق يمكن أن يبقى عملياً شبه معطل، حتى لو ظلت بعض السفن قادرة على المرور.

وتشير بيانات الملاحة إلى أن حركة العبور ما زالت دون مستوياتها المعتادة، إذ عبرت ست سفن تجارية فقط المضيق الثلاثاء، مقارنة بمتوسط يبلغ نحو 12 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.

وهنا تظهر الفجوة بين «المضيق مفتوح» سياسياً وعسكرياً، و«المضيق مفتوح» تجارياً وملاحياً.

طهران تسعى إلى رفع مستوى المخاطر إلى درجة تجعل السفن التجارية نفسها مترددة في العبور، حتى لو كانت أمريكا مستعدة لتوفير الحماية

وتدرك طهران أن إعادة الملاحة بالقوة يمكن أن تسحب منها واحدة من أهم أوراق الضغط التي تمتلكها في الحرب. ولذلك يبدو استهداف السفن محاولة للحفاظ على قدرة إيران على التأثير في حركة المرور، حتى مع وجود الأسطول الأميركي.

وأعلنت إيران استهداف سفن في محيط هرمز، بينما هدد الحرس الثوري بفرض قيود على حركة الملاحة، في رسالة مفادها أن القوة البحرية الأميركية لا تكفي وحدها لضمان المرور الآمن.

وتتجاوز أهمية هذه العمليات خسائرها المباشرة. فالسفينة التي تتعرض للهجوم لا تمثل فقط هدفاً عسكرياً، وإنما تحمل معها رسالة إلى بقية السفن وشركات الشحن: العبور له ثمن ومخاطر.

وهذا تحديداً ما تحتاج إليه إيران في مواجهة الاستراتيجية الأميركية. فهي لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق بصورة كاملة حتى تستخدمه كسلاح. يكفي أن تجعل المرور مكلفاً أو غير قابل للتنبؤ، بما يدفع الشركات إلى تجنب المنطقة أو تقليص عملياتها.

من هنا يمكن فهم طبيعة المواجهة الجديدة باعتبارها حرباً على كلفة الملاحة أكثر من كونها حرباً على الممر البحري نفسه.

واشنطن تريد تخفيض هذه الكلفة عبر الحماية العسكرية. وكل سفينة تعبر تحت حماية أميركية تمثل بالنسبة إليها دليلاً على أن إيران عاجزة عن إغلاق المضيق.

أما طهران فتسعى إلى العكس: رفع مستوى المخاطر إلى درجة تجعل السفن التجارية نفسها مترددة في العبور، حتى لو كانت الولايات المتحدة مستعدة لتوفير الحماية.

وهذه معادلة يصعب حسمها عسكرياً. فالقوة الأميركية تستطيع حماية سفن محددة، لكنها لا تستطيع إجبار كل شركات النقل البحري على العودة فوراً إلى المنطقة، ولا تستطيع إزالة المخاطر السياسية والتأمينية الناجمة عن استمرار الحرب.

لذلك فإن المعركة الحقيقية تدور حول إدارة المخاطر بقدر ما تدور حول السفن والأساطيل.

بالنسبة إلى إدارة ترامب، يمثل هرمز اختباراً مهماً لمدى قدرة القوة الأميركية على فرض حرية الملاحة في منطقة تعتبرها واشنطن ذات أهمية استراتيجية للعالم كله.

فإذا استطاعت الولايات المتحدة إعادة حركة السفن إلى مستوياتها الطبيعية، فإن ذلك سيعني أن إيران فقدت عملياً قدرتها على استخدام المضيق كورقة استراتيجية.

أما إذا بقيت حركة الملاحة محدودة رغم الانتشار البحري الأميركي، فإن طهران تستطيع القول إن وجود الأسطول الأميركي لم ينجح في تحقيق الهدف الأساسي: إعادة الحياة الطبيعية إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

وهنا يصبح عدد السفن العابرة مؤشراً سياسياً وعسكرياً، وليس مجرد رقم تجاري.

كل سفينة تمر قد تكون دليلاً على نجاح واشنطن، وكل سفينة تغير مسارها أو تؤجل عبورها تمثل مكسباً إيرانياً في معركة فرض المخاطر.

تاريخياً، ارتبطت أهمية هرمز بفكرة أن إغلاقه الكامل سيكون عملاً بالغ الخطورة، لأنه قد يستدعي رداً عسكرياً واسعاً ويضر حتى بمصالح إيران نفسها.

لكن الحرب الحالية تتيح لطهران صيغة مختلفة: تعطيل جزئي، وتهديد مستمر، واستهداف انتقائي.

فبدلاً من إعلان إغلاق شامل، يمكن لإيران أن تجعل المضيق منطقة عالية المخاطر، وتستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والألغام المحتملة لإرباك الملاحة.

وهذه الاستراتيجية أقل كلفة سياسياً من الإغلاق الرسمي، لكنها قادرة على تحقيق جزء من الهدف نفسه: إبقاء أسعار التأمين مرتفعة، وإجبار شركات النقل على إعادة حساباتها، وتأخير عودة التجارة إلى طبيعتها.

في نهاية المطاف، لا يتعلق السؤال بما إذا كان هناك سفن تستطيع عبور هرمز، وإنما بما إذا كانت التجارة العالمية تستطيع العودة إلى استخدامه بصورة طبيعية وآمنة ومنتظمة.