الرياض ولندن: أمن الملاحة يتقدم على أجندة الحرب
الرياض – لم تعد حماية الملاحة في الخليج والممرات البحرية المحيطة به ملفاً ثانوياً في حسابات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بل تتحول تدريجياً إلى واحدة من أهم ساحات إدارة الصراع، وهو ما يفسر بروز أمن الممرات المائية في الاتصالات السعودية البريطانية الأخيرة.
ففي اتصال هاتفي جمع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره البريطاني إد ميليباند، بحث الجانبان تطورات المنطقة، وأكدا أهمية تكثيف الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد، إلى جانب تعزيز أمن وسلامة الممرات المائية الدولية وضمان حرية الملاحة البحرية بما يحمي سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية.
ويأتي هذا الاتصال في توقيت لم تعد فيه المخاطر البحرية مجرد احتمال مستقبلي. فقد انخفض متوسط عبور سفن السلع عبر مضيق هرمز إلى نحو 10 سفن يومياً خلال الأيام العشرة الأخيرة، وهو أدنى مستوى منذ مايو، فيما شهدت حركة الملاحة تراجعاً حاداً خلال الأيام الأخيرة بعد استهداف سفن وناقلات في المنطقة.
وتكشف الاتصالات السعودية البريطانية أن الحرب بدأت تنتقل من مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران إلى أزمة أوسع تمس البنية التي تقوم عليها التجارة والطاقة في المنطقة.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر جغرافي ضيق، وإنما نقطة عبور رئيسية لتجارة النفط والطاقة العالمية، وأي تراجع طويل في حركة السفن عبره ينعكس سريعاً على أسعار النفط والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد.
وقد بدأت الأسواق بالفعل في تسعير هذا الخطر. وارتفع خام برنت اليوم إلى أكثر من 97 دولاراً للبرميل، مع استمرار المخاوف من اضطراب نقل النفط عبر المضيق، بينما باتت شركات الشحن تواجه مخاطر متزايدة بسبب دخول السفن التجارية بصورة مباشرة في دائرة التصعيد.
وبالنسبة إلى السعودية، فإن المسألة أكثر حساسية. فالرياض لا تنظر إلى حرية الملاحة باعتبارها مبدأ دولياً فقط، وإنما باعتبارها مصلحة اقتصادية وأمنية مباشرة، في ظل اعتماد صادرات الطاقة والتجارة الإقليمية على شبكة واسعة من الممرات البحرية.
في هذا السياق، تبدو الدبلوماسية السعودية وكأنها تتحرك على مسارين متوازيين: دعم خفض التصعيد من جهة، والدفع باتجاه حماية الممرات البحرية من جهة أخرى.
وهذا المسار لا يعني بالضرورة أن الرياض تسعى إلى الدخول طرفاً في المواجهة العسكرية، بل يمكن قراءته باعتباره محاولة لعزل المصالح السعودية والخليجية قدر الإمكان عن تداعيات الحرب.
فالرياض تدرك أن استمرار الحرب لا يعني فقط احتمال توسع الضربات العسكرية، وإنما يعني أيضاً ارتفاع كلفة التأمين والشحن، واضطراب صادرات النفط، وتراجع حركة التجارة، وزيادة الضغوط على الاقتصادات الخليجية.
محاولة لبناء شبكة سياسية وأمنية أوسع حول قضية أصبحت تمس الجميع: كيف يمكن إبقاء الممرات البحرية مفتوحة بينما تستمر الحرب؟
ومن هنا تصبح حرية الملاحة جزءاً من سياسة احتواء الحرب، لا مجرد قضية بحرية منفصلة.
وتكتسب بريطانيا أهمية خاصة في هذا الملف بسبب حضورها البحري والتاريخي في منطقة الخليج، وعلاقتها الأمنية الوثيقة بدول المنطقة.
وبالنسبة إلى لندن، فإن حماية الملاحة تعني الدفاع عن أحد الشرايين الأساسية للتجارة والطاقة العالمية، خصوصاً أن اضطراب هرمز لا يتوقف تأثيره عند الدول المطلة على الخليج، وإنما يمتد إلى أوروبا وآسيا والأسواق العالمية.
لذلك يمكن أن تتقاطع المصالح السعودية والبريطانية عند نقطة واضحة: خفض التصعيد من أجل إعادة حركة السفن إلى طبيعتها.
وهذا لا يعني أن البلدين يمتلكان بالضرورة تصوراً واحداً لكيفية إنهاء الحرب، لكنه يعني أن لديهما مصلحة مشتركة في منع تحول الممرات البحرية إلى ساحة دائمة للمواجهة.
تحاول طهران استخدام الجغرافيا البحرية كأداة ضغط في المواجهة مع واشنطن. ومع تصاعد الحرب، أصبحت السفن التجارية نفسها جزءاً من أدوات الضغط المتبادل.
وأعلنت إيران مؤخراً خططاً لإنشاء منطقة حظر أو تقييد جديدة قرب مضيق هرمز، في وقت تقول فيه واشنطن إنها تسعى إلى ضمان استمرار حركة النفط، بينما تواصل القوات الإيرانية الضغط على الملاحة المرتبطة بالخصوم.
وتعني هذه التطورات أن أي تفاهم سياسي بين واشنطن وطهران لن يكون كافياً إذا لم يتضمن ترتيبات عملية بشأن الملاحة.
فإعادة فتح المضيق لا تحتاج فقط إلى قرار سياسي، وإنما إلى استعادة ثقة شركات النقل ومالكي السفن وشركات التأمين بأن المرور لن يتحول إلى مخاطرة عسكرية.
وهذه نقطة بالغة الأهمية بالنسبة للسعودية، لأن عودة السفن لا ترتبط فقط بوقف إطلاق النار، وإنما أيضاً بعودة الإحساس بالأمان في البحر.
وتشير التحركات السعودية الأخيرة إلى أن الرياض تحاول التعامل مع الحرب من زاوية أوسع من حدودها العسكرية.
ففي الوقت الذي تستمر فيه الاتصالات مع أطراف إقليمية ودولية بشأن خفض التصعيد، يبرز ملف أمن الملاحة بوصفه أحد المجالات التي يمكن من خلالها بناء تفاهمات عملية حتى في ظل استمرار الخلافات السياسية بين أطراف الحرب.
وقد بحثت السعودية خلال الأسابيع الماضية أمن الممرات البحرية مع عدد من الشركاء، في مؤشر على أن الرياض تتعامل مع أمن الخليج والبحر الأحمر باعتباره منظومة واحدة مترابطة. كما ناقشت مع تركيا جهود خفض التصعيد وأمن ممرات الخليج والبحر الأحمر.
وتزداد أهمية هذا الترابط مع اضطرار بعض السفن إلى تغيير مساراتها لتجنب مناطق الخطر، الأمر الذي يرفع زمن الرحلات وكلفة الوقود والتأمين.
وبالتالي فإن استمرار الحرب قد ينتج أزمة تتجاوز النفط إلى تكلفة التجارة العالمية نفسها.
من هذه الزاوية، يمثل التواصل السعودي البريطاني أكثر من مجرد اتصال دبلوماسي حول تطورات المنطقة.
إنه يعكس محاولة لبناء شبكة سياسية وأمنية أوسع حول قضية أصبحت تمس الجميع: كيف يمكن إبقاء الممرات البحرية مفتوحة بينما تستمر الحرب؟
وقد يكون هذا الملف أحد المجالات القليلة التي تسمح بتحرك دبلوماسي مشترك، لأن حماية الملاحة مصلحة تتجاوز الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني أو شكل الترتيبات الأمنية في الخليج.
وبالنسبة للرياض، فإن الأولوية تبدو واضحة: احتواء الحرب قبل أن تتحول إلى أزمة طويلة الأمد في أمن الطاقة والتجارة والملاحة.
أما بالنسبة إلى لندن، فإن أمن الممرات البحرية يربط أمن الخليج مباشرة بأمن الاقتصاد الأوروبي والعالمي.